arrow down

ما ينبغي أن يستقبل به المسلمون عامهم الهجري


بقلم فضيلة البروفيسور/ الأمين الحاج محمد أحمد ( رئيس رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله “الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا “، وصلّى الله وسلم وبارك على محمد القائل: “كن في الدنيا كأنك غريب أوعابر سبيل”.
فإن في تعاقب الليل والنهار، وكرِّ السنين والشهور والأيام، وتقارب الزمان، والابتلاء بالنعم والمصائب العظام، لعبرة لأولي الألباب، وذكرى لأصحاب العقول الكبار، وفي التغافل عن ذلك حسرة وندامة، وشقاوة، وغباوة.
أما بعد..
فإني أود أن أذكر نفسي أولاً وإخـواني المسلمين بما ينبغي علينـا أن نستقبل به العام الهجري الجديد، لأن الذكرى تنفع المؤمنين، وتنبه الغافلين، وتعين الذاكرين، فأقول :
أولاً : ينبغي على المسلمين أفراداً وجماعات، رعاة ورعية، علماء وعامة، نساءاً ورجالاً، أن يحاسبوا أنفسهم بأنفسهم حساباً شديداً صارماً قبل أن يحاسبوا، وعليهم أن يزنوا أعمالهم قبل أن توزن عليهم، وليتزينوا ليوم العرض الأكبر، على ما صدر منهم في العام المنصرم والأعوام السابقة، فإن وجد المرء خيراً فليحمد الله، وإن وجد غير ذلك فليعجل بالتوبة والإنابة قبل فوات الأوان واجتماع الحسرتين: حسرة الموت، وحسرة الفوت.
ثانياً : تجديد التوبة الصادقة النصوح من جميع الذنوب والآثام، وعدم التواني في ذلك أوالتسويف فيها.
ثالثاً : على المسلمين أفراداً وجماعات، حكاماً ومحكومين، رجالاً ونساء، الانعتاق والتحرر من الولاء لغير الله، فلا يدعوا غير الله عز وجل، ولا يستغيثوا بغير الله، ولا يصرفوا شيئاً من العبادة لغير الله، فإن فعلوا شيئاً من ذلك فقد أشركوا مع الله غيره، وعليهم أن يجددوا إيمانهم.
رابعاً : الانعتاق والتحرر من تقليد الكفار والتشبه بهم، خاصة في نظام الحكم، والتحاكم إلى قوانينهم الوضعية، ومناهج التربية والتعليم، والتحدث برطاناتهم وتعلمها من غير ضرورة، والعيش في ديارهم، والتشبه بهم في المخبر والمظهر، في اللبس والأعياد ونحوها.
خامساً : التحرر والانعتاق من التأريخ بتواريخ الكفار، والعودة إلى العمل بتاريخنا الهجري، فهذا من أضعف الإيمان، فمن لم يقو على مخالفة الكفار ـ ومخالفتهم قربى ـ في هذه الأمور فلن يقوى على مخالفتهم في غيرها من الأمور الكبار.
سادساً : عدم العمل بالحساب في إثبات الأهلة، خاصة المتعلقة بها العبادات الشرعية، كالصيام، والحج، والزكاة، والعدّة، والكفارات، إلا في الصلاة لارتباطها بالتقويم الشمسي.
سابعاً : الاهتمام باللغة العربية ومنع تدريس غيرها من اللغات، سيما في مرحلتي الأساس والمرحلة الثانوية، وإعادة النظر في الوسائل والطرق التي تدرّس بها، وجعلها اللغة الرسمية في دواوين الحكومة، وفي المحافل، ووسائل الإعلام المختلفة، وعدم التحدث بغيرها في المحافل الدولية، ومع الزوار الأعاجم، والعمل على القضاء على اللهجات العامية فهي بلاء على العربية.
ثامناً : رفع راية الجهاد وإعانة المجاهدين بالمال، والعتاد، والدعاء، والعمل خاصة في سوريا وغزة لإعداد القوة لإرهاب أعداء الله، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
تاسعاً : العمل على بعث عقيدة الولاء والبراء في الأمة، فقد ضعفت هذه العقيدة، بل انعدمت لدى طائفة كبيرة من المسلمين، حيث أصبحوا يوالون أعداء الملة والدين، ويعادون إخوانهم المسلمين، وما خذلان المسلمين حكاماً ومحكومين لإخوانهم في العراق، وفلسطين، وأفغانستان، وكشمير، والشيشان، والفلبين، وسوريا وغيرها عنا ببعيد.
عاشراً : بعث روح الأخوة الإيمانية بين المسلمين، فقد كان أول عمل قام به سيد الخلق بعد هجرته إلى المدينة، وبعد بناء مسجده، أن آخى بين المهاجرين الذين تركوا أموالهم وأهليهم، وبين الأنصار الذين آثروهم على أنفسهم وأهليهم، عن طريق التكافل، خاصة الفقراء منهم، وأن لا ندعهم للمنصرين الذين يحملون المساعدات إليهم بالشمال ويحملون الإنجيل باليمين.
أحد عشر : علينا أن نتذكر بهذه المناسبة حرمة الهجرة لغير ضرورة من ديار الإسلام إلى ديار الكفر التي فتن بها كثير من المسلمين، سيما الأطباء، والمهندسين، والشباب؛ حيث لا تحل الهجرة لديار الكفار ولو كانت بغرض الدعوة، كما وضّح ذلك كثير من أهل العلم القدامى والمحدثين، منهم الشيخ عثمان دانفوديو وغيره، كما لا يحل للمسلمين من أهلها البقاء فيها إلا لعدم وجود البديل.
الثاني عشر : علينا الاشتغال والاهتمام بالعلم الشرعي، فالعلم قائد والعمل تبع له، ومشكلة الإسلام الحقيقية تكمن بين جهل أبنائه وكيد أعدائه، فنشر العلم الشرعي من أجلِّ القربات بعد أداء الفرائض، إذ لا يدانيه شيء من العبادات.
الثالث عشر : العمل على إشاعة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي هي صمام الأمان لهذه الأمة من الانحراف والزيغ؛ فالنصيحة لله، ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم قدر الطاقة واجبة :” من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان “، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
الرابع عشر : ينبغي للمسلمين جميعاً أن يعلموا أن اليأس والقنوط من رحمة الله من الكبائر العظيمة، وعليهم أن يقاوموا ذلك في نفوسهم، وأن يعملوا على اجتثاث ذلك من نفوس غيرهم، خاصة الشباب، فالاستسلام لليأس، والقنوط، والرضا بالواقع من أقوى عوامل الهزيمة، ومن أخطر أسباب الضعف المهينة.
الخامس عشر : اعلم أخي المسلم أن العزة لله، ولرسوله، وللمؤمنين، ولكن المنافقين والمتخاذلين لا يعلمون؛ فلا خير في مؤمن لا يعتدُّ ويعتز بدينه؛ وتذكر خطاب الله عز وجل للفئة المؤمنة عقب انهزاهمهم في أحد: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون” ؛ فالمؤمن هو الأعلى بإسلامه، وبتوكله على ربه، وبثقته بأن العاقبة للمتقين، وبأن النصر بيد العزيز الحكيم، لمن أخذ بأسبابه، وعمل بمقتضى شرعه وخطابه.
السادس عشر : علينا أن نوقن يقيناً صادقاً جازماً أن الله قد أعزنا بالإسلام، وأن من طلب العزة في غيره أذله الله، أوكما قال الخليفة الملهم عمر بن الخطاب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والسلام علينا وعلى جميع عباد الله الصالحين.