arrow down

شهر الله المحرم والبدع المحدثة فيه


بقلم فضيلة أ.د. علي بن محمد مقبول الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

 

فضيلة الشهر:

أيها الإخوة في الله نحن الآن في شهر من شهور الله المحرمة والأشهر الحرم أربعة: ثلاثة سرد أي متتابعة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم شهرنا هذا الذي نحن فيه، والفرد رجب، قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة:36]، ولقد كان القتال محرماً في هذه الأشهر الأربعة على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام واستمر العرب على ذلك ثم جاءت السنة مبينة حرمة الأشهر الأربعة وثباتها في وقتها الصحيح، روى الإمام أحمد والبخاري في التفسير عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجة الوداع فقال: «إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مُضر الذي بين جمادي وشعبان» أي رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه من الحرمة فيها، ذلك الدين القيم أي أن تحريم الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم دين إبراهيم وإسماعيل فهو الحكم والشرع الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج.

عادات العرب في الأشهر الحرم:

والعرب كان من عاداتها أنها تمسكت بتعظيم هذه الأشهر الحرم وراثة عن إبراهيم وإسماعيل ذلك، فهم يحرمون القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه لم يتعرض له، فجاء الإسلام فأكد هذه الحرمة ولذلك قال تعالى: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} أي لا تظلموا في الأشهر أنفسكم باستحلال حرامها فإن الله عظمها، قال العلماء: والمراد النهي عن جميع المعاصي بسبب ما لهذه الأشهر من تعظيم الثواب والعقاب فيها.

وشهر المحرم أيها الإخوة من هذه الأشهر المحرمة والمحرم شهر الله سمته العرب بهذا الاسم لأنهم كانوا لا يستحلون فيه القتال وأضيف إلى الله فقيل شهر الله المحرم إعظاماً له كما قيل للكعبة بيت الله، وقيل سمي بذلك لأنه من الأشهر الحرم، وشهر الله المحرم هو الذي جعله عمر بن الخطاب أول شهور السنة تاريخاً هجرياً، وصومه أفضل الصيام بعد رمضان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» [أخرجه مسلم] وآكده العاشر ثم التاسع وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عمن صام يوم عاشوراء فقال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» [رواه مسلم].

ثم قال صلى الله عليه وسلم: «لأن بقيت أو لأن عشت إلى قابل لأصومن التاسع»، يعني مع العاشر [رواه مسلم].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا ايوم يوم عاشوراء وهذا الشهر يعني شهر رمضان [متفق عليه].

بدع محدثة في هذا الشهر:

ومع فضيلة هذا الشهر العظيم يصل فيه بعض البدع المنكرة وفيها بدعة الحزن عند الرافضة والرافضة فرقة من فرق الضلال تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على خلافة علي نصاً قاطعاً للعذر، وأنه إمام معصوم ومن خالفه كفروا، وأن المهاجرين والأنصار كتموا النص واتبعوا أهواءهم وبدلوا الدين وغيروا الشريعة وكفَّروا الصحابة وقالوا إن أبابكر وعمر رضي الله عنهما ما زالا منافقين أو آمنوا ثم كفروا والعياذ بالله، والرافضة توالي النصارى واليهود والمشركين على جمهور المسلمين ولهم عدة فرق.

بدعة الحزن:

وبدعة الحزن هذه عند الرافضة هو اليوم العاشر ن شهر محرم وهو اليوم الذي عرف بعاشوراء أكرم الله سبحانه وتعالى الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما بالشهادة وذلك سنة 61هـ، وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته وأعلى درجته فإنه هو وأخوه الحسن سيدا شباب أهل الجنة والمنازل العالية لا تنال إلا بالبلاء فكان الحسن والحسين رضي الله عنهما قد حصل لهما من البلاء ما حصل لسلفهما الطيب فإنهما ولدا في الإسلام وتربيا في عز وكرامة والمسلمون يعظمونهما ويكرمونهما ومات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستكملا سن التمييز فكانت نعمة الله عليهما أن ابتلاهما لما يلحقهما بأهل بيتهما كما ابتلي من كان منهما فإن علي بن أبي طالب أفضل منهما وقد قتل شهيداً وكان مقتل الحسين مما ثارت به الفتنة بين الناس، وبسبب هذا الحادث حصل تفرق للأمة الإسلامية إلى اليوم.

وسبب قتل الحسين باختصار:

أنه قتل عبدالرحمن بن ملجم أخزاه الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وبايع الصحابة ابنه الحسن الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم «إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فتنازل عن الولاية وأصلح به بين الطائفتين ثم إنه مات رضي الله عنه وقامت طائفة كاتبوا الحسين ووعدوه بالنصر والمعاونة إذا قام بالأمر ولم يكونوا أهلاً لذلك؛ بل لما أرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب أخلفوا وعده ونقضوا عهده وأعانوا عليه من وعدوه أن يدفعون عنه ويقاتلوه معه ونحن نسأل هنا من قتل الحسين؟!

وكان أهل الرأي والمحبة للحسين كابن عباس وابن عمر وغيرهما قد أشاروا عليه أن لا يذهب إليهم ولا يقبل منهم، ورأوا أن خروجه إليهم ليس بمصلحة ولا يترتب عليه ما يَسُر وكان الأمر كما قالوا، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.

فلما خرج الحسين على طلبهم ورأى أن الأمور قد تغيرت وتخلى عنه من دعاه بل كما قال بعضهم قلوبهم معك وسيوفهم مع بني أمية طلب من أعداءه أن يدعوه أن يرجع أو يلحق ببعض الثغور أو يذهب إلى يزيد فمنعوه هذا وهذا بل قالوا إما أن يستسلم ويأسر أو يقاتلوه فقاتلهم فقتلوه وطائفة ممن معه مظلوماً شهيداً شهادة أكرمه الله بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه.

من هنا نشأت فتنة عاشوراء وأنها يوم مأتم وحزن فنشأت بعد مقتله طائفة جاهلة ظالمة إما ملحدة منافقة وإما ضالة غاوية تظهر موالاته وموالاة آل بيته تتخذ من يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة وتظهر شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية.

قال العلماء: "وصار الشيطان بسبب قتل الحسين رضي الله عنه يحدث للناس بدعتين، بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاء المراثي وما يغضي إلى ذلك من سب السلف ولعنهم وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذنوب حتى يُسب السابقون الأولون وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب وكان قصد من سن ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة فإن هذا ليس واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرمه الله ورسوله.

وهذا مخالف لشرع الله فالذي أمر الله به رسوله في المصيبة إن كانت جديدة وواقعة إنما هو الصبر والاسترجاع والاحتساب كما قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:155-157].

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس منا لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعاء الجاهلية» [رواه البخاري].

وقال صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة» التي تشق ثوبها عند المصيبة، وقال صلى الله عليه وسلم «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» [رواه مسلم]، السربال الثوب والقطران النحاس المذاب الشديدة الحرارة.

وقال صلى الله عليه وسلم: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن، الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت» [رواه مسلم].

فكيف إذا انضم إلى هذه ظلم المؤمنين ولعنهم وسبهم، فهذا مما زينه الشيطان لأهل الضلال والغي والبدع من اتخاذ يوم عاشورا مأتماً وما يصنعون فيه من الندب والنياحة وإنشاء قصائد الحزن ورواية الأخبار التي فيه كذب كثير والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب وإثارة الشحناء والحرب، وإلقاء الفتن بي أهل الإسلام والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين وكثرة الكذب والفتن في الدين.

البدع المحدثة في هذا الشهر عند الروافض:

هذه السن والبدعة المنكرة منتشرة حتى عصرنا هذا ففي بعض البلدان اليوم يستقبل بعض المنتسبين إلى الإسلام شهر المحرم بالحزن والهم والخرافات الأباطيل فيصنعون ضريحاً من الخشب مزيناً بالأوراق الملونة ويسمونه ضريح الحبس أو كربلاء ويجعلون فيه قبرين ويطلقون عليه اسم التعزية ويجتمع أطفال بملابس وردية أو خضر ويسمونهم فقراء الحسين.

وفي اليوم الأول من الشهر تكنس البيوت وتغسل وتنظف ثم يوضع الطعام وتقرأ عليه فاتحة الكتاب...الخ هذه الأمور التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وفي خلال هذا الشهر تمنع الزينة فتضع النساء زينتهن ولا يأكل الناس اللحوم ولا يقيمون ولائم الأفراح بل ولا يتم فيه عقود الزواج وتمنع الزوجة من زوجها إن كان لم يمش على زواجهما أكثر من شهرين ويكثر ضرب الوجوه والنياحة ويبدأ اللعن على معاوية وأصحابه ويزيد وسائل الصحابة.

وفي العشر الأول من الشهر أيضاً تشعل النيران ويتواثب الناس عليها والأطفال يطوفون الطرقات ويصيحون يا حسين يا حسين وكل من يولد في هذا الشهر يعتبر شؤماً سيء الطالع وفي بعض المناطق تدق الطبول والدفوف وتصدح الموسيقى وتنشر الرايات ويتبركون معتقدين أنهم بذلك لا يصيبهم مرض وتطول أعمارهم، ويجلس بعض الوعاظ في الأيام العشر الأول فيذكرون محاسن الحسين ومساوئ ينسبونها لمعاوية ويزيد ويصبون عليهما وعلى أصحابهما اللعنات.

ويروون في فضل عاشوراء وشهر المحرم أحاديث موضوعة وضعيفة ورايات مكذوبة وهذه البدع تعمل في الهند وباكستان وفي البلدان التي يقطنها الشيعة ولا سيما إيران والعراق والبحرين والقنوات الشيعية تبث ذلك، ويقيمون حفلات العزاء والنياحة والجزع وتصوير الصور وضرب الصدور والطعن بالسكاكين وهذا أمر مشاهد يشاهده العالم جميعاً.

هذه هي بعض بدع هؤلاء الرافضة يعملون ذلك حزناً على الحسين وأن هذه الأعمال تقربهم من الله وتكفر السيئات والذنوب التي صدرت منهم في السنة كلها ولم يعلمون أن فعلهم هذا يوجب الطرد والإبعاد عن رحمة الله.

بدع محدثة عند النواصب:

هذا هو فعل الرافضة بالمقابل ظهرت بدعة جديدة عند بعض النواصب والنواصب هم الذين يكفرون عثمان، فهؤلاء جاؤوا ببدعة عجيبة أيضاً فالرافضة أحدثوا بدعة الحزن في يوم عاشوراء وهؤلاء أحدثوا بدعة الفرح في يوم عاشوراء فجعلوا عاشوراء موسم فرح فقابلوا الفاسد بالفاسد والشر بالشر والبدعة بالبدعة فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالإكتحال والإختضاب وتوسيع النفقات على العيال وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة ونحو ذلك مما يُفعل في الأعياد والمواسم فصار هؤلاء يتخذون عاشوراء موسماً كمواسم الأعياد والأفراح.

ولا شك أن النواصب وكذلك الرافضة مبتدعون في فعلهم هذا مخطئون خارجون عن السنة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» [رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح].

ما ورد في السنة يوم عاشوراء:

ولم يسن رسول الله ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئاً من هذه الأمور لا شعائر الحزن والترح ولا شعائر السرور والفرح ولكن صلى الله عليه وسلم وجد اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: «ما هذا» فقالوا هذا يوم نجى الله فيه موسى عليه السلام من الغرق فنحن نصومه فقال: «نحن أحق بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه [متفق عليه].

وكانت قريش أيضاً تعظم هذا اليوم في الجاهلية كما تقدم معنا.

واليوم الذي أُمِر الناس بصيامه كان يوماً واحداً فإنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة في شهر ربيع الأول فلما كان في العام القابل صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه ثم فرض شهر رمضان ذلك العام فنسخ صوم يوم عاشوراء أي وجوبه وقد تنازع العلماء هل كان صوم ذلك اليوم واجباً أو مستحباً على قولين مشهورين أصحهما أنه كان واجباً ثم إنه بعد ذلك كان يصومه من يصومه استحباباً وسنة، ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيامه بل كان يقول «هذا يوم عاشوراء وأنا صائم فيه فمن شاء صام» [متفق عليه].

وقال عليه الصلاة والسلام: «صوم يوم عاشوراء يكفر سنة وصوم يوم عرفة يكفر سنتين».

مخالفة الكفار:

ولما كان آخر عمره بلغه أن اليهود يتخذونه عيداً قال: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع مع العاشر» ليخالف اليهود ولا يشابههم في اتخاذه عيداً.

والمستحب لمن صامه أن يصوم التاسع معه؛ لأن هذا آخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع».

وهنا أحب أن أرد على شبهته وهي أن الرافضة تتهمنا نحن أهل السنة أننا نصوم هذا اليوم فرحاً وسروراً وشماتة بالحسين وهذا كذب وزور فنحن نحب آل البيت، ونصلي عليهم في صلاتنا التي هي الركن الثاني من الإسلام ونحن أولى بالحسين من هؤلاء ونحن عندما نصوم نعمل بقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» [رواه مسلم] وبقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا يوماً قبله أو بعده يعني العاشر خالفوا اليهود» [رواه أحمد].

ختاماً:

ونعمل بقوله احتسب على الله أن يكفر سنة كاملة فنحن نصومه اتباعاً لسنة نبينا وتنفيذاً لأمره فأين أمره لهؤلاء الروافض الذي شوهوا الإسلام بضرب الصدور والرؤوس بالسكاكين وغيرها من البدع أو هؤلاء الذين يفرحون ويأكلون.

أهل السنة وسط بين الجافي والغالي، وعل كل حال من صام اليوم فليصم غداً ليوافق السنة ومن لم يصم اليوم فليصم العاشر والحادي عشر ومن أراد الكمال والأفضلية وليكسب فضل صيام يوم عاشوراء وفضل صيام ثلاثة أيام من كل شهر فليصم التاسع والعاشر والحادي عشر.

أسأل الله أن يبعد عنا الفتن والبدع...