arrow down

عاشوراء.. هلاك للظالمين وفرح للمؤمنين


بقلم فضيلة د. محمد عبد الكريم الشيخ ( الأمين العام لرابطة علماء المسلمين )

يقول الله تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه) "يوسف/111" ويقول الله عز وجل: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) "الأنعام/45" إنّ إهلاك الظالمين نعمة من نعم الله تبارك وتعالى، ينبغي لعباده المؤمنين أن يشكروه على هذه النعمة, ونحن نعيش هذه الأيام المباركة من شهر الله الحرام، ونقبل على يوم عظيم من أيامه، يوم نجى الله فيه فريقًا من المؤمنين وأنجاهم من الظالمين, فبدأ المؤمنون يشكرون الله عز وجل من ذلك الزمان على هذه النعمة التي أنعمها الله عز وجل على الثلة المؤمنة, وذلك أنّ فرعون لما بغى في الأرض وعلا (وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم) "القصص/4" يستضعف بني إسرائيل، وهم الشعب الذين هم من سلالة يعقوب بن إسحاق بن خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام, جعل أهلها شيعًا يستضعفهم في الأرض, فأذلهم وسخرهم لمهن رخيصة, ولمّا رأى رؤيا ـ كما قال المفسرون ـ أنّه سيخرج من بني إسرائيل رجل يورثه الله عز وجل مكان فرعون, أخذ يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم كما قال الله جل وعلا: (وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم "القصص) /4" فكان في ذلك مسرفًا.
فبعث الله عز وجل موسى عليه السلام, وضعته الأم فأشفقت عليه, فأوحى الله عز وجل إليها أن اجعليه في التابوت ثم ألقيه في اليم, فذهب به اليم إلى قصر فرعون فألقى الله محبته في قلب امرأة فرعون فأحبته حبًا شديدًا فقالت: (قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (9) .القصص.
وسخر الله عز وجل له ذلك الظالم لكي يتبناه، فرُبيّ في بيته, وكان يركب ما يركب فرعون ويلبس مما يلبس, وبعد أن بلغ أشده واستوى ـ وهو في طريقه إلى مصر من مدين، أوحى الله عز وجل إليه بالرسالة وأمره أن يذهب إلى فرعون لكي يذكره لعله يتذكر أو يخشى, يتذكر فيحذر من عقاب الله تعالى, ويخشى خشية تورثه طاعة وإخباتًا لله عز وجل, فقال له الله عز وجل: (فقولا له قولاً لينًا لعله يتذكر أو يخشى * قالا ربنا إنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى * قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) ."طه/44-46"
فأتاه موسى عليه السلام وأخوه هارون فقالا له قولاً لينًا, فأبى واستكبر وعاند, ووسم موسى عليه السلام بالسحر والشعوذة, وأمر السحرة أن يلتقوا معه في يوم الزينة فنصر الله عز وجل موسى عليه السلام وسجد السحرة لرب هارون وموسى, وأنزل الله عز وجل على يد موسى الآيات البينات وحذر موسى فرعون من مغبة ما هو فيه وقومه, فقال فيهم الله عز وجل وعنهم: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين) ."الأعراف/133"
بعد ذلك أوحى الله سبحانه وتعالى لموسى عليه السلام بأن يخرج بني إسرائيل من أرض مصر في ليلة كما قال الله عز وجل ـ في سورة الشعراء ـ: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) (52) "الشعراء " وفرعون علم بخروج بني إسرائيل خلسة، فأرسل في المدائن حاشرين, أرسل في مدائن مملكته حاشرين للناس والجنود، ولماذا يحشرون عددًا كبيرًا وفيهم رجل يزعم بأنه إله؟ إذ قال أنا ربكم الأعلى, فقال معللاً: (إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغائظون) "الشعراء/54-55 " قالها معللاً: أي ما حشدنا هذا العدد وما جمعنا هذا الجمع إلا لأنهم قد أبلغونا مبلغًا كبيرًا من الغيظ (وإنهم لنا لغائظون * وإنا لجميعٌ حاذرون) "الشعراء/55-56 " أي كنا على حذر مما يفعلون, فأخرجهم الله عز وجل مما كانوا فيه, فخرجوا في وقت الإشراق.
قال ابن عباس رضي الله عنهما ـ في تفسيره لسعيد بن جبير في قوله تعالى: (وفتناك فتونًا) "طه/40" ـ في قصة الفتون ـ والقصة موقوفة عليه رضي الله عنه كما قال ذلك ابن كثير ونقله عن أبي الحجاج المزي رحمهما الله تعالى ـ قال ابن عباس: فأوحى الله عز وجل إلى موسى أن يخرج بقومه ليلاً, فلما أصبح فرعون أرسل في المدائن حاشرين, فجمع الجنود فخرجوا إلى موسى وقومه, فجاء موسى عليه السلام والبحر من أمامه فأدركه فرعون بجنوده فلما رأى قوم موسى هذا قالوا: يا موسى إنّا لمدركون؛ البحر من أمامهم وفرعون من خلفهم, (إنا لمدركون) أي سيدركنا فرعون، وذلك بعد أن تراءى الجمعان جمع موسى وجمع فرعون وجنوده, فلما تراءى الجمعان, أي رأى بعضهما بعضًا، قال أصحاب موسى إنا لمدركون، فقال موسى عليه السلام: كلا، بكل توكيد وثقة "كلا" لسنا بمدركين, "كلا" لسنا بمفتنين, "كلا" لسنا بمن سيكون في أيدي هؤلاء الظالمين.
ولماذا قال كلا بهذه الثقة وبهذه الطمأنينة؟ إن العلة في ذلك (إن معي ربي سيهدين) فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) إن السنة التي أجراها الله عز وجل للماء لكي تسير على اليابسة في لحظة من اللحظات, بقدرته تعالى يتحول هذا الماء ليصبح كالجبل الشامخ, وتصبح الأرض التي كان فيها الماء طريقًا يبسًا، وكأن الماء ما مسته يومًا، وفي قوله تعالى: (فأوحينا إلى موسى) إشارة إلى أن هذا الأمر كان عند لقائه بفرعون.
وفي حديث الفتون, قال ابن عباس رضي الله عنهما: "وكان الله عز وجل قد أوحى إلى موسى عليه السلام ـ أي قبل أن يخرج ببني إسرائيل ـ أن اضرب بعصاك البحر وقال للبحر إذا ضربك عبدي موسى فانفلق فرقتين, فلما قدم موسى إلى البحر نسي أن يضرب بعصاه البحر فقال له أصحابه: إن الله عز وجل لم يكذب ولم تكذب, فقال موسى: إنّ الله وعدني أني إذا أتيت البحر انفلق فرقتين ثم تذكر عليه السلام أمر الله عز وجل إياه بضرب البحر بالعصا, فضربه فانفلق فرقتين" هذا ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه.
ولما رأى فرعون ذلك الأمر، دخل بجنوده في الطريق اليبس، بعد أن دخل موسى وقومه, فلما اجتازوا البحر وأصبح قوم فرعون في سواء الطريق اليبس، أطبق الله تعالى عليهم البحر وأعاد سنة الماء في ذلك للماء فأغرقهم الله تعالى في ذلك المكان, فقال الله عز وجل عنه ـ أي عن موسى ـ (ثم أزلفنا الآخرين) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (ثم أغرقنا الآخرين * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين) "الشعراء/65-67 "إن في هذا الحدث الذي حدث لآية على مر القرون، وإن قوم موسى طلبوا من موسى أن يريهم فرعون، فأخرجه الله عز وجل، فقال سبحانه وتعالى: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرًا من الناس عن آياتنا لغافلون) ,"يونس/92" ففي هذا الحدث آية على مر القرون ولكن أكثرهم لا يعلمون؛ ولهذا الله عز وجل قال: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الحكيم) "الشعراء/67-68 " وكانت هي آخر خرجة من خرجات هذا الظالم من بلده, قال سبحانه وتعالى: (فأخرجناهم من جنات وعيون * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كذلك وأورثناها بني إسرائيل) ,"الشعراء:57-59" وقال في سورة الدخان: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قومًا آخرين* فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين* ,"الدخان 25-29" وقال تعالى ممتنًا على بني إسرائيل: (ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين * من فرعون إنه كان عاليًا من المسرفين * ولقد اخترناهم على علم على العالمين) ."الدخان 30-32"
فماذا كان موقف كليم الله موسى بن عمران من هذه النعمة؟ صام موسى عليه السلام هذا اليوم شكرًا لله تعالى في العاشر من محرم, ويأتي الرسول حين يقدم المدينة كما ورد ذلك في الصحيحين، في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا قدم المدينة وجد يهودَ تصوم عاشوراء فقال رسول الله : ((ما هذا؟)) فقالوا: هو يوم صالح نجى الله فيه موسى وبني إسرائيل وأغرق فيه فرعون وقومه, فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((نحن أحق بموسى منكم))"رواه أحمد في المسند، وابن ماجة في سننه" فصامه وأمر بصيامه, وذلك قبل فرض رمضان, فلما فرض رمضان قال عليه الصلاة والسلام: (من شاء صامه, ومن شاء تركه)).
وفي قوله : ((نحن أحق بموسى منكم)) أن الرسول عليه الصلاة والسلام أقرب إلى موسى من هؤلاء اليهود الذين كفروا برسالة محمد وكذبوا رسولهم كذلك موسى, فالرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: ((نحن أحق بموسى منكم)) صدق؛ إذ هو عليه الصلاة والسلام رسول الله وكليمه كما أن موسى عليه السلام رسول الله عز وجل كليمه كذلك فهو عليه الصلاة والسلام يفرح لفرح موسى وصدق الله عز وجل: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) أي ينبغي أن يُحمد الله تعالى عند إهلاكه للظالمين فهي نعمة من نعمه تعالى.
إن لموسى عليه السلام فضيلة على أمة محمد عليه الصلاة والسلام, ولذلك لا تعجب أيضًا عند قوله : ((نحن أحق بموسى منكم)) فثبت في صحيح البخاري في كتاب الصلاة في قصة الإسراء الطويلة من حديث أبي بكر بن حزم, وأنس بن مالك رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في قصة الإسراء: ((ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاة فنزلت على موسى عليه السلام فقال: ما فرض الله تعالى عليك؟ فقلت: خمسون صلاة, فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف, فإن أمتك لا تطيق, قال: فرجعت إلى ربي فسألته فأنزل شطرها فرجعت إلى موسى فقال: ما فعل؟ قال: أنزل شطرها ـ أي أنزل الله شطرها فجعلها خمسًا وعشرين صلاة ـ فقال له موسى: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ـ رأفةً على أمة محمد عليه الصلاة والسلام فإنه جَرّب بني إسرائيل ووجد بأنهم لم يتحملوا ما أوجب الله عليهم من التكاليف ـ فقال : ارجع, فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل شطرها, فرجع إلى موسى, فقال: ارجع فإن أمتك لا تطيق, فرجع مرة أخرى, فقال الله عز وجل: خمس وهي خمسون ـ أي جعلتها خمسًا, وفي أجرها بخمسين صلاة ـ لا يبدل القول لدي, فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى موسى بن عمران فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف, فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((استحييت من ربي)).
وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى قد خفف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم عدد الصلوات وجعل موسى عليه السلام سببًا في ذلك, فله أيضًا فضل على أمة النبي عليه الصلاة والسلام, فصدق النبي عليه الصلاة والسلام إذ قال: ((نحق أحق بموسى منكم)) وهكذا المسلمون كالجسد الواحد ينظر بعضهم إلى آلام بعض, إذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى, فالرسول يفرح لفرح موسى فيصوم يوم عاشوراء.
ومن قبيل هذا قوله: والحديث عند البخاري في صحيحه وكذاك مسلم من حديث سعيد بن المسيب عن أم شريك رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال: ((إنه كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام)), وفي رواية للإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها, أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اقتلوا الأوزاغ ـ جمع وزغ ـ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم عليه السلام)), وفي رواية ثالثة: أن امرأة دخلت على عائشة رضي الله عنها فوجدت عندها حربة فقالت: ما هذا؟ قالت عائشة رضي الله عنها: نقتل به الأوزاغ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنه كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام النار)).
وهكذا يا سبحان الله، يفرح الرسول صلى الله عليه وسلم لفرح الأنبياء، يحب من أحبهم، ويبغض من أبغضهم، ويعادي من عاداهم، فيفرح لفرح موسى عليه السلام ويعادي من عادى إبراهيم عليه السلام.