arrow down

طرق أهل السنة في التصدي للمد الرافضي

بقلم فضيلة د. محمد بن محمد المهدي (عضو رابطة علماء المسلمين )

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

مراحل انتشار السنة في اليمن:

دخل الإسلام أرض اليمن الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنهم أهل الإيمان والحكمة، فقال كما في الصحيحين: «جاءكم أهل اليمن أرق قلوباً وألين أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية»، وكما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضوان الله تعالى عليهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عندما بعث معاذاً إلى اليمن قال: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» إلى آخر الحديث، فاستجاب أهل اليمن ولم يقفوا عند هذا الحد بل توجهوا إلى المدينة، وكانوا مشاركين في الفتوحات الإسلامية المتعددة، وسار الناس على هذا الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء عن طريق أصحابه إليهم من الإيمان بالعقيدة الصحيحة، والعمل والجهاد في سبيل الله، والدعوة، والتعليم، واستمر هذا الوضع قروناً طويلة، حتى ذكر ابن أبي سمرة الجعدي في طبقات فقهاء اليمن -وقد توفي في آخر القرن السادس- هذا الوضع في اليمن، وخاصة فيما يتعلق بمناطق مثل تعز وإب وعدن وأبين وغيرها.. ذكر أن الناس هناك أهل سنة، وذكر في هذا الكتاب كبار المحدثين كالعرشاني، وكبار الفقهاء كالعمراني، وأيضاً اليفاعي وغيرهم من أهل الحديث والفقه، نعم كان في اليمن دول كالدولة الإسماعيلية الصُليحية، وقبل ذلك جاء الإمام الهادي يحيى بن الحسين، وتوفي عام 282هـ، توفي في صعدة، وعن طريقه دخل مذهبه، والذي يقال له المذهب الزيدي، وجاءت بعد ذلك الدولة الصُليحية، لكن كان الوجود السني في المجتمع قوياً جداً، حتى ذكر القاضي إسماعيل الأكوع في كتاب هجر العلم ومعاقله في اليمن أعلاماً كثيرين، بل كان يوجد في أوساط علماء الزيدية محدثون وفقهاء ملتزمون بالكتاب والسنة.

والزيدية وإن كانوا ينتحلون مذهباً غير المذاهب الأربعة إلا أنهم كانوا من حيث الجملة أقرب إلى أهل السنة، ومعلوم أن تصنيف الشيعة ثلاثة أقسام: قسم هم الباطنية البعيدون كل البعد، والقسم الثاني: هم الإثنى عشرية الذين جمعوا طوامَّ كثيرة، والقسم الثالث: هم الزيدية. وعندهم أشياء يتفقون فيها مع الشيعة، وعندهم أشياء يتفقون فيها مع السنة.

اختلطت الأوراق بعد ذلك، ودخلت البدع الكثيرة، وحتى الفرقة الجارودية من الزيدية كان لها بين فترة وأخرى ظهور وبروز، وتنتقص بعض الصحابة خلافاً لما عليه جمهور الزيدية، مع ذلك وبعد قيام الثورة، أو قيام الجمهورية العربية اليمنية كان المجال خصباً لنشر السنة، وتعددت مصادر نشر السنة، ومنها التراث الذي تركه المجددون السابقون من أهل السنة والجماعة، ومن علماء الأمة، سواء كانوا زيدية متسننين أو كانوا شافعية، ومنهم على سبيل المثال الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير، والعلامة عبد القادر بن أحمد، والعلامة -الذي هو شيخهم- محمد بن إسماعيل الأمير، ومنهم شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني وغيرهم، وهذا التراث قام بإحيائه علماء أهل السنة وانتشر.

ثانياً: طبع الكتب الإسلامية السنة السلفية.

ثالثاً: مجيء العلماء والدعاة الذين درسوا في مكة وفي المدينة وفي الرياض، وفي غيرها من مناطق المملكة العربية السعودية.

رابعاً: المناهج التي درست في اليمن في التربية والتعليم، وكانت مناهج جيدة، وكان عن طريقها انتشار العقيدة الصحيحة.

خامساً: قيام المعاهد العلمية في اليمن.

سادساً: قيام المعاهد الشرعية التي جاءت بعد الوحدة.

سابعاً: وجود الجمعيات الخيرية التي يقودها علماء السنة في اليمن.

هذه وغيرها كانت من أسباب انتشار السنة.

العلماء كان لهم دور طيب ومبارك في نشر السنة، وإن كان بعضهم لم يكن صريحاً في الوضوح والموقف من الذين ينشرون البدع والضلالات، وبعضهم كان أشد وضوحاً، ودور المراكز اليوم الشرعية من صعدة إلى مأرب إلى صنعاء إلى معبر إلى تعز إلى إب إلى عدن إلى حضرموت مع الجمعيات واللجان العلمية المتخصصة والمؤسسات.. هذه الحمد لله لها دور كبير في نشر السنة الصحيحة، وبيان ما يضادها من البدع والخزعبلات.

طرق الروافض لنشر الرفض في اليمن، وبعض عقائدهم:

أما بالنسبة لمذهب الرافضة الإثني عشرية؛ فنحن نعلم أن هناك خطة خمسينية وضعت أيام الخميني، ونحن الآن نقترب من ثلاثين عاماً من وضع هذه الخطة، وقد حقق هؤلاء قدراً كبيراً من مشروعهم على مستوى العالم، وكان لهذا البلد نصيبه.

وقد جاء هؤلاء من طرق: منها: أنهم حاولوا أن يستغلوا بعض الزيدية لكونهم في الأصل شيعة معتدلين -كما ذكرت سالفاً- حاولوا أن يستغلوهم تحت هذا المسمى العام للشيعة، ونحن نعلم أن الإثني عشرية يكفرون الزيدية، وهذا في كتبهم، فقد ذكر ذلك صاحب بحار الأنوار المجلسي قال: "وكتب أصحابنا مشحونة بكفر الزيدية"، وبالعكس أيضاً عبد الله بن حمزة في العقد الثمين يذكر بعض طوام الإثني عشرية، ومنها الرجعة قبل الموت ويعدها من الكفريات، ويحيى بن حمزة في الرسالة الوازعة يحكم عليها بالضلال في مواطن كثيرة، والإمام الهادي في كتاب الأحكام ذكرهم، وقبله جده القاسم الرسي ذكرهم، بل وحكم عليهم بالكفر والشقاق.

وكان لهم لتحقيق هذه الخطة الخمسينية في العالم جهود معروفة، وكان لهم في اليمن أيضاً جهود قوية لنشر التشيع بمفهومه الإثني عشري، وكما ذكرت دخلوا من ناحية التشيع على الزيدية لنقلهم إلى الغلو الذي وقعت فيه الإثني عشرية، حتى إن بعضهم عندما قال: بأن هناك في القرآن تحريفاً بالنقص سكتوا، وبينهم خلاف في الزيادة، أي: هل يوجد زيادة في القرآن؟ لكنهم قالوا: إن هناك نقصاً، وأرجعوا بعض الآيات إلى أماكنها، كما ذكروا في كتبهم، وما ذكره الطبرسي في رسالته المعروفة حول القرآن، وهي: دفع الارتياب. يكفي في فضح هؤلاء.

كذلك حكمهم على الصحابة بالتكفير، وقولهم بالعصمة لإثني عشر إماماً أو أربعة عشر إماماً؛ لأنهم ألحقوا النبي صلى الله عليه وسلم -أبشركم- بالمعصومين مع فاطمة، فصاروا أربعة عشر.

التعلق بالقبور، وطلب المدد من الأموات، وأيضاً الحقد الدفين على مخالفيهم، والحكم بكفر ونجاسة أهل السنة. وهذا كله في كتبهم، القول بالبداء على الله، القول بالرجعة قبل يوم القيامة، هذه كلها موجودة، وما عليك إلا أن تقرأ كتاب وسائل الشيعة.. أن تقرأ الأنوار النعمانية للجزائري.. أن تقرأ بحار الأنوار للمجلسي.. أن تقرأ الكافي للكليني. والمصادر كثيرة التي تتحدث عنهم.

أيضاً: جاءوا إلى اليمن ودخلوا عن طريق النسب القرشي وبالتحديد الهاشمي، فيتباكون عند الهاشميين أنهم يحبون أهل البيت، وأن أهل السنة ظلموهم، وبذلك يدخلون على بعض الناس سواء كان شافعياً أو زيداً، ويتأثر البعض القليل من الناس بذلك.

أيضاً يعطون المساعدات المادية لبعض المحتاجين، أيضاً بعض الناس ينخدع بهم بسبب كلامهم باللسان على أمريكا، ونحن نعلم أن أمريكا هي حليفتهم في أفغانستان وفي العراق وهم حلفاء أمريكا، وقد قال قائلهم وهو نائب الرئيس السابق: "لولا إيران ما دخلت أمريكا أفغانستان ولا العراق"، ولكن بعض الناس يصدقون الإعلام، ولا يعرفون الواقع والحقيقة.

ومع هذا كله فإن هذا المذهب ليس مقبولاً عند اليمنيين لا عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً، صحيح هذه الوسائل التي ذكرتها وغيرها تؤثر على بعض الناس، لكن السواد الأعظم لن يقبلوا به، أنا ألاحظ مثلاً التوجه الحوثي أخذ بعض الجوانب من الإثني عشرية، كالتعلق بالخميني، وترديد الشعارات، وكثرة الحقد على أهل السنة، لكن أيضاً هناك مسائل كثيرة لم يأخذ بها الحوثيون، ومنها: عدم تصديقهم بالمهدي المنتظر الذي في السرداب، ومنها أيضاً: أنهم يعتقدون صحة الإمامة في البطنين، وأولئك حصروها في الإثني عشر وأولاد الحسين فقط، فبينهم خلافات.

الذين تأثروا تأثراً تماماً هم أفراد في الجوف، وبعض الأفراد في بعض محافظة مأرب، وبعض الأفراد في صنعاء وهم قليلون جداً، هؤلاء صاروا إثني عشريين بالمفهوم العام، سواء كانوا من الأسر الهاشمية كأولاد علي العماد مثلاً، أو بعض آل الوزير، أو كانوا من الأشراف في الجوف، أو من القبائل، فهؤلاء نشاطهم أو نجاحهم محدود، وأفرادهم معدودون والحمد لله، أما السواد الأعظم من أهل السنة والجماعة أو من الزيدية فالكل -والحمد لله- متنبه لهذا الخطر وليس مقبولاً عنده، لكن لا نريد أن نتجاهله وأن نقول: إنهم ليس لهم وجود قوي، وليس لهم تأثر. هذا غير صحيح، لهم تأثر محدود، ويخشى أن يتوسعوا، لاحظ في حضرموت الأسر الهاشمية من آل باعلوي يركزون عليها كثيراً، وإن كان هؤلاء الشافعية صوفية، وموقفهم من الصحابة موقف جميل، وموقفهم من القرآن موقف العصمة، لكنهم يدخلون عليهم من هذا الباب، ويقولون: بيننا وبينكم عدو مشترك وهو الوهابية، ويقصدون بها السلفية السنية التي هي الامتداد الطبيعي للإسلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصل إلى اليمن عن طريق رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

علماء اليمن ودورهم أمام التمدد الشيعي:

علماء اليمن دورهم -والحمد لله- في الدفاع عن ثوابت أهل السنة والجماعة واضح، صحيح أن هناك نقصاً في التنسيق، وأن هناك نقصاً في التواصل، وأن بعض الفصائل السنية كبعض الحركات الإسلامية التي هي من حيث الجملة محسوبة على السنة ليس لها موقف صريح من التحرك الإيراني، ومن وكلاء إيران في اليمن، بحكم أن المواقف السياسية أحياناً تجمع بين الفريقين، والحقيقة أن الطرف الآخر.. الذي هو بعض الأطراف السنية عندها تعلق بالطرف الذي هو وكيل لإيران في اليمن، بينما هم حذرون كل الحذر، ويرون كل الآخرين أقرب إليهم من هؤلاء، فنريد إخواننا هؤلاء أن يتفطنوا، وأن يعلموا أن الإثني عشرية ترفض رفضاً باتاً التقارب مع أهل السنة إلا إذا كان بمعنى تقريب أهل السنة إليهم، فهم بهذا موافقون، نحن نعلم (دار التقريب)، والذي سماه محب الدين الخطيب: (دار التخريب) التي كانت في القاهرة.. خربت العقائد، وقربت الناس إلى الرافضة الإثني عشرية، ولذلك يجب أن نكون متيقظين.

الدكتور القرضاوي وهو من أهل التقريب، لكن لما قال كلمة واحدة لإيران: "لا تتدخلي في العراق، ويا شيعة العراق لا تقتلوا أهل السنة ولا تشيعوهم، وعلى أهل السنة على ألا يسننوا الشيعة"، قالوا فيه ما قال مالك في الخمر، وحملوا عليه حملة شعواء، بل وللأسف بعض الحركات الإسلامية أخذ يدينه وينتقده إلى أن أسكتوه.

فالمقصود أن بعض الأجنحة السنية عليها أن تعيد النظر في مسألة التقارب مع الشيعة، فهم يرون الإسماعيلية مع أنهم -كانوا يكفروننا- أقرب إليهم، ومثلاً إذا نظرت إلى الحكم النصيري هو امتداد للباطنية وهم متحالفون وشركاء معه، بل قال بعض الإثنى عشرية منذ مائة وخمسين عاماً، قال:"لم يبق عندنا أصحاب غلو"، هم كانوا يكفرون الغلاة من الباطنية، يعني: من الدروز والنصيرية والإسماعيلية وغيرها، لكن قال هذا الشيعي الإثني عشري:"لم يبق عندنا غلاة"، يعني: بمعنى أنهم استطاعوا أن يستوعبوا جميع فرق الشيعة في مذهبهم.

ولذلك نقول: على أهل السنة أن يكونوا صفاً واحداً، وأن يدافعوا عن العقيدة، وعن الصحابة، وعن آل البيت.

والحمد لله أنا أقول: في هذا الشعب وفي غيره من الشعوب الإسلامية أنها مفطورة على حب الرسل والأنبياء جميعاً، وعدم التفريق بينهم، وعلى حب آل البيت والصحابة، هذا هو الذي ورثناه صغاراً عن آبائنا وأجدانا نحب أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، وآل البيت فاطمة وخديجة وعائشة.. لا نفرق بينهم نحب الجميع، قد تتفاوت مراتبهم عندنا كما هو الترتيب عند أهل السنة في فضل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وهكذا، ولكننا نحب الجميع ولا نفرق بينهم.

فعلينا نحن أهل السنة أن نستيقظ حكومات وشعوباً وجماعات وأفراداً، وأن نعلم أننا مستهدفون، وأن التمدد الشيعي الإثنى عشري أصبح تمدداً شعبياً وحكومياً، على مستوى دول الآن نشأت دول لم تكن موجودة؛ لأن الحكام وغيرهم يشغلونا بجزئية وينسون الهدف الأساس لأهل السنة والجماعة في تعبيد الناس لله تبارك وتعالى.

أسأل الله عز وجل أن سدد خطواتنا، وأن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه.