arrow down

منعطفات في طريق شباب الدعوة

بقلم فضيلة البروفيسور/ الأمين الحاج محمد ( رئيس رابطة علماء المسلمين )

الشباب الجاد الطموح هم أمل الأمة، ورجال المستقبل، وعدة الرسل عليهم السلام.

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: (ما آتى الله تعالى العلم قط إلا شاباً، والخير كله في الشباب، ثم تلا قوله تعالى: “قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ”1. وقوله تعالى: “وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا”2. وقوله تعالى: “إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى”3).

وقد صدق ابن عباس، فمن الشباب من غير وجه التاريخ وكان سبباً لإخراج أمة من ظلمات الشرك والوثنية إلى نور الهداية كما فعل غلام اصحاب الأخدود، ودك الله عز وجل عن طريقه دولة من دول الكفر والطغيان.

الشباب الطموح الحامل لهم هذه الدعوة قليل ولكن قليلهم لا يقال له قليل، على الرغم من العقبات والمنعطفات الداخلية والخارجية، المباشرة والغير مباشرة التي تواجههم، ولذلك تتحتم العناية بهم، ورعايتهم، وتوجيههم، والصبر عليهم، ولا يحل قلوهم وهجرهم والابتعاد عنهم.

من تلكم المنعطفات الحرجة والصوارف المثبطة والعوائق المعرقلة لانطلاقة شباب الدعوة ما يأتي:

1. الوالدان: لتعلقهما بالدنيا وزخارفها الفانية فكثير من الوالدين والأسر لا تعين على أمر الدين والدعوة، وليت بعضهم بكتفي بهذا الأمر السلبي بل منهم من يتعداه إلى وضع العراقيل والصعاب أمام ابنائهم.

2. حرص البعض أو حملهم على التخصص في مجالات الطب والهندسة وما شاكل ذلك. فدراستها شاغلة، وعملها يستوعب جل الوقت.

رحم الله الإمام النووي عندما عزم على دراسة الطب واشترى كتاب (القانون) ومعداته، ولكن لشفافيته سرعان ما ترك ذلك لتغير بعض حاله فقال: فنظرت من أين دخل عليَّ، فعلمت من دخولي في دراسةالطب.

3. الوظيفة: من الوظائف ما يستوعب جل الوقت ويحرم من حضور الدروس والقيام بواجبات الدعوة وقليل من يوفق للجمع بين الأمرين.

4. العجز والكسل: من الصوارف عن طلب العلم الشرعي والاستمرار في الدعوة إلى الله عز وجل العجز والكسل ولهذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يستعيذ منهما: “اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل”. وقد عبر شيخنا ناصر العمر حفظه الله عن ذلك بالفتور في رسالته اللطيفة (الفتور) فينبغي مطالعتها والاستفادة منها.

جاء فيها: (إن هذه اليقظة المباركة والصحوة الرائدة تحتاج إلى حماية من داخلها وخارجها، ومن أعظم ما يهددها من الداخل أن يسري الفتور في جسدها، ويدب في أوصالها ومفاصلها. هناك يهون على الأعداء تحقيق مآربهم والوصول إلى غاياتهم وعندئذ ستجد من يلقي باللائمة عليهم، وكأنه لم يفقهه قوله تعالى: “أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”4).

5. الملاهي: من المنعطفات التي تحول بين بعض الشباب وبين الاستمرار والمضي في طريق الدعوة الملاهي، وما أكثرها في هذا العصر سيما مع بث ونشر كثير من السقطات والزلات التي صدرت من بعض أهل العلم بإباحتها.

أقرب دليل على ذلك افتتان بعض الشباب الأخيار بكأس العالم والحرص على مشاهدة مبارياته، والاستفسار عن حل ذلك، والمجادلة في أمر من البديهيات.

6. الزواج: وهو من المنعطفات الخطرة، والصوارف المزعجة عن طلب العلم الشرعي والاشتغال بأمر الدعوة على الرغم من أهميته وحاجة الشباب إليه خاصة في هذا العصر الذي كثر فيه الاختلاط، وخرجت فيه جل النساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، ففتنَّ وافتتنَّ.

كم من شاب كان كالنحلة حيوية ونشاطاً في طلب العلم الشرعي والحرص عليه، وفي القيام بأمر الدعوة والحسبة والتدريس، وملازمة المشايخ، ولكن بمجرد أن يخطب تتغير حاله، ويتنكر لما كان يعرف من قبل، ويجفو من المشايخ من كان ملازماً له، حتى قلت في نفسي: إذا خطب الشاب فاغسل يديك منه وإذا تزوج فقل: اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منه، إلا من رحم الله وقليل هم.

ولذلك أحببت أن أتقدم بهذه النصائح والتوجيهات لعلها تقلل من الخسائر الفادحة والفاقد المريع، وعساها أن تجد أذناً صاغية وقلباً واعياً ونفساً قانعة راضية، فأقول وبالله التوفيق:

أولاً: من استطاع من شباب الدعوة الجادين أنْ يؤخر الزواج مستعيناً بالصبر والصيام حتى يحصل على العلم الشرعي، أو مفاتحه فليفعل، وليكن لهم في سلف الأمة القدوة الصالحة والأسوة الحسنة، فها هو ابن منده خرج من بلده طاباً للعلم وعمره عشرين سنة ولم يرجع إلى بلدته حتى بلغ الخامسة والستين، فلما رجع تزوج وولد له.

وذلك لما للزواج في هذا العصر من الصوارف والعوائق عن كثير من أعمال الخير لتعلق جل النساء صغاراً وكباراً بالدنيا وزخارفها.

عليك أيها الشاب أن تستصحب النصيحة الغالية التي قالها الإمام الألبيري رحمه الله لفلذة كبده ابنه أبي بكر حيث جاء فيها:

ولم يشغلك عنه هوى مطاعٌ ولا دنيا بزخرفهـا فُتنتــا
ولا ألهــاك عنه أنيق روضٍ ولا دنيـا بزينتهــا كلفتــا
فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربتا
فواظبـه وخـذ بالجد منـه فإن أعطاكـه الله انتفعتــا
لئن رفـع الغني لواء مـال لأنت لـواء علمك قد رفعتـا
لئن جلس الغني على الحشايا لأنت على الكواكب قد جلستا
وإن ركب الجياد مسومـات لأنت مناهـج التقوى ركبتـا
ومهما افتض أبكار الغوانـي فكم بكر من الحِكم افتضضتا
وليس يضرك الإقتـار شيئـاً إذا مـا أنت ربك قد عرفتـا

ثانياً: من تاقت نفسه إلى النساء ولم يمكنه الصبر فعليه بالآتي:

1. الحرص على الزواج من ذات الدين والخلق لقوله صلى الله عليه وسلم: “تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك”5.

تأسياً واقتداء برسولك الكريم حيث كانت أولى زوجاته خديجة رضي الله عنها وكان عمره عندما تزوجها خمساً وعشرين سنة، وعمرها أربعين سنة وقيل خمساً وأربعين، وجلس معها ثنتين وعشرين سنة لم يتزوج عليها غيرها، فعافاها الله من نكد الضرائر، وما ذلك إلاَّ لحسن خلقها، وسلامة معتقدها، ورجاحة عقلها، وإيثارها لمرضاته.

(من عزم على النكاح فلا يكن همه من النساء إلا ذات دين وصلاح، وعقل وقناعة، فليس تخلص له النيات التي ذكرناها آنفاً إلا على هذه القواعد)6.

فالمال يذهب، والجمال يزول، ولا يبقى إلاَّ الدين والخلق.

قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله: (إذا تزوج الرجل وقال: أي شي للمرأة؟، فاعلم أنه لص فلا تزوجوه). أي، أيُ شيء اشْتُرِيَ للمرأة من جهازها بمهرها الذي أعطيته، لأنه يريد أن يسترده بطريق غير مباشر.

لقد اختار بعض السلف امرأة عوراء على أختها الصحيحة الجميلة، فسأل: من اعقلهما؟ قيل: العوراء. فقال: زوجوني إياها.

2. الحذر من مصاهرة ومخالطة ومعاشرة الأسر المترفة، التي لا ترضى عن الترفه بديلاً.

كان التابعي الجليل مالك بن دينار رحمه الله يقول: (يترك احدهم أن يتزوج يتيمة فيؤجر فيها! إن أطعمها أو كساها، تكون خفيفة المؤونة، ترضى باليسير! ويتزوج بنت فلان، يعني: من أبناء الدنيا، فتشتهي الشهوات عليه، وتقول: أكسني ثوب كذا، واشتر لي مرط حرير، فيتمرط دينه)، أو كما قال.

3. أنْ لا يغالي في المهر ولا يسرف في الوليمة وأن لا يتكلف ما لا طاقة له به فالبدايات عنوان النهايات.

ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينهى عن المغالاة بمهور النساء، ويقول: (ما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا زوَّج أكثر من أربعمائة درهم)7.

وعن عائشة رضي الله عنها: (كانت مهور أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر أوقية ونشاً)8، والنش: نصف أوقية.

4. الحذر من المخالفات الكثيرة التي ابتدعت نحو خضب الأزواج اليدين والرجلين بالحناء، وإقامة الحفلات، واختلاط النساء بالرجال وما شاكل ذلك.

5. الصراحة والوضوح مع الخطيبة وأهلها من أول وهلة وبيان ما له وما عليه وما يريد السير عليه: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا”9.

روي أن شعيب بن حرب رحمه الله لما أراد أنْ يتزوج، قال للمرأة إني سيء الخلق، فقالت: يا هذا أسوأ خلقاً منك من يحوجك إلى سوء الخلق، وإنْ كان عقيماً، أو مريضاً مرضاً معدياً، أو كبير السن أعلمها بذلك.

6. إنَّما الأعمال بالنيات، فلا بد لك من نيات حسنة ومقاصد طيبة من النكاح، ـ ولا يكون نكاحك لأجل هوى مجرد ـ من إقامة سنة، وصلاح قلب، وسلامة دين، وغض بصر، وتحصين فرج، وانجاب ولد، وإعفاف مسلمة، فعن عمر رضي الله عنه أنه قال: (والله إني ما أتزوج المرأة إلا ليرزقني الله منها ولداً يكثر امة محمد صلى الله عليه وسلم).

7. العزم والإصرار على الاستمرار على ما أنت عليه من أعمال الخير، فإن غيرت شيئاً قليلاً مما كنت معتاداً عليه، فقد خيبت وخسرت، وكان زواجك وبالاً عليك، وليكن لك في حنظلة غسيل الملائكة الأسوة الحسنة فقد كان عروساً واطئاً لزوجه فعندما سمع النفير خرج مسرعاً ولم يغتسل، فاستشهد في أحد فغسلته الملائكة.

وكذلك ذلكم الشاب العريس لم يمنعه عرسه من الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق وعندما استأذن الرسول أن يذهب ليطمئن على زوجه وجدها خارج البيت بسبب حية افزعتها فدخل وقتل الحية وكانت من الجان المسلم فانتقم منه الجن، يقول الراوي: ما ندري أيهما اسرع موتاً.

ولله در عبدالرحمن بن مهدي حيث حكي عنه عبدالرحمن وسنة، قال: (سألت عبدالرحمن بن مهدي عن الرجل يبني بأهله أيترك الجماعة أياماً؟ قاتل: لا ولا صلاة واحدة، وحضرته صبيحة بني على ابنته فخرج وأذن ثم مشى إلى بابهما فقال للجارية: قولي لهما يخرجان غلى الصلاة، فخرج النساء والجواري فقلن: سبحان الله، أي شيء هذا؟ فقال: لا أبرح حتى يخرجا إلى الصلاة، فخرجا بعدما صلى فبعث بهما إلى مسجد خارج من الدرب)10.

أكثر هذه الأمة نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يشغله ذلك عن جهاد، ولا دعوة، ولا صلاة جماعة، وكان خيرنا لأهله.

فالزواج هو الزواج، وأنت أيها الشاب لست أول من تزوج ولا آخر من تزوج.

نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانـا

8. قبل هذا وذاك، الدعاء والتضرع وسؤال الله الزوجة الصالحة العاقلة القانعة، وعليك أنْ تلهج بهذا الدعاء القرآني: “رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا”11. ولهذا امنن الله تعالى على زكريا بقوله: “وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ”12، فصلاح الزوجة والذرية نعمة لا تدانيها نعمة بعد الإيمان والتقوى ولا يملك هذا إلاَّ الرب سبحانه وتعالى.

لا يفهم من ذلك أني داعٍ إلى العزوبة والتبتل لا وألف كلا، كيف وقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: “فمن رغب عن سنتي فليس مني”، وسنته الزواج بل كان أكثر هذه الأمة نساء، وقال: “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه اغض للبصر وأحصن للفرج…”، الحديث.

ومع علمي بحرص السلف الصالح على الزواج وبغضهم للعزوبة ولو ليوم واحد.

قال ابن عباس: (لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج) وكان يجمع غلمانه لما أدركوا ـ عكرمة، وكريباً وغيرهما ـ فيقول: “إذا أردتم النكاح انكحتكم، فإن العبد إذا زنى نزع الإيمان من قلبه”.

ويُحْكَى أنَّ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تزج في اليوم الثاني من وفاة أم عبدالله ولده.

ويقال: إنه لم يبت عزبا بعد وفاتها إلاَّ ليلة.

وقد كان ابن مسعود يقول: لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام أموت في آخرها لأحببت أن أتزوج، ولا القى الله عز وجل وأنا أعزب.

ومن قبل هذا أو ذاك فإن رسولنا صلى الله عليه وسلم تزوج سودة بعد ليال من وفاة خديجة رضي الله عنها.

ولكن ما قلت ما سبق وفضلت لمن لم يستطع أن يحبس نفسه عن الوقوع في الحرام إلى حين حتى يحصل على الأقل على مفاتح العلم من باب القاعدة العامة (درء المفاسد مقدم على جلب المنافع) حسب ما هو مشاهد لدينا، وكذلك قاعدة (ما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب)، فيجب على البعض تحصيل العلم الشرعي والتوسع فيه لحاجة الأمة الماسة لذلك ولا سبيل لذلك إلا بتأخير الزواج حيناً من الدهر لمن قدر على ذلك.

هذه التوجيهات اجتهادية قابلة للأخذ والرد، فكل يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ صاحب الشرع المؤيد بالوحي المعصوم عن الزلل.

والله من وراءالقصد وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم على البشير النذير الهادي إلى صراطه المستقيم، وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.