arrow down

الانحراف في فهم التوكل وأثره على الأمة

بقلم فضيلة د. عبدالعزيز بن ناصر الجليل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

يعد التوكل من العبادات القلبية العظيمة التي طرأ عليها كثير من التحريف في فهم وواقع المسلمين، وكان لهذا الانحراف آثارًا سيئة على أبناء الأمة في عجزهم، أو تعلقهم بغيرهم، أو تركهم لما يجب الأخذ به، وما إلى ذلك من الآثار السيئة والنتائج الوخيمة.

هذا، ولقد كان للفكر الصوفي المنحرف وظهور الفرق أكبر الأثر في انتشار هذه المظاهر من الانحراف، يضاف إلى ذلك ما ساهم به الغزو الفكري لهذه الأمة من نشر للمذاهب المادية، والتي لا تربط النتائج إلا بالمادة المحسوسة، وتلغي جانب الغيب والإيمان بالله - عز وجل - وقضائه وقدره وملكه وقهره وعظمته، وما كان لهذه الأفكار كلها أن تؤثر لو كان العلم وفهم العقيدة الصحيحة منتشرًا بين الأمة.

ولكن لما وافق هذا جهل عند البعض من المسلمين بحقيقة هذا الدين وأصوله؛ نشأ من ذلك بعض المفاهيم المغلوطة للتوكل كما نشأ الضعف في التطبيق لهذه العبادة العظيمة.

وفي الفقرات التالية أستعرض بعض صور الانحراف والضعف في هذا الجانب المهم من جوانب العقيدة، لعلنا نتفقده في أنفسنا أو عند غيرنا حتى نتجنبه، ونحذر منه، ونزيل الغبش عنه، والله المستعان، وعليه التكلان.

ومن أهم مظاهر الانحراف في ذلك ما يلي:

1 - النظر إلى التوكل على أنه تواكل وترك للأسباب، والذين وقعوا في هذا الانحراف على صنفين:

أ - صنف يعلم أن التوكل لا ينافي فعل الأسباب، والأمر واضح عنده بلا شبهة، ولكنه ينطلق من هذا الفهم المنحرف في تبرير عجزه وكسله وتفريطه، فهذا عجزه توكل، وتوكله عجز، وهذا الصنف من الناس لا ينقصه إلا أن يتقي الله - عز وجل -، وألا يبرر شهوته بشبهة، وفي ذلك يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: (وكثيرًا ما يشتبه في هذا الباب المحمود الكامل بالمذموم الناقص، فيشتبه التفويض بالإضاعة، فيضيِّع العبد حظه؛ ظنًّا منه أن ذلك تفويض وتوكل، وإنما هو تضييع لا تفويض، فالتضييع في حق الله والتفويض في حقك؛ ومنه: اشتباه التوكل بالراحة وإلقاء حمل الكَلِّ، فيظن صاحبه أنه متوكل، وإنما هو عامل على عدم الراحة.

ومنه: اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز، والفرق بينهما: أن الواثق بالله قد فعل ما أمره الله به، ووثق بالله في طلوع ثمرته وتنميتها وتزكيتها، كغارس الشجرة، وباذر الأرض، والمغتر العاجز قد فرط فيما أمر به، وزعم أنه واثق بالله والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود) [مدارج السالكين، ابن القيم، (2/123-124)].

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -عن هذا الصنف من الناس: (وهم من ذلك ملبوس عليهم، وقد يقترن بالغلط اتباع الهوى في إخلاد النفس إلى البطالة؛ ولهذا تجد عامة هذا الضرب التاركين لما أمروا به من الأسباب يتعلقون بأسباب دون ذلك، فإما أن يعلقوا قلوبهم بالخلق رغبة ورهبة، وإما أن يتركوا ـ لأجل ما تبتلوا له من الغلو في التوكل ـ واجبات أو مستحبات أنفع لهم من ذلك، كمن يصرف همته في توكله إلى شفاء مرضه بلا دواء، أو نيل رزقه بلا سعي، فقد يحصل ذلك، لكن كان مباشرة الدواء الخفيف والسعي اليسير وصرف تلك الهمة والتوجه في عمل صالح ـ أنفع له، بل قد يكون أوجب عليه من تبتله لهذا الأمر اليسير الذي قدره درهم أو نحوه) [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (18/183)].

ب - أما الصنف الثاني فقد أُتي من جهله بحقيقة التوكل على الله - عز وجل -، وجهله بسنن الله - سبحانه - في ارتباط المسببات بالأسباب، وأن الأخذ بالأسباب بضوابطها الموضحة سابقًا لا ينافي التوكل، بل إن تركها قدح في حكمة الله - عز وجل -، ونقص في العقل، وما علم صاحب هذا الفهم أن التوكل عليه - سبحانه - هو أقوى الأسباب في حصول المطلوب ودفع المكروه.

يقول الإمام ابن رجب - رحمه الله تعالى -: (واعلم أن تحقيق التوكل لا يُنافي السعي في الأسباب التي قدَّر الله - سبحانه - المقدورات بها، وجرت سنته في خلقه بذلك، فإن الله - تعالى -أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالسَّعي في الأسباب بالجوارح طاعةٌ له، والتوكل بالقلب عليه إيمان به، كما قال الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) [النساء: 71]، وقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) [الأنفال: 60]، وقال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) [الجمعة: 10]) [جامع العلوم والحكم، ابن رجب، ص(498)].

ويتحدث ابن القيم - رحمه الله تعالى -عن توكل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام مع أخذهم بالأسباب فيقول: (وقد ظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين درعين يوم أحد، ولم يحضر الصف قط عريانًا، كما يفعله من لا علم عنده ولا معرفة، واستأجر دليلًا مشركًا على دين قومه، يدله على طريق الهجرة، وقد هدى الله به العالمين، وعصمه من الناس أجمعين، وكان يدخر لأهله قوت سنة وهو سيد المتوكلين.

وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد، وجميع أصحابه وهم أولو التوكل حقًّا، وأكمل المتوكلين بعدهم: هو من اشتم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة، أو لحق أثرًا من غبارهم.

فحال النبي - صلى الله عليه وسلم - وحال أصحابه محك الأحوال وميزانها، بها يعلم صحيحها من سقيمها، فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم، فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب، وأن يُعبد الله في جميع البلاد، وأن يوحده جميع العباد، وأن تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد، فملأوا بذلك التوكل القلوب هدىً وإيمانًا، وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان، وهبت رياح ونسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقينًا وإيمانًا.

فكانت همم الصحابة - رضي الله عنهم - أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعي فيجعله نصب عينيه، ويحمل عليه قوى توكله) [مدارج السالكين، ابن القيم، (2/134-135)].

2 - ويقابل الانحراف السابق انحراف في الجانب المقابل، ألا وهو الإفراط في فعل الأسباب والتعلق بها محبة وخوفًا ورجاءً، ومعلوم ما في هذا الانحراف من خطر شديد على التوحيد، فهو إما شرك أكبر إذا اعتقد فاعل الأسباب أنها تؤثر استقلالًا، وإما شرك أصغر إذا لم يعتقد ذلك، ولكنه تعلق بها وحابى من أجلها، وجعل أكثر اعتماده عليها في حصول المطلوب وزوال المكروه.

وما أكثر من يقع منا في هذا الضعف القادح في التوكل على الله - عز وجل -، ولكن ما بين مقل ومكثر، وإن وجد من يحقق التوكل على الله - عز وجل - في أمور الدنيا؛ فإن المحققين له في العبادة وأمور الآخرة أقل وأقل، وفي ذلك يقول الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -: (ولكن الغالب عندنا ضعف التوكل، وأننا لا نشعر حين نقوم بالعبادة أو العادة التوكل على الله والاعتماد عليه في أن ننال هذا الفعل، بل نعتمد في الغالب على الأسباب الظاهرة، وننـسى ما وراء ذلك؛ فيفوتنا ثواب عظيم، وهو ثواب التوكل، كما أننا لا نوفق إلى كمال العبادة، كما هو الغالب، سواء حصل لنا عوارض توجب انقطاعها أو عوارض توجب نقصها) [شرح كتاب التوحيد، ابن عثيمين، (2/190)].

والتوكل على الله - عز وجل - يجب أن يكون في جميع الأمور، ولكن فرق بين من يجعل قوة توكله في أمور الدين وبين من يجعله في أمور الدنيا.

ويصف الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى -من صرف قوة توكله في أمر دنيوي يناله بأيسر شيء بأنه مغبون؛ لأن أمر الدين ونصرته وزيادة الإيمان هي التي ينبغي أن يصرف العبد فيها قوة توكله؛ يقول - رحمه الله -: (وكثير من المتوكلين يكون مغبونًا في توكله، وقد توكل حقيقة التوكل وهو مغبون، كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، ويمكنه نيلها بأيسر شيء، وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم، ونصرة الدين، والتأثير في العالم خيرًا، فهذا توكل العاجز القاصر الهمة.

كما يصرف بعضهم همته وتوكله، ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف، أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين وقمع المبتدعين، وزيادة الإيمان ومصالح المسلمين، والله أعلم) [مدارج السالكين، ابن القيم، (2/ 125-126)].

وهنا حديث مشهور يُستدل به على فعل الأسباب، مع أن فيه دليلًا أيضًا على التعلق بالله وحده في طلب الرزق، وألا يحمل العبد هم رزقه أو يخاف ممن يقطعه، فمن توكل على الله وحده كفاه، وهذا الحديث هو ما رواه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قال: سمعت رسول الله صلى الله عيه وسلم يقول: (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا) [رواه الترمذي، (2515)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، (2344)].

ففي هذا الحديث وصف لحال الطير الضعيف الذي يبيت ليله لا يحمل هم رزق غده، ولكنه ينطلق في الصباح غير معتمد على قوته ولا حذره، فيرزقه الله - عز وجل - ويكفيه، فلو أننا فعلنا الأسباب ولم نتعلق بها، وإنما تعلقنا بالله وحده وفوضنا أمورنا إليه ووثقنا بمعونته وكفايته، لرزقنا كما يرزق الطير، لكن الكثير منا على خلاف ذلك، نعم، نقول بألسنتنا: توكلنا على الله، ونعتقد أن الله وحده هو الخالق الرازق المتصرف في كل شيء، والذي بيده النفع والضر، ولكن عند التطبيق يظهر الضعف والنقص.

فترى بعضنا يعتمد على قوته أو حذره أو ذكائه، أو يعتمد على شخص أو هيئة أو يخاف من جهة معينة أن تقطع رزقه أو تؤخره أو تحوله، ولو أننا أيقنا أن المخلوق الضعيف لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا فضلًا عن أن يملكه لغيره، لنفضنا اليد منه، ولم تتعلق القلوب به، ولم ترجه، ولم تخفه وإنما تتوجه القلوب إلى ربها وخالقها ومعبودها - سبحانه - خالق الأسباب والمسببات، والذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو على كل شيء قدير.

3 - ومن مظاهر الانحراف في مفهوم التوكل ما ينقل عن بعض غلاة المتصوفة من أن التوكل من مقامات العامة، لا من مقامات الخاصة، ومنشأ هذا الانحراف أتى من ظنهم أن التوكل لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا، كما هو شأن عامة الناس، وهذا غلط، فإن أعظم ما يُتوكل على الله فيه الأمور الدينية، وحفظ الإيمان، وجهاد أعداء الله - عز وجل -، ورجاء ثوابه - سبحانه -، ويمكن أن يقال: إن من كان توكله على الله - عز وجل - في كل أموره، لكنه في أمور الدين والإيمان والآخرة أكثر، فإنه يكون أكمل وأصح توكلًا ممن قصره على حظوظ الدنيا ومطالبها.

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: (ولكن هذه "المقامات" ينقسم الناس فيها إلى خصوص وعموم، فللخاصة خاصها، وللعامة عامها، مثال ذلك أن هؤلاء قالوا: (إن التوكل مناضلة عن النفس في طلب القوت، والخاص لا يناضل عن نفسه، وقالوا: المتوكل يطلب بتوكله أمرًا من الأمور، والعارف يشهد الأمور بفروعها منها، فلا يطلب شيئًا.

فيقال: أما الأول، فإن التوكل أعم من التوكل في مصالح الدنيا، فإن المتوكل يتوكل على الله في صلاح قلبه ودينه، وحفظ لسانه وإرادته، وهذا أهم الأمور إليه، ولهذا يناجي ربه في كل صلاة بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5]، كما في قوله - تعالى -: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) [هود: 123]، وقوله: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [هود: 88]، وقوله: (قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ) [الرعد: 30].

فهو قد جمع بين العبادة والتوكل في عدة مواضع؛ لأن هذين يجمعان الدين كله؛ ولهذا قال من قال من السلف: إن الله جمع الكتب المنزلة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصل، وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب، وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5].

وعلى هذا فالذي ظن أن التوكل من المقامات العامة ظن أن التوكل لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا، وهو غلط، بل التوكل في الأمور الدينية أعظم) [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (10/18-20) باختصار].

4 - جبن القلب والخوف من المخلوق: إن مما ينافي حقيقة التوكل الخوف من المخلوق خوفًا يدفع إلى ترك ما يجب أو فعل ما يحرم محاباة للمخلوق أو خوفًا من شره، ومثل ذلك يكون أيضًا في الطمع والرغبة، فالطمع في نفع المخلوق أو الخوف من شره إذا أدى إلى ضعف التعلق بالله - عز وجل -، وضعف الثقة به - سبحانه - فإن هذا يقدح في التوكل، ويضعفه إن لم يذهبه، ومن تعلق بشيء وكل إليه، ومن وكل إلى غير الله - عز وجل - ضاع وهلك، وخاب وخسر.

ومما يصلح التمثيل به في عصرنا اليوم على هذا الضعف، هو ما يعتري بعضنا وهو في دعوته إلى الله - عز وجل - من خوف على نفسه، أو رزقه، أو منصبه، الأمر الذي يؤدي بالبعض إلى ترك ما هم عليه من تعليم للعلم، أو دعوة إلى الله - عز وجل - والإحجام عن مجالات الخير، ونفع الناس بحجة الحذر والبعد عن الفتن.

ثم إنه لو كان يغلب على الظن حصول الأذى والابتلاء لكان لذلك بعض الوجه في الأخذ بالرخصة وترك العزيمة، أما وإن الأمر على العكس من ذلك؛ حيث يغلب على الظن عدم التعرض للأذى، فإنه لا تفسير لهذه المواقف إلا ضعف التوكل على الله - عز وجل -، والوسوسة الشديدة، والمبالغة في الخوف، والحذر الزائد من المخلوق الضعيف وتهويل أمره، وهذا من كيد الشيطان ووسوسته، وكأننا لم نسمع ولم نع قوله - تعالى -: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 175].