arrow down

الأخيار العقلاء تستفزهم كلمة، أو موقف، إلى طلب العلم والتبحر فيه، وإلى التوبة

العقلاء تستفزهم المواقف وينتفعون بها، وتدفعهم إلى معالي الأموروتحثهم على المسابقة والمنافسة في الخيرات، بينما الجهال المغرورون تاخذهم العزة بالإثم، وتحول بينهم إذا نصحوا، أو وجهوا، أو أنكر عليهم ما يشينهم، فكم من العلماء الكبار والأئمة الأخيار كان سبب تقدمهم وتفوقهم على أقرانهم بعد توفيق الله عز وجل موقف محرج، أو كلمة مستفزة وكما قيل: رب ضارة نافعة. فرب كلمة غيرت مجرى حياة البعض، ونقلتهم من حال إلى حال. فالكلمة طيبة كانت أم خبيثة لها آثارها خطيرة، "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ" [سورة إبراهيم: 24 - 26].

نماذج لمن أثرت فيهم كلمة، أو دفعهم موقف إلى تغيير سلوكهم، ومجرى حياتهم، أو كانت سبباً في توبتهم ورجوعهم إلى الله

سيبويه رحمه الله:

سبب انكباب سيبويه وانشغاله بعلم النحو حتى صار من أئمته المبرزين، وذلك أن المستثنى بليس واجب النصب، نحو: (يطبع المؤمن على كل خلقٍ ليس الخيانةَ والكذبَ) [الحديث]. كما قال ابن مالك في شرح الكافية. وقد ذكروا أن هذه المسألة كانت سبب قراءة سيبويه للنحو (فإنه جاء إلى حماد بن سلمة رحمه الله، فاستملى منه حديث: "ليس من أصحابي أحد، إلا لو شئتُ لأخذت عليه ليس أبو الدرداء" فصاح به حماد: لحنتَ يا سيبويه! إنما هذا استثناء. فقال: والله لأطلبن علمها، ثم مضى فلزم الأخفش وغيره). [فيض القدير للمناوي جـ6/43].

الإمام المازري المالكي رحمه الله

هو أبو عبدالله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري، يعرف بالإمام. أصله من مازَر بفتح الزاي وكسرها، مدينة في جزيرة صقلية. نزل المهدية أمام بلاد إفريقيا وما وراءها من المغرب. وصار الإمام لقباً له. كان آخر المشتغلين بإفريقيا بتحقيق العلم ورتبة الاجتهاد ودقة النظر. أخذ عن اللخمي وعبدالحميد السوسي المعروف بابن الصائغ وغيرهما.

وكان يفزع إليه في الفتوى في الطب، كما يفزع إليه في الفتوى في الفقه.

ويحكى أن سبب اشتغاله بالطب أنه مرض فكان يطببه يهودي. فقال له اليهودي: يا سيدي مثلي يطبب مثلكم؟ وأي قربة أجدها أتقرب بها في ديني مثل أن أفقدكم للمسلمين. فمن حينئذ اشتغل بالطب. وشرح التلقين للقاضي عبدالوهاب، وشرح كتاب مسلم، وشرح البرهان لأبي المعالي. وألف غير ذلك) [مواهب الجليل لشرح مختصر خليل للخطاب جـ1/49 - 50].

خليل بن إسحاق بن موسى المالكي

صاحب مختصر خليل في الفقه المالكي. قال ابن حجر في (الدرر الكامنة): إنه يسمى محمداً ويلقب بضياء الدين، ويعرف بالجندي. كان جندياً ويلبس زي الجند. وكان والده حنفياً ولكنه كان ملازماً لأبي عبدالله بن الحاج صاحب (المدخل).

ذكر في ترجمته عن نفسه أنه كان في حال صفرة قرأ سيرة البطال ثم شرع في قراءة غيرها، ولم يطلع عليه احد من الطلبة، فأنقذه الله من القراءة غير المفيدة إلى الانكباب على العلوم الشرعية والعربية فقال له الشيخ عبدالله: (يا خليل من أعظم الآفات السهر في الخرافات) فعلمت أن الشيخ علم بحالي فانتهيت من ذلك في الحال.

الإمام مالك بن أنس رحمه الله

كان مالك رحمه الله مشتغلاً في أول أمره بالغناء، ولكن أنقذه الله منه بكلمة استفزته بها أمه المربية العاقلة.

قال: (تعلمت هذه الصناعة - الغناء - وأنا غلام شاب، فقالت لي أمي: أي بني هذه الصناعة يصلح لها من كان صبيح الوجه. ولستَ كذلك. فاطلب العلوم الدينية. فجعل الله في ذلك خيراً كثيراً) [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جـ14/15 من قول أبي الطيب الطبري].

الإمام بن حزم الظاهري رحمه الله

أنقذه الله كذلك من براثن الإمارة، وحماه من أن يتدنس ويتجنس بها، لأنه نشأ في بيت وزارة ونعيم وترف، بموقف استفزه، وقد دخل في طلب العلم متأخراً عندما كان عمره ستاً وعشرين سنة. حيث توفي صاحب لأبيه فدخل المسجد قبل صلاة العصر لشهود الصلاة عليه وجلس ولم يصلّ تحية المسجد، فقيل له: قم فصلّ تحية المسجد. ثم دخل المسجد بعد صلاة العصر فقام يصلي تحية المسجد فجُذِب وأُجلِس وقيل له: هذا وقت لا تصلى فيه تحية المسجد - عند المالكية والأحناف - فما كان منه في اليوم التالي إلا أن اشترى كتاب الموطأ وبدأ بدراسته على أحد المشايخ ثم جلس واجتهد في تحصيل العلم قراءة ومناظرة وتصنيفاً حتى فاق من سبقوه في هذا المجال، حتى صار من أصحاب الهمم العالية والأماني الغالية، والمصنفات النافعة. يدل على ذلك هذه الأبيات التي أودع فيها أمنيته في هذه الحياة الدنيا الفانية حيث قال:

مناي من الدنيا علوم أبثهـــــــا      وأنشرها في كل بادٍ وحاضــــــر

دعاء إلى القرآن والسنن التــــي     تناسى رجال ذكرها في المحاضر
   وألزم أطـــــراف الثغور مجاهداً     إذا هيعـــــــة ثارت فأول نافـــر
     لألقى حمامي مقبلا غير مدبــر     بسمر العوالي والدقاق البواتـــــر
   كفاحا مع الكفار في حومة الوغى     وأكرم موت للفتى قتل كــــــــافر
    فيارب لا تجعل حمامي بغيرهـــا     ولا تجعلني من قطين المقابــــــر

أما هفوته في إباحة الملاهي فنسأل الله عز وجل أن تغمر في أعماله الجليلة، ومصنفاته المفيدة، وفي مناظراته لأهل الكتابين وغيرهم، وفي ذبه عن السنة، ودفاعه وغيرته على الدين.

كان يظن أنه لم يصح حديث في تحريم الملاهي - وكان صادقا - ولهذا قال: والذي لا إله إلا هو لو صح لديَّ حديث واحد في تحريمها لصرتُ إليه. وقد صح في تحريمها أحاديث وصلت حد التواتر المعنوي، منها الصحاح، والحسنة، والمرفوعة، والموقوفة.

زلات العلماء وهفواتهم ينبغي أن تطوى ولا تروى ولكن أصحاب الأهواء لا بارك الله فيهم أحياء وأمواتاً ولا كثرهم الله نعقوا بذلك وصاحوا بما هنالك، فعليهم ما يستحقون، من العذاب المهين، والوزر الجاري إلى يوم الدين، وبعد يوم الدين، لأنهم لا يعرفون وينشرون عن هذا الإمام العظيم إلا هذه الهفوة فمثلهم كمثل الذباب لا يقع إلى على القاذورات، وكمثل المكنسة التي تحمل الأوساخ.

سبب توبة الفضيل بن عياض رحمه الله

ذكر الذهبي عن الفضيل بن موسى قال: (كان الفضيل بن عياض شاطراً - لصاً - يقطع الطريق بين أيبوَرْد وسَرْجس - موضعين - وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدار إليها، إذ سمع تالياً يتلو: " أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ" [سورة الحديد: 16]. فلما سمعها قال: بلى يا رب، قد آن.

فرجع فآواه الليل إلى خربة، فإذا بها سابلة - أي الجماعة المختلفة في الطرقات إلى حوائجهم، أي جماعة غرباء جمعهم الطريق - فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا.

   قال: ففكرتُ وقلتُ: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع. اللهم إني قد تبتُ إليك، وجعلتُ توبتي مجاورة البيت الحرام) [سير أعلام النبلاء للذهبي جـ8/423].

الإمام البطل عبدالله بن المبارك

قال القاضي عياض في ترجمة عبدالله بن المبارك: (قال منصور بن عمار أن ابن المبارك سئل عن ابتداء طلبه العلم؟ فقال: كنت شاباً أشرب النبيذ - نبيذ العنب يترك حتى يشتد - وأحب الغناء وأطرب بتلك الخبائث، فدعوت إخواناً حين طاب التفاح وغيره إلى بستان لي، فأكلنا وشربنا حتى ذهب بنا السَّكر، فانتبهت آخر السحر فأخذت العود أعبث به وأنشد:

ألم يأن لي منك أن ترحما     ونعصي العواذل واللوما

فإذا هو لايجبني إلى ما أريد. فلما تكررت عليه بذلك وإذا هو ينطق كما ينطق الإنسان: " أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ". قلت: بلى يا رب، فكسرتُ العود، وأرقتُ النبيذ، وجاءت التوبة بفضل الله بحقائقها) [ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض المتوفى 544 جـ1/171. ضبط وتحقيق محمد سالم هاشم].

أيها العاصون المسرفون، نحن وإياكم أجمعون علينا أن نستصحب دائماً أرجى آية في كتاب الله: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" [سورة الزمر: 53].

اللهم اقبل توبتنا، وأقل عثرتنا، وتجاوز عن خطيئاتنا، إنك أهل التقوى وأهل المغفرة.

بقلم

البروفيسور/ الأمين الحاج محمد محمد

رئيس رابطة علماء المسلمين

الأحد 17 / رجب / 1437هـ

للاشتراك في قناة رابطة علماء المسلمين على التليجرام :

https://telegram.me/rabetaa