arrow down

آداب تعامل العبد مع الأقدار المؤلمة

بقلم فضيلة د. هشام بن محمد عقدة ( عضو رابطة علماء المسلمين )

مقدمة:
لما كانت دنيا كانت كثيرة المنغصات {وَقَالُوا الْـحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْـحَزَنَ إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر:٣٤]...دار الدرهم والدينار، حتى قد تأتي الشدة والعناء من حيث تنتظر الراحة والرفاهية {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ} [التوبة:55]. النـار آخـر دينـار نطقت بـه *** والهم آخر هذا الدرهـم الجـاري والمرء بينهما ما لم يكن ورعــًا *** معذب القلب بين الهـم والنـــار لذا لابد للعبد من أن يوطِّن نفسه فيها على المنغِّصات والكروب أو الأقدار المؤلمة.

الإيمان بالقدر خيره وشره:

هذه سنة الله في هذه الحياة: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْـمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْـخَيْرِ فِتْنَةً وَإلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35]، ولذلك من أركان الإيمان أن تؤمن بالقدر خيره وشره. حديث جبريل سبب روايته إثبات القدر؛ خيره وشره. وهذا الشر ليس شرًّا في حق الله، وإنما هو شر في حق العبد، أما الله عز وجل فلم يخلق شرًّا محضًّا، ولم يخلق شرًّا إلا لحكمة؛ ولذا لا يُنْسب له الشر سبحانه، فالشر ليس إليه -كما سيأتي-، وإن كان هو خالقه.

كيف نستقبل أقدار الله المؤلمة؟

لما كان من القدر ما هو شر ولابد للعبد من شيء منه، كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْـخَوْفِ وَالْـجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة:155]؛ كان لابد من معرفة العبد لآداب تَلَقِّي البلاء أو القدر المؤلم، ومنها: الصبر والرضا. عدم نسبة الشر إلى الله وعدم النظر له كشرٍّ محض، بل يتأمل فيما وراءه من خير أو حكمة. عدم اعتقاد دوامه، بل يعتقد عدم دوام الحال، ويتفاءل بتغيّره لخير، فتلك سُنَّة الله في هذه الحياة الدنيا أنَّ دوام الحال من المحال.

أولًا-الرضا بالقضاء:

هو مرتبة شاملة لما هو أكثر من الصبر الذي قال الله فيه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:155-156]. ومن دعائه صلى الله عليه وسلم: «وأسألك الرضا بعد القضاء». (رواه ابن حبان [1971]، والنسائي في السنن الكبرى [1229]). الأعرابي الذي ماتت له أباعر كثيرة، قال: والله ما ســرني أن إبـلي في مباركها *** وأن شـــيـئًا قضــاه الله لم يكن الفرق بين قبل وقوع القدر المؤلم وبعد أن وقع: الرضا بالقضاء لا يعارض الدعاء بتغييره، أو السعي ليخلفه ضده -وباء في ماشيتك عالجْه-، وتدعو: لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ. والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل. واستفد دروسًا من المصيبة أو القدر المؤلم. إنما يعارض اعتقاد أنْ لا خير فيه من جهة الله ولا حكمة أو تألم القلب منه وانقباضه والشكوى للخلق وعدم الأخير ليس بواجب. قال الشافعي: دع الأيام تفعــــل ما تشــاء *** وطـب نفسًا إذا حكم القضـاء ولا تجــــــــزع لحادثة الليالي *** فما لحـــوادث الدنيا بقـــــاء وكن رجلًا على الأهوال جلـدًا *** وشيمتك السماحة والوفـــاء

ثانياً-اعتقاد أن الشر ليس إلى الله ومن ثَمَّ تحاشي نسبته إلى الله:

فكما سبق لم يخلق الله شرًّا محضًا، وما في كونه من شرٍّ ففي حق العبد، لكن وراءه خير يعم أو يخص هذا العبد فيما بعدُ، فهو سبحانه يبتليك ليعافيك، ويُمْرِضك لينجيك، ويضيِّق عليك ليرفعك في الآخرة، وينزل عليك الكرب ليستخرج عبوديتك له. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «والخير كله في يديك، والشر ليس إليك». (رواه مسلم [771]). والقرآن علَّمنا عدم نسبة الشر إلى الله: {وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن:10]. {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْـمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7]. {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْـمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} [آل عمران:14]، والله خلقها زينة: {وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:7]. {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِـمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:79]. {وَأَمَّا الْـجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْـمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِـحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الكهف:82]. إذًا الشر ليس من جهة الله، لكن بالنسبة للعبد.

ثالثاً-التفاؤل بتغيّر الشر وعدم اعتقاد دوامه:

ما بين طرفة عين وانتباهتها *** يغير الله من حال إلى حال و: كم أمـر تســاء له صـباحًا *** وتأتـيك المســرة بالعـشي قال ابن عباس رضي الله عنهما -في قوله تعالى: {يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:29]-: "يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء". وقال أبو الدرداء: "من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا ويضع آخرين". وعن مجاهد عن عبيد بن عمير: "من شأنه أن يجيب داعيًا، ويعطي سائلًا، ويفك عانيًا، أو يشفي سقيمًا". لذلك كان القنوط من رحمة الله ضلالًا وكفرانًا، {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر:56]، {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87]. وفي أبيات الشافعي: ولا تَجْزَعْ لحـــادثـة اللَّيــــالي *** فما لحــوادثِ الـدنـيــا بَقَـــاءُ ولا حُـزْنٌ يَــدُومُ و لا سُــــرُور *** ولا بـؤس عليـك ولا رخاءُُ فدوام الحال من المحال، والله يغير أحوال العباد من قَدَرٍ إلى قَدَرٍ بما لا يفطن إليه عقل، وربما انعكست الأمور تمامًا، وأتى الخير من حيث كان الشر، وخرجت المنحة من رَحِم المحنة، وانطلق الفرج من مضيق الشدة، فمن ذلك: {إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إلَى مَعَادٍ} [القصص:85]. وتأمّل قوله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من مكة، وحاله لما رجع إليها. {وَأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إنَّا رَادُّوهُ إلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْـمُرْسَلِينَ} [القصص:7]. {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [يوسف:21]. {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْـمُحْسِنِينَ} [يوسف:56]، بشرى، والتمكين الحقيقي بعد: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55]. قصيدة المعتمد خليفة الأندلس لما هاجت الفتن وأسره المرابطون: فيمـا مضـى كنتَ بالأعياد مسرورًا *** فســاءك العيـدُ في أغمـات مأسـورَا ترى بنـاتِـك في الأطـمـار جــائعــةً *** يغزلنَ للنـاس لا يملكنَ قـطــميرَا برزنَ نحـوك للتـســليم خــاشــعةً *** أبصـــارهنّ حســيراتٍ مكـاسيرَا يطــأنَ في الطِّــين والأقـدام حـافيةً *** كأنها لم تـطــأ مـسـكًــا وكـافـورَا بل ربما حدث تغيّر من الحال إلى الضد في لحظات، وقد سجل بعض العلماء نكتًا تاريخية في ذلك، منها: ما ذكره شمس الدين ابن طولون في "اللمعات البرقية": "روى العلامة بدر الدين الأسدي في أحداث سنة 556 أن نقيب الأشراف بدمشق مرض مرضًا شديدًا، أيس منه، ففوَّض السلطان نور الدين النقابة وما كان بيده من الولايات إلى ولده، واشتغل الولد بتجهيز والده وترتيب أكفانه، وعقد له قبرًا، فاتفق أنه عافاه الله، وانطرح ولده مريضًا فمات في اليوم الخامس! فجُهّز بذلك الجهاز، ودُفن في ذلك القبر الذي بناه لوالده". (الكواكب الدريّة في السيرة النبوية [ص159]، بواسطة اللمعات البرقية في النكت التاريخية). "قلت: وشهد بعض العلماء جنازة ببغداد، فتبعهم نبّاش، فلما كان الليل جاء إلى ذلك القبر، ففتح عن الميت -وكان شابًّا قد أصابته سكتة-، فلما فتح القبر نهض ذلك الشاب الميت جالسًا، فسقط النباش ميتًا في القبر، وخرج الشاب من قبره إلى أهله". ثم قال العلامة بدر الدين في سنة 534: "وفيها توفي رجل صالح من أهل باب الأزج -محلة كبيرة ذات أسواق في شرقي بغداد-، فنودي للصلاة عليه بمدرسة الشيخ عبد القادر، فلما أُريد غسله عطس وعاش، وشهق المُغسّل فمات". (الكواكب الدرية [ص110]). وذكره ابن الجوزي في "المنتظم" [4/ 18]، لكن بدل موت المغسّل: "وأُحضرت جنازة أخرى فصلى ذلك الخَلْق عليها". (وكذا في البداية والنهاية [6/ 216-217]). كم مـريـض قـد عــاش مـن *** بعد موت الطبيب والعُوّاد قد تُصاد القطـا فتنجو سريعًا *** ويَحِــلُّ القـضـاء بالصـياد ومن عجائب تغيّر الأحوال أن رجلًا اخترع للسلطان آلة للتعذيب، فكان هو ممن عُذِّب بها، محمد بن عبد الملك صنعها للواثق: تِنَّور خشب به مسامير قائمة عُذِّب به أيامًا ومات. ولو تأملت انعكاس الأحوال في حياة الناس، ثم تأملت صفات الناس أنفسهم؛ لوجدت أيضًا التضاد والتعاكس في الجمال والقبح، أو الذكاء والغباء، وهذا خلاف أحوال الناس في الجنة؛ ليس في الجنة حمقى أو مغفلون. فمن الأضداد في الدنيا: في الكـرم: لو لم يكن في كفِّه غير رُوحه *** لجَـادَ بها فليتــقِ اللهَ سَائلُهْ في البخل: "يقتِّر على نفسه بما لا يوفِّر له شيئًا". يُقتِّر عيسى على نفسه *** وليس بباقٍ ولا خـــالدِ فلو يستطـيع لتقـتيره *** تنفَّـس من منخـرٍ واحدِ جوهر بلا منظر، ومنظر بلا جوهر: نظر جالينوس إلى رجل عليه ثياب فاخرة يتكلم بكلام، فيلحن في كلامه، فقال: "إما أن تتكلم بكلام يشبه لباسك أو تلبس لباساً يشبه كلامك". ومما قيل من طرائف قول تشرشل: "رأيت وأنا أسير في إحدى المقابر ضريحًا كُتب على رخامته: هنا يرقد الزعيم السياسي والرجل الصالح، فعجبتُ كيف يُدفن الاثنان في قبرٍ واحدٍ؟"، وهذا مبني على السياسة الحديثة التي أنتجها الغرب، وانتهجها العالم، إلا من رحم الله. وأطرف من ذلك ما رواه أنسٌ، حيث يتفل النبي صلى الله عليه وسلم في القصعة، فيبارك في الطعام ويكفي المئات، ويبصق مسيلمة في بئر لما ادَّعى النبوة، فتيبس، ومسح على رأس صبي فذهب شعره. ومن المناسب أنْ نختم بأبيات من الشعر لعلي بن الجهم، جمعت الآداب الثلاثة التي ذكرناها في التعامل مع الأقدار المؤلمة: الصبر والرضا، وأنها ليست شرًّا محضًّا، وأن دوام الحال من المحال: قالت: حُبِستَ. فقلتُ: ليس بضـائري *** حبسـي، وأيُّ مهنــَّـدٍ لا يُغــمــدُ أوَ مَا رأيـتِ الـلــيـث يـألــف غِــيلَـه *** كِـبـرًا، وأوباشُ السِّـــباعِ تـردّد والشــمـسُ لـولا أنـها مــحـجــوبـة *** عن ناظريكِ، لما أضاء الفرقـد[1] "الرضا". وَالزاعِـبِـيَّـةُ لا يُقـيـمُ كُــعــوبَـها *** إِلّا الثِّـقــافُ وَجَـــذوَةٌ تَـتَــوَقَّــدُ[2] وَالنـارُ في أَحـجــــارِها مَـخــــبـوءَةٌ *** لا تُصطَـلى إن لَم تُثِـرها الأَزنُــدُ[3] "النظر للخير الكامن في المحنة والشدة". وَالغَيـثُ يَحصُــرُهُ الغَـمـامُ فَــما يُـرى *** إِلّا وَرِيِّـــقُــهُ يُــراحُ وَيَــرعُـــدُ كَـم مِـن عَــليلٍ قَد تَـخَـطّـــاهُ الرّدى *** فَنَجــا وَمـاتَ طَـبـيـبُهُ وَالعُــوَّدُ "عدم دوام الحال".

--------------------------------------------------------------------

[1] الفرقد: النجم الصغير.

[2] الزاعبية: نسبة إلى زاعب: رجل أو بلدة. والثقاف: ما تسوى به الرماح، وهي حديدة تكون مع القوَّاس والرمَّاح يقوّم بها الشيء المعوج، ويفعل ذلك بالرِّمَاح وهي على النار.

[3] الزَّند والزندة: خشــبتان يسـتقدح بهما، أي: تستخرج النار، فالزند العود الأعلى الذي يستقدح به النار، والسفلى زندة، {أَفَرَ‌أَيْتُمُ النَّارَ‌ الَّتِي تُورُ‌ونَ. أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَ‌تَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ} [الواقعة:71-72]، وكذا حك الزلط وضربه.