arrow down

الكلمة و الالتزام الإسلامي

بقلم فضيلة الشيخ / محمد بن أحمد زحل ( رحمه الله تعالى )

الكلمة هي أقوى سلاح يغزو العقول، و يهز القلوب، و يستجيش المشاعر و كانت و لم تزل أفضل الوسائل لتحقيق التواصل و التفاهم و تعميق المبادئ و نشر الأديان و تأصيل الحضارات، و بلورة الآداب و الفنون و الهيمنة على حركة التاريخ، و قيادة البشر بحيث تصبغهم الصبغة المقصودة فتعمل على تشكيل سلوكهم، و تؤثر في طريقة تفكيرهم، و أساليب عيشهم، و ترسم الغاية التي ينتهي إليها السباق، و يمتد إليها الطموح و الاشتياق.
سر استخلاف الإنسان:
لكل هذه الاعتبارات، جعل الله الكلمة سر تفوق الإنسان، و تأهيله لعمارة الأرض، و خلافة ربه فيها، ألم تر أن الله تعالى أقنع الملائكة حين راجعوه في قضية استحقاق الخلافة، و عللوا ذلك بنوسمهم في الإنسان طبيعة البغي و الفساد، أقنعهم بأن هذا الإنسان يملك الكلمة، و هي سر الوجود و دولاب الحضارة، و أساس العمران، قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِخَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَوَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْعَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَعِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْفَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِوَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (1).
الكلمة منبع الخير أو الشر:
و على جسر الكلمة و من خلال جرسها مرت المبادئ و القيم، و تفاعلت الحضارات المختلفة و بإيحاء الكلمة امتد الخير أشواطا، و عبر آفاقا.
و بالكلمة الآثمة الخائنة أيضا فعل الشيطان فعله في النفوس، فكانت له في دنيا الناس مآس و مخزيات، و على حصون الفضيلة و الخلق هجمات شرسات.
الكلمات القدرية و الشرعية:
ولله سبحانه و تعالى كلمات قدرية أمسك بها الكون، و أقام بها أعلام الهدى، و أجرى عليها السنن.
و له – سبحانه – كلمات أخرى شرعية، أقامها على دعامتين الصدق في الأخبار و العدل في الأحكام كما قال جل شأنه ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾(2).
فالله سبحانه و تعالى قد التزم في كلماته التي هذبت الإنسان و أنارت له الطريق، و رسمت معالم الحضارة و مشت بها مواكب النور على توالي الأجيال و اختلاف العصور، و تقلب الدهور ثلاثة مبادئ:
الشمول – الصدق – الإنصاف.
الداعية و الكلمة:
و في اعتقادي أن الداعية الذي يحمل كلمات الله و يترجمها ينبغي أن يلتزم بما التزم الله به، فلا بد لكي يكون للكلمة وزنها و تأثيرها من شمولها و صدقها و إنصافها، أما الشمول فنعني به الاستيعاب و الدقة، و جمال التصوير و إفراغ المعنى الجيد في القالب المناسب، و نقصد بالصدق تحري الحق و عدم المجازفة بالآراء و الاتهامات فنحن أمة الصدق مأمورون بالتزامه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْاتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (3) ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَخَيْرًا لَّهُمْ﴾ (4) و نريد بالإنصاف أن نستعلي على الأهواء و المصالح، و نتجاوز العواطف ماخلا مشاعر الإيمان فإنها وثيقة الصلة بالحق، و الحق لحمتها و سداها فنقيم الشهادة لله و لو آذتنا، و نقول الحق و لو على أنفسنا، و نرعى ذمة الله و ذمة الحق، فلا نغلو و لا نظلم و لا نتهم، و لا نبخس الناس أشياءهم غير عابئين مع الحق أن تقر أعين الأعداء، أو يغتاظ الأصدقاء. بهذه الصورة يرتكز الإنصاف في حس المؤمن، فيصبح جزءا من كيانه، و أثرا لإيمانه، فكذلك علمه ربه: ﴿وَلاَيَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (5) ﴿ يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِوَالأَقْرَبِينَ ﴾ (6).
المبدأ الملتزم:
هذا نهج نخطه لأنفسنا، و مبدأ نرسم معالمه، و نصمم العزم على الالتزام به منذ البداية، و عدم التفريط فيه لحظة واحدة، و نطالب كل من تعامل معنا أو راسلنا أن يلتزم النهج نفسه، لأن الكلمة إذا خامرها الريب، أو خالطها الزيف، ذهب رواؤها و فقدت روحها و فعاليتها، فانصرف الناس عنها طالبين غيرها، يلتمسون السكينة لأنفسهم، و الرضى لقلوبهم، و حسبك بهذا الصدد قول رسول الله صلى الله عليه و سلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة و الكذب ريبة». ( الترمذي و صححه)
الاعتراض و الرد:
و لقائل أن يعترض: كيف تطالبنا بالتزام هذا النهج من جانب واحد؟ و الذين يملأون الساحة، و يملكون وسائل الإعلام و أدوات التوجيه ليست لهم أخلاق نظيفة، بل يجازفون بالكلمة مجازفة لا تعرف حدودا، و لا قيودا.
أقول: لأننا أصحاب حق، نستمد قوتنا من حقنا الأصيل، فلا نحتاج إلى الأخلاق و التدجيل، و الخداع و التضليل، بينما يستشعر الآخرون الضعف، و يوقنون أن باطلهم المتحامل على نفسه لا ينهض إلا إذا دعموه بفنون من الطلاء المموه، و التهريج الكاذب البراق، و قد يخفى على الناس هوس الدجالين، و أراجيف المبطلين مدة تطول أو تقصر حسب فن العارض، و فطنة المعروض عليه، فينخدعون بتلك الأباطيل التي راجت عليهم على حين غرة، و في فترات غفوة، ألم تر أن الناس كانوا ردحا طويلا من الدهر قد خدعوا بعبدة العجل الأحمر، فراحوا يصفقون لهم معجبين، بينما لفقوا التهم لرواد الدعوة و حملة الإسلام، يلمزونهم بالجمود و الرجعية و العمالة و التبعية لهذه الجهة أو تلك فلما هوى الصنم، و انتكست أعلامه في الشرق العربي، و ظهرت هزائمه و مخازيه، و لمعت في الأفق بوادر الصحوة الإسلامية، و ظهرت بطولاتها في مواقع شتى من الأرض، انحسر ذلك الهم الثقيل و اختفت من قاموس الإعلام ألفاظ الجمود و الرجعية و التزمت لتحل محلها كلمات: التطرف و العنف و الإرهاب، لأن عبدة العجل بهرهم نور الحق و أغشت أعينهم بوارق الفجر فخرسوا إلى حين أو استبدلوا سبابها بسباب.
مثل الحق و الباطل:
فشتان إذن بين حق مركوز في الفطر السليمة يوافق نواميس الوجود و لا يعاكسها، تشهد له الأصالة و تدعمه، و تخضع لقوته العقول و تستسلم له، و تستشفه الأرواح و تسعد به، و باطل مهزوز لا يقر قراره، له بريق و يهرج لكنه كلمعان السراب يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، و القضية كما ضرب الله لها المثل في التنزيل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍطَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُاللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْمِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِيالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء﴾ (7).
الإعلام بين جاهليتين:
و البشرية الفخورة اليوم بإبداعها المادي، المزهوة بحضارتها في عالم الأشياء لا القيم، يقوم إعلامها في عمومه على الكذب و الاختلاق، كما تستأثر قوى الطغيان العالمي بتوجيهه و استثماره، و لا تتورع – رغم ادعاء الموضوعية – عن طمس أحداث معينة تعمد إفراغها من محتواها، أو تحريفها عن مسارها بتعليلات مقصودة، هذا شأن الجاهلية الحديثة المسيطرة اليوم.
بينما كانت شقيقتها جالية العرب المناهضة للإسلام في عصر النبوة و فترة صاحب الدعوة أكثر استحياء في هذا الصدد، لأنها كانت تتورع عن الكذب الصراح حتى لو جلب إليها نفعا سياسيا أو كسبا ماديا «ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش كانوا تجارا بالشام فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان فقلت أنا أقربهم نسبا، فقال هرقل: أدنوه مني و قربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه قل لهم: إني سائل هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، قال أبو سفيان: فو الله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه».
فرغم كل العداء الذي كان بين أبي سفيان و محمد صلى الله عليه و سلم لم يستطع أبو سفيان الكذب حياء من أن يشاع عنه الكذب بمكة فهي جاهلية لها خلق.
صون الألسنة في مجتمع الإسلام:
و لقد كان الإسلام صارما في التدابير التي سنها لصيانة المجتمع من التشويش و البلبلة عن طريق اختلاق الأخبار، و إشاعة الأكاذيب أو اللغو في الإعراض و الطعن في الحرمات، فبادر منذ لحظات الاستجابة الأولى بإلزام أتباعه بصدق اللهجة و ضبط الألسنة، حتى يطهر الجماعة من القذفة المريبين و الكذبة الفاتنين، حتى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان حريصا أن يكون من بنود البيعة على الإسلام، بند تضبط به الألسنة و يحول بينها و بين الانطلاق بغير عواصم تعصمها عن البهتان، فقد روى البخاري في كتاب الإيمان من جامعه الصحيح بسنده عن أبي إدريس الخولاني أن عبادة بن الصامت – و كان يشهد بدرا و هو أحد النقباء ليلة العقبة – أخبره أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال – و حوله عصابة من أصحابه – «بايعوني ألا تشركوا بالله شيئا، و لا ترقوا، و لا تزنوا، و لا تقتلوا أولادكم، و لا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم و أرجلكم، و لا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله و من أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، و من أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه و إن شاء عاقبه قال عبادة: فبايعناه على ذلك».
و شروط هذه البيعة هي نفسها الواردة في سورة الممتحنة في قوله جل ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلايَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّوَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌرَّحِيمٌ﴾(8)، و دارس السيرة يعلم أن هذه الأمور من أوائل ما بايع عليه الصحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم.
و لتنفير المسلم من الزيف و قلب الحقائق و تكريه الإفك إلى نفسه قرن الإسلام بين رجس الوثنية و قول الزور و أمر باجتنابهما معا حتى يرتكز في حس المؤمن بهذا الدين أنهما وجهان لمقت واحد. ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُواقَوْلَ الزُّورِ﴾ (9).
و الوعي بالمراقبة من الله و حراسة حفظته اليقظين الذين يبتدرون الكلمة تسجيلا و حفظا ملفوظة و مكتوبة يزيد المسلم حذرا و ضبطا. ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّلَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾(10) ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَكَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (11) و في الحديث الصحيح «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، و إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا».
و تناقل الكلم من غير شعور بتبعته و لا تحر لمصدره و تثبت من ناقله، خلق لا يرضاه ديننا و لا يقره، روى البخاري في الأدب من حديث وراد مولى المغيرة عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات و منع وهات و وأد البنات و كره لكم قيل و قال و كثرة السؤال و إضاعة المال».
الوقاية من القذف:
و حين تحدث الكلمة أثرا سيئا يفسد سمعة مؤمن، و يخدش حرمته، و يلطخ عرضه، يقف الإسلام بحزم متصديا للإفك، فإما أن يثبت القاذف ما ادعى و أشاع فيأتي بأربعة شهود ليطهر المقذوف بالحد و يحسم الأمر و تخرس الألسنة، أو يعجز عن دعم بهتانه ببينة شرعية فيقام الحد عليه بصفته قاذفا بغير حق و يوصم بالفسق، و تهدر شهادته بين الناس بعد ذلك، فلا يبقى له وزن و لا قيمة، و لا تعتبر أقواله و آراؤه أبدا حتى و لو تاب عند جماعة من العلماء، و هو عقاب صارم حازم، يلقم الكذبة أحجارا، و يحيلهم في نظر الناس أغمارا، و يقطع ألسنتهم عن اللغو في أعراض الناس فترتاح النفوس و تسلم الصدور، و تأمن الجماعة فيشيع الصدق و الوفاء، و تتأصل العزة و الإباء، و تستأصل جذور الشر، حتى إذا روج للإفك بعد مروج، جاء الرد من قبل الألسنة النظيفة التي تعرب عن سمو الشعور في القلوب الطاهرة ﴿مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَاسُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ً﴾ (12).
إغلاق الباب دون الجدل:
و عندما يكون ظاهر الكلمة الجد و طلب الاستفادة و باطنها يدل على العبث، و يوحي بالجدل المريض و الفلسفة المتطرفة، فإن الإسلام يستبعدها مخافة أن ينشأ في الأمة جدليون بطالون يحترفون الكلام، و يتثاقلون عن العمل، لا يقدمون نفعا، و لا يشاركون في إصلاح، بل ربما انتقلت عدوى الجدل منهم إلى غيرهم من ذوي النشاط الحي، فهذا داء خطير، و مرض وبيل يعالج في حينه و يحسم وقت ظهوره، لما روى البخاري و مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه و إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
و في السنن من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا و ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا، و ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» و معنى زعيم: ضامن و كفيل.و معنى ربض: فناء الجنة، و الكف عن السؤال العابث الذي لا مصلحة فيه و لا فائدة أفضل من الإدلاء به، لأنه ضياع للوقت، و شغل للناس في غير طائل و لذلك نهى الله عباده المؤمنين عنه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنتَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾(13).
و بعد: فذاك وزن الكلمة في الإسلام و ثقلها و تلك مكانتها و وظيفتها و قد آن للمسلمين أن يعتصموا بمنهج سلفهم الصالح فيقدرونها حق قدرها، و يستشعرون التبعة من بين يديها و من خلفها، صادعين بالحق، مجاهرين بالصدق لا يحابون صديقا، و لا يداهنون عدوا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُواقَوْلاً سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَوَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (14).
و السلام عليكم و رحمة الله.
--------------------------------------------
الهوامش
1) البقرة : 29 – 32
2) الأنعام: 116
3) التوبة: 120
4) محمد 2:2
5) الأنعام: 9
6) النساء: 134
7) إبراهيم: 26 – 29
8) الممتحنة: 12
9) الحج: 28
10) الإنفطار: 10 – 12
11) الإسراء: 36
12) النور: 16
13) المائدة: 103
14) الأحزاب: 70 - 71