arrow down

تهافت العصرانيون

بقلم فضيلة د. محمد بن سلميان العبدة ( عضو رابطة علماء المسلمين )

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا كان الإسلام ـ وهو دين محفوظ ـ يتسم بالسماحة والاعتدال والوسطية (والوسطية هنا مثل رأس المثلث، أي هو الأعلى)، فهل هو واسع إلى درجة أن يخوض فيه كل خائض، ليهدم أصوله ولكن عن طريق قطع فروعه؟ أليس للإسلام ثوابت وقواعد، وله أركان وواجبات، فهل تتغيَّر هذه بتغير الزمان أو المكان؟
إنَّ كلمة (عصرانية) تعبير دقيقة عن اتجاه يوجد في كل زمان، فهكذا النفوس البشرية، وهكذا الأهواء، اتجاه لا يريد التنصل من الدين كلية، ولكن يحرِّف الدين ويلتف حول النصوص ليكون متلائماً مع العصر حسب زعمه.
فإذا كان العصر لا يقبل ذكر المعجزات المادية التي وقعت للأنبياء أو للصالحين في هذه الأمةº فلا مانع عند العصرانيين من إنكارها أو تأويلها تأويلاً غير مستساغ. وإذا كان العصر يدندن حول مساواة المرأة للرجل في كل شيء (وهو شيء يخالف أصل الخلقة)º فلا مانع عند هؤلاء من تحريف النصوص أو إنكارها، وإذا كانت إقامة الحدود لا تعجب أعداء الإسلام، فالعصرانيون يرددون نعم، الحدود كانت مناسبة لبيئة معينة في القديم، والآن غير مناسبة لهذا العصر.. لماذا لا يتسم العصرانيون بالشجاعة الكافية ويعلنون عن نواياهم التي هي إنقاص الإسلام من أطرافه، فتراهم يحومون مثلاً حول الصحابة بشيء من الغمز واللمز ولا يصرحون أو حول العقيدة لتتسع لكل ضال منحرف؟
فهم ـ كما قال ابن تيمية عن المعتزلة ـ يقولون بقول الخوارج في تكفير أهل الذنوب والكبائر من المسلمين، ولكنهم لم يصرحوا بهذا، وقالوا: إنهم في منزلة بين المنزلتين، ولكنهم مخلَّدون في النار، فوصلوا إلى النتيجة نفسها التي وصل إليها الخوارج، ونعوذ بالله من الضلال.
إنَّ أعداء الإسلام يستغلون هذه الانهزامية عند العصرانيين، فتراهم في هجوم دائم على الإسلام واتهامه بشتى التهم في التشدد والتزمت والأصولية و....الخ، ويكون الرد عند العصرانيين هو الانسحاب في كل مرة والتنصل عن بعض ثوابت الإسلام.
إنَّ الإنسان في أصل فطرته ودوافعه وحاجاته لا يتغيَّر، وقد ذكر القرآن صفات متأصلة في الإنسان:
(كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطغَى*أَن رَّآهُ استَغنَى).
(لَقَد خَلَقنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ,).
(وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا).
( وَكَانَ الإِنسَانُ أَكثَرَ شَيءٍ, جَدَلًا ).
والذي خلق الإنسان هو الذي شرع له هذه الأحكام ليصلح له دنياه وآخرته، والاستجابة لضغوط أعداء الإسلام والمستهترين بالرسالات السماوية هو من أسباب البلاء، وهو داء قديم تعرضت له الأديان السابقة، ولكن الله سبحانه وتعالى حفظ هذا الدين قرآناً وسنة، فلم يستطع التحريف النيل منهما، ولا أبالغ إذا قلت أنه ليس أضرَّ على الدين بعد الشرك والوثنية من هذه البدعة.