arrow down

حول الاحتفال بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم -

بقلم فضيلة/ عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

اعتاد الكثير من النَّاس كلَّ عام - في شتَّى بقاع الأرض - عند دخول شهر ربيع الأول : الاستعداد والتجهيز للاحتفال بمولد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وينتشر فيه بين الجهَّال من العوام ما لا يخفى من البدع والمنكرات المتفاوتة في صغرها وكبرها ..
وينفتح المجال على مصراعَيه في زماننا هذا للانهزاميِّين والتبريريِّين الذين يحاولون - بطريقةٍ أو بأخرى - إيجادَ أرضيَّةٍ تلمُّ شملَ الجميع متناسِين ومقلِّلين من شأن أصولٍ شرعيَّة لا تقبَل التبديل ولا التغيير ..
فالنَّاس في الاحتفال بالمولد - بهذا الاعتبار - ثلاثة أصناف :
1- صنفٌ وقفوا على حدود السلف الصَّالح من الصحابة والتابعين وأئمَّة أهل السنَّة والجماعة ، وساروا على نهجهم ؛ فلا احتفال عندهم بالمولد ؛ بل ولا تحديد عندهم لليوم أصلًا لعدم ثبوت ذلك .. هذا مع حبِّهم وتعظيمهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - غايةَ التعظيم , ونصرتهم لدينه قولًا وعملًا بأموالهم وأنفسهم وألسنتهم .
2- وصنفٌ جعلوا سيرهم بسير العادات والتقاليد دون تقيُّدٍ بدليل ؛ فكان قدوتهم في الاحتفال بالمولد : الخلفاء الفاطميون ادِّعاءً العبيديون أصلًا - ذريَّة عُبيد الله بن ميمون القدَّاح القرامطة الباطنيَّة - ، الذين ابتدعوا هذه الاحتفالات ؛ يقول الشيخ محمَّد بخيت المطيعي الحنفي - مفتي الديار المصريَّة سابقًا – في سنة 1320 هـ :
ومما أحدث وكثر السؤال عنه الموالد ؛ فنقول : إن أوَّل من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون , وأوَّلهم المعزُّ لدين الله توجَّه من المغرب إلى مصر في شوال سنة 361ه ... فوصل إلى ثغر الإسكندرية في شعبان سنة 362ه ... ودخل القاهرة لسبعٍ خلون من شهر رمضان في تلك السنة , فابتدعوا المولدَ النبوي ومولدَ علي بن أبي طالب ومولد السيدة فاطمة الزهراء ومولد الحسن ومولد الحسين ، ومولد الخليفة الحاضر ، وبقيت هذه الموالد إلى أن أبطلها الأفضل ابن أمير الجيوش ... ثم قُتِلَ الأفضل ليلة عيد الفطر من سنة 515ه ... ثم قتل الآمر بأحكام الله في سنة 524ه ... وفي خلافته المذكورة أعاد الموالد الستة المذكورة بعد أن أبطلها الأفضل وكاد النَّاس ينسونها ...اهـ [أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنَّة والبدعة من الأحكام (ص59 وما بعدها)] .
وسبقه إلى نسبة الاحتفال بالمولد للفاطميِّين المقريزي - المتوفَّى عام 845 هـ - في كتابه : المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (2/436).
والفاطميُّون - هم - كما وصفهم شيخ الإسلام ؛ قال رحمه الله :
"... بخلاف العبيديين فإنَّهم كانوا يتظاهرون بالإسلام ويقولون إنَّهم شيعة ، فالظاهر عنهم الرفض لكن كان باطنهم الإلحاد والزندقة كما قال أبو حامد الغزالي في كتاب المستظهري : ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض . وهذا الذي قاله أبو حامد فيهم هو متَّفق عليه بين علماء المسلمين ..." اهـ الردُّ على المنطقيِّين (ص280) .
ويقول الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى- :
" وَقَدْ كَانَ الْفَاطِمِيُّونَ أَغْنَى الْخُلَفَاءِ ، وَأَكْثَرَهُمْ مَالًا وَكَانُوا مِنْ أَعْتَى الْخُلَفَاءِ وَأَجْبَرِهِمْ وَأَظْلِمِهِمْ ، وَأَنْجَسِ الْمُلُوكِ سِيرَةً وَأَخْبَثِهِمْ سَرِيرَةً ؛ ظَهَرَتْ فِي دَوْلَتِهِمُ الْبِدَعُ وَالْمُنْكَرَاتُ ، وَكَثُرَ أَهْلُ الْفَسَادِ ... " اهـ [البداية والنهاية (16/456)] .
ويستنبط شيخُ الإسلام استنباطًا – عمليًّا - دقيقًا لكفرهم ؛ يقول :
"... وكان بالبلد جماعةٌ كثيرون يظنُّون في العبيديِّين أنَّهم أولياء الله تعالى صالحون , فلما ذكرت لهم أنَّ هؤلاء كانوا منافقين زنادقة , وخيار مَن فيهم الرافضة , جعلوا يتعجَّبون ويقولون : نحن نذهب بالفَرَس التي بها مغل إلى قبورهم فتُشفى عند قبورهم . فقلت لهم : هذا من أعظم الأدلَّة على كفرهم . وطلبت مِن طائفة من سيَّاس الخيل ؛ فقلت : أنتم بالشام و مصر إذا أصاب الخيل المغل أين تذهبون بهم ؟ فقالوا : في الشام يذهب بها إلى قبور اليهود و النصارى ، وإذا كنَّا في أرض الشمال يذهب بها إلى القبور التي ببلاد الإسماعيلية كالعليقة والمنقية ونحوهما ، وأما في مصر فيذهب بها إلى دير هناك للنصارى ، ونذهب بها إلى قبور هؤلاء الأشراف - وهم يظنُّون أنَّ العبيديين شرفاء ؛ لما أظهروا أنَّهم من أهل البيت - فقلت : هل يذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين ؛ مثل قبر الليث بن سعد و الشافعي و ابن القاسم وغير هؤلاء ؟ فقالوا : لا . فقلت لأولئك : اسمعوا ؛ إنما يذهبون بها إلى قبور الكفَّار والمنافقين . وبَّينتُ لهم سببَ ذلك ؛ قلت : لأنَّ هؤلاء يُعذَّبون في قبورهم ، والبهائم تسمع أصواتهم ؛ كما ثبت في الحديث الصحيح فإذا سمِعَتْ ذلك فَزِعَت ؛ فبسبب الرعب الذي يحصل لها تنحلُّ بطونها فتروث ؛ فإنَّ الفزع يقتضي الإسهال . فيعجبون من ذلك ، وهذا المعنى كثيرًا ما كنتُ أذكره للنَّاس ولم
أعلم أحدًا قاله ثمَّ وجدته قد ذكره بعض العلماء ." اهـ [الردُّ على البكري (2/587 -590)] .

3- وصنفٌ ثالثٌ أراد أن يوفِّق بين القولَين ، وهم أصناف ؛ فصنفٌ منهم يقول : الاحتفال ليس بدعة فهو من باب العادات لا العبادات .. فأتى بلا شيء ؛ عن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن صومه ... الحديث وفيه : وسُئِل عن صوم يوم الإثنين قال : (( ذاك يوم وُلِدتُ فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه ...)) [رواه مسلم (1162)] .
فالمشروع في يوم العيد : الفطر . والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - احتفل بيوم الاثنين ؛ ولكن بالصوم ؛ لا كالأعياد من الأكل والشرب ولبس الجديد ونحوها ..
والصوم عبادة شُرِعَت لتعظيم اليوم ؛ كما في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ وَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ فَسُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ , فَقَالُوا : هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي أَظْفَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى فِرْعَوْنَ وَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - : (( نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ )) . ثُمَّ أَمَرَ بِصَوْمِهِ . [رواه البخاري (3943) ومسلم (1130)] . وأيُّ نوعٍ من الاحتفال في يومٍ ما فهو تعظيمٌ له ..
وقد ظنَّ بعضُهم أنَّ في حديث أبي قتادة حجَّة لهم في الاحتفال بيوم المولد من ربيع الأول ، وهذا غير صحيح ؛ فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَرِدْ عنه صوم في ربيع الأوَّل أصلًا ، ولا مَن بعده من الصحابة والتابعين , فضلًا عن أيِّ نوعٍ من الاحتفال ..
ولو كان مَن يحتجُّ بهذا صادقًا مع نفسه فليَصُم هذا اليوم ويدع ما سواه من احتفالات ، وليأمر النَّاس بالصوم فيه والاكتفاء بذلك ..
وصنفٌ يقول بترك النَّاس تقوم بالاحتفال ولكن بما لا يُخالِف الشريعة .. ولعلَّ هؤلاء هم الأقرب إلى تصحيح مسار النَّاس شيئًا فشيئًا ، وتجنُّب المصادمة معهم ؛ لكن بشرط ألَّا يُهمِل هؤلاء النصَّ على بدعيَّة هذا العمل .. وعليه يُحمَل فعل مَن فعلَه أو شارك فيه من العلماء في الأزمنة المتأخِّرة ..
ونحن لا نقول ببدعيَّة الاحتفال بالمولد طلبًا للخلاف ؛ بل صيانة لأصل من أهم أصول الإسلام ، وأما الخلاف والمصادمة مع عموم المسلمين - الذين تشبَّعوا بالاحتفال بالمولد وتشرَّبوه منذ عقِلوا - فليس فيه فائدة مرجوَّة ؛ بل الرِّفق واللِّين هو الذي يُرجَى معه هداية النَّاس للحقِّ .. قال شيخ الإسلام :
" فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعضُ النَّاس ويكون له فيه أجرٌ عظيم لحُسن قصده وتعظيمه لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كما قدَّمته لك أنَّه يحسن من بعض النَّاس ما يُستقبَحُ من المؤمن المسدَّد " اهـ [ اقتضاء الصراط المستقيم (ص297)] .
فالمؤمن المسدَّد عليه أن يكون صمَّام أمان لأصول دين الإسلام من أن تُحرَّف أو تنزوي مع تهافت النَّاس اليوم .. وبُعدِهم عن التمسُّك بالسُّنَن ..
وَسُئِلَ شيخ الإسلام :
" عَمَّنْ يَعْمَلُ كُلَّ سَنَةٍ خَتْمَةً فِي لَيْلَةِ مَوْلِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ ؟ أَمْ لَا ؟
فَأَجَابَ :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ، جَمْعُ النَّاسِ لِلطَّعَامِ فِي الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ سُنَّةٌ وَهُوَ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الَّتِي سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسْلِمِينَ وَإِعَانَةُ الْفُقَرَاءِ بِالْإِطْعَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ هُوَ مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ . فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (( مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ )) وَإِعْطَاءُ فُقَرَاءِ الْقُرَّاءِ مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى الْقُرْآنِ عَمَلٌ صَالِحٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ , وَمَنْ أَعَانَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ شَرِيكَهُمْ فِي الْأَجْرِ . وَأَمَّا اتِّخَاذُ مَوْسِمٍ غَيْرِ الْمَوَاسِمِ الشَّرْعِيَّةِ كَبَعْضِ لَيَالِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ الَّتِي يُقَالُ : إنَّهَا لَيْلَةُ الْمَوْلِدِ أَوْ بَعْضِ لَيَالِيِ رَجَبٍ أَوْ ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ أَوَّلِ جُمْعَةٍ مِنْ رَجَبٍ أَوْ ثَامِنِ شَوَّالٍ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْجُهَّالُ عِيدَ الْأَبْرَارِ فَإِنَّهَا مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَسْتَحِبَّهَا السَّلَفُ وَلَمْ يَفْعَلُوهَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ" اهـ [مجموع الفتاوى (25/298)] .

وفَّقنا الله - عزَّ وجلَّ - وعموم المسلمين للاتِّباع ونبذِ الابتداع ..