arrow down

كل ما أنبت الربيع يموت حبطاً أو يلم

بقلم فضيلة د. حكمت الحريري ( عضو رابطة علماء المسلمين )

بسم الله الرحمن الرحيم

عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: \"إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: زهرة الدنيا. فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ظننت أنه ينـزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه، فقال: أين السائل؟ قال: أنا. قال أبو سعيد: لقد حمدناه حين طلع لذلك، قال: لا يأتي الخير إلا بالخير. إن هذا المال خضرة حلوة، وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم، إلا آكلة الخضرة، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فاجترت وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت وإن هذا المال حلوة من أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو. وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع\". [رواه البخاري، كتاب الرقاق وكتاب الجهاد والسير]

معاني الألفاظ:

- زهرة الدنيا: زينتها وبـهجتها، أي ما فيها من أنواع المتاع والثياب والزروع والأموال وغير ذلك مما يفتخر الناس به مع قلة بقائه.

- هل يأتي الخير بالشر: أي هل تصير النعمة عقوبة، لأن زهرة الدنيا نعمة من الله فهل تعود هذه النعمة نقمة؟ والسؤال للاستفهام.

- حتى ظننت أنه ينـزل عليه: أي الوحي، وفهموا ذلك بالقرينة من الكيفية التي جرت عادتـه بـها عندما يوحى إليه.

- ثم جعل يمسح عن جبينه: وفي رواية: ثم إنه مسح عن وجهه الرحضاء وهو العرق.

- لقد حمدناه حين طلع لذلك: أي أنـهم لاموه أولاً حيث رأوا سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - فظنوا أنه أغضبه، ثم حمدوه آخراً لما رأوا مسألته سبباً لاستفادة ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -.

- لا يأتي الخير إلا بالخير: أي أن كل شيء قضى الله أن يكون خيراً فلا يكون شراً وبالعكس، وإنما يخشى على من رزق الخير أن يعرض له في تصرفه فيه ما يجلب له الشر وذلك إما بالبخل به عمن يستحقه أو الإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع.

- إن هذا المال خضرة حلوة: أي المال كالبقلة الخضراء الحلوة، باعتبار ما يشتمل عليه من زهرة الدنيا لأنه من زينتها، قال - تعالى -: [المال والبنون زينة الحياة الدنيا].

- كل ما أنبت الربيع يقتل حبطاً أو يُلمٌّ: الحبط: انتفاخ البطن من كثرة الأكل، يقال حبطت الدابة إذا أصابت مرعى طيباً فأمعنت في الأكل حتى تنتفخ فتموت. أو يُلمٌّ: أي يقرب من الهلاك.

- إلا آكلة الخضرة: الماشية التي يعجبها نوع من الكلأ.

- امتدت خاصرتاها: امتلأت خاصرتاها، والخاصرتان تثنية خاصرة وهي جانب البطن من الحيوان.

- اجترت وثلطت: أي استرفعت ما أدخلته في كرشها من العلف فأعادت مضغه وهذا هو الاجترار. وثلطت: ألقت ما في بطنها.

- ثم عادت فأكلت: معناه أنـها إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت تحيلت في دفعه بأن تجتر فيزداد نعومة، ثم تستقبل الشمس فتحمى بـها فيسهل خروجه، فإذا خرج زال الانتفاخ فسلمت. وهذا بخلاف من لم تتمكن من ذلك فإن الانتفاخ يقتلها سريعاً.

أحكام فقهية ودروس مستفادة من الحديث:

1 - مشروعية استفهام العالم عما يشكل وطلب الدليل لدفع المعارضة.

2 - الحذر من الاغترار بالدنيا، لأن التعلق بـها من أسباب الهلاك.

3 - قد يكون المال خيراً وقد يكون شراً، فإن جلبه من طريق حلال وأنفق في وجوه الخير فهو خير، وإن جلب من طرق محرمة وبخل به صاحبه أو أسرف في إنفاقه فهو شر ووبال على صاحبه.

4 - يجب على العالم أو طالب العلم إذا سئل ألا يستعجل في إعطاء الجواب أو الفتوى ولكن بعد التأمل والتفكير.

5 - سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الوحي غير المتلو، لأن صمت النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لانتظار الوحي عند إرادة الجواب عما سئل عنه على ما ظنه بعض الصحابة، أو أن سكوته ليأتي بالعبارة الوجيزة الجامعة المفهمة.

6 - كلام الإنسان وسؤاله قد يكون سبباً للومه وذمه، وقد يكون سبباً لمدحه وحمده وحصوله على الأجر والثواب.

7 - بيان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتي جوامع الكلم.

8 - بيان أن المكتسب للمال من غير حله لا يبارك له فيه لتشبيهه بالذي يأكل ولا يشبع.

9 - استعمال الحكم والأمثال في الكلام، لكي يكون مفهوماً ومؤثراً في قلوب السامعين.

10 - تشبيه حال الإنسان الذي يجمع المال ويحرص عليه ويبخل به ولا ينفقه في الوجوه الصحيحة بالدابة التي ترتع في نوع من الكلأ فتأكل منه فيقتلها حبطاً أو يُلمٌّ.

11 - بيان حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه وأمته من بعده وشفقته عليهم وتحذيرهم من المخاطر التي قد تقع، وكذلك الواجب على من يلي أمر المسلمين.

من جوامع الكلم:

مما خص الله - تعالى - نبيه به أن آتاه جوامع الكلم وبدائع الحكم، فقد كان - عليه الصلاة والسلام - يتكلم بالكلام القليل الذي يحوي المعاني الكثيرة:

فعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: \"فضلت على الأنبياء بستٍّ,: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون\"[1].

وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: \"بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي\". قال أبو هريرة: فذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنتم تنتشلونـها\"[2].

وقد عد ابن دريد هذا الحديث وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: \"إن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم\" من الكلام المفرد الوجيز الذي لم يسبق - صلى الله عليه وسلم - إلى معناه، وكل من وقع شيء منه في كلامه فإنما أخذه منه\"[3].

ومما عد من وجوه بلاغته ما ذكروه أنه جمع متفرقات الشرائع وقواعد الإسلام في أربعة أحاديث:

الأول: حديث إنما الأعمال بالنيات، والثاني: حديث الحلال بين والحرام بين. والثالث: حديث البينة على المدعي واليمين على من أنكر، والرابع: حديث لا يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. فالحديث الأول من هذه الأربعة يشتمل على ربع العبادات، والثاني يشتمل على ربع المعاملات، والثالث على ربع الحكومات وفصل الخصومات، والرابع على ربع الآداب والمناصفات ويدخل تحته التحذير من الجنايات[4].

كما أن بعض العلماء قد أفردوا في كتب مستقلة جموعاً من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - التي هي من جوامع الكلم ودرر الحكم مثل: \"الإيجاز وجوامع الكلم من السنن المأثورة\" للحافظ أبي بكر بن السني، و \"الشهاب في الحكم والآداب\" للقاضي أبي عبيد الله القضاعي، و \"الأحاديث الكلية\" لابن الصلاح، والأربعين النووية للإمام النووي[5].

وللشيخ محمد هاشم السندي رسالة بعنوان \"حلاوة الفم بذكر جوامع الكلم\".

إن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطاً أو يُلمٌّ:

من أنعم الله - تعالى - عليه فقهه في الدين ذلك بأنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وقد حث الله - سبحانه - عباده على تدبر القرآن وفهمه فقال: [أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها].

ومن تدبر كتاب الله وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام -، وجد الآيات والأحاديث الكثيرة في ذكر عيوب الدنيا والتحذير من الاغترار بـها، فقال - سبحانه -: [يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور][لقمان: 33].

وقال: [زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب][آل عمران: 14].

وقال: [وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور][آل عمران: 185].

وفي الحديث عن عمرو بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو صالح أهل البحرين وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدومه، فوافقت صلاة الصبح مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما انصرف تعرضوا له، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رآهم وقال: أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة وأنه جاء بشيء؟ قالوا: أجل يا رسول الله، قال: فأبشروا وأمِّلوا ما يسركم، فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم\"[6]. وفي رواية أخرى: فتهلككم كما أهلكتهم\".

وعن هند بنت الحارث الفراسية أن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: استيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزعاً يقول: سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن وماذا أنزل من الفتن! من يوقظ صواحب الحجرات - يريد أزواجه - لكي يصلين؟ ربَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة\"[7].

وعن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خباب بن الأرت - رضي الله عنه - نعوده وقد اكتوى سبع كيَّات فقال: إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا مالا نجد له موضعاً إلا التراب، ولولا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نـهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، ثم أتيناه مرة أخرى وهو يبني حائطاً له فقال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في هذا التراب[8].

وعن عقبة بن عامر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إني فرطكم وأنا شهيد عليكم. وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض - أو مفاتيح الأرض - وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها\"[9].

وعساك أخي القارئ اللبيب وقد تأملت هذه الأحاديث التي هي من أعلام النبوة أن تكون قد سمعت عن فئة ظهرت في بعض البلاد الإسلامية وهم عبدة الشيطان من أبناء علية القوم ممن فتحت عليهم الدنيا وكثرت لديهم الأموال وأترفوا في الحياة الدنيا.

ولكن وسائل الإعلام حيث - إن معظم القائمين عليها ممن يجهلون بل يعادون الإسلام - لم يولوا هذا الأمر الخطير وهذه الفئة المنحرفة من البيان والتوضيح وإعلان الحقيقة والأهداف التدميرية العناية اللازمة، بينما تجدهم إذا حصلت خطيئة أو هفوة من الدعاة والعاملين للإسلام سلقوهم بألسنة حداد، وسخرت لأجل ذلك الصحف والمجلات والإذاعات المسموعة والمرئية حتى يصنعوا من الحصاة جبلاً.

أو قد تكون قد سمعت أو رأيت حال بعض من كتب تعتز بـهم وتفتخر بشجاعتهم وجرأتـهم في قول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما فتحت عليهم خزائن الدنيا وتمتعوا بزينتها كيف تغيرت مواقفهم وتبدلت لهجتهم ومسالكهم فصار عندهم المعروف منكراً أو مجازفة أو مغامرة، وصارت المداهنة والنفاق والسكوت على المنكر ذكاء وحنكة وحسن تدبير و[إنـها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور].

أو قد تكون قد سمعت أو قرأت عن أحوال المجتمع في بعض الدول الغربية الذين فتحت عليهم أبواب الدنيا والإسكندنافية على وجه الخصوص الذين يعتبر دخل الفرد في تلك الدول أعلى مستوى للدخل في العالم ومع ذلك فإن نسبة الانتحار أعلى نسبة في دول العالم.

أو تكون سمعت أو اشتكى إليك بعض الأصدقاء والأصحاب ممن أنعم الله عليهم وفتح عليهم أبواب الدنيا ورزقهم من فضله، يشتكون إليك ما أصابـهم وما حل بـهم من خسائر مالية ومادية بعد أن أقاموا عقود شركات مع أصحاب لهم فلا يحصلون إلا على الخسارة والاختلاف ولكن هؤلاء - هداهم الله - عندما يدعون لينفقوا في سبيل الله بخلوا به. وقد كانوا قبل أن تفتح عليهم خزائن الدنيا يدعون ويحثون الناس على الصدقة والإنفاق[ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين. فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون][التوبة: 75 - 76].

وهل كانت بلاد الإسلام والشعوب الإسلامية مطمعاً للأعداء وموضع استهانة وتسلط من قبل اليهود والنصارى وبلاد الكفار إلا بعد أن بسطت الدنيا على الناس وتنافسوا فيها فعمروا دنياهم وأفسدوا آخرتـهم فآل أمرهم إلى خسارة الدنيا والآخرة.

من غوائل المال وآفاته:

إن معظم ما يقع بين الناس من اختلافات وحسد وبغضاء وارتكاب المعاصي والمداهنة والنفاق، والغيبة والنميمة والإقبال على الدنيا، والتقصير في العبادة وقلة الاهتمام بالآخرة إنما يعود سببه في معظم الأحيان إلى انشغال القلب بالمال والاهتمام به.

فعن أبي سنان الدؤلي أنه دخل على عمر بن الخطاب وعنده نفر من المهاجرين الأولين، فأرسل إلى عمر بسفط أتي به من قلعة من العراق فكان فيه خاتم، فأخذه بعض بنيه فأدخله في فيه، فانتزعه عمر منه ثم بكى عمر، فقال له من عنده: لم تبكي، وقد فتح الله لك وأظهرك على عدوك وأقر عنك؟ فقال عمر: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: \"لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله - عز وجل - بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وأنا أشفق من ذلك\"[10].

قال - تعالى -: [واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم][الأنفال: 28].

فالمال والأولاد جعلا صاحب الجنة يتكبر على صاحبه ويكفر بالله حينما قال لصاحبه: [أنا أكثر منك مالاً وأعز نفرا][الكهف: 34]، والمال والأهلون جعلت بعض الأعراب يتخلفون عن الخروج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال - تعالى - عنهم: [سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبـهم، قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً بل كان الله بما تعملون خبيراً][الفتح: 11].

المال والأولاد أوقعت كثيراً من الناس في الكفر والشرك والتكبر والإعجاب بالنفس واحتقار الناس كالذين ذكرهم الله - تعالى - في القرآن الكريم: [أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولداً][مريم: 77]. ]ولا تطع كل حلاف مهين، هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم، أن كان ذا مال وبنين[[القلم: 10 - 14][أيحسب أن لن يقدر عليه أحد. يقول أهلكت مالاً لبداً][البلد: 5 - 6]. [وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون، وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين][سبأ: 34 - 35].

وعن كعب بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: \"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه\"[11].

وفي التحذير من فتنة المال والشح قال أبو ذر - رضي الله عنه -: \"كنت أمشي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حرة المدينة فاستقبلنا أحد فقال: يا أبا ذر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا شيئاً أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه، ثم مشى ثم قال: إن الأكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وقليل ما هم\"[12].

وقال أبو قبيس بن معد يكرب وكان له أحد عشر ذكراً: يا بني اطلبوا هذا المال أجمل الطلب، واصرفوه في أحسن مذهب، صلوا به الأرحام، واصطنعوا به الأقوام، واجعلوه جنة لأعراضكم تحسن في الناس قالتكم، فإن جمعه كمال الأدب وبذله كمال المروءة، حتى إنه ليسوّد غير السيد، ويقوي غير الأيِّد، وحتى إنه ليكون في أنفس الناس نبيهاً وفي أعينهم مهيباً، ومن جمع مالاً فلم يصن عرضاً ولم يعط سائلاً بحث الناس عن أصله فإن كان مدخولاً هتكوه، وإن كان صحيحاً نسبوه إما إلى عِرضِ دنية، وإما إلى لوص لئيم حتى يهجنوه.

قال - تعالى -: [يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون، وأنفقوا مما رزقكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين، ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون][المنافقون: 9 - 11]...

----------------------------------------

[1] - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم الحديث: 523.

[2] - المصدر السابق. رقم الحديث: 523.

[3] - نقلاً عن \"فتح الباري\" لابن حجر 11/253.

[4] - انظر \"حلاوة الفم بذكر جوامع الكلم\" مخطوط لمحمد هاشم السندي. جامعة السند.

[5] - انظر \"جامع العلوم والحكم\" لابن رجب الحنبلي.

[6] - صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، رقم: 6425.

[7] - صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه. رقم: 7069.

[8] - صحيح البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، رقم الحديث: 5672.

[9] - صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: ما يجد من زهرة الدنيا، رقم الحديث: 6426.

[10] - مسند الإمام أحمد، تحقيق أحمد شاكر، رقم الحديث: 93.

[11] - سنن الترذمي. أبواب الزهد، رقم الحديث في تحفة الأحوذي: 2482.

[12] - صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهباً، رقم: 6444.