arrow down

أمريكا وليس ترامب

بقلم فضيلة د. عبد الآخر حماد الغنيمي (عضو رابطة علماء المسلمين)

قرار الرئيس الأمريكي ترامب بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني ما هو إلا تفعيل لقرار قديم صادر عن الكونجرس منذ عام 1995م نص على وجوب نقل سفارة أمريكا من تل أبيب إلى القدس ، وقد صدر هذا القرار الذي صار قانوناً واجب التنفيذ بأغلبية ساحقة من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب ، ولكن هذا القانون قد أعطى الرئيس الأمريكي الحق في تأجيل تنفيذه لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد إذا رأى الرئيس مصلحة لبلاده في ذلك التأجيل ، ومنذ ذلك التاريخ تعاقب على سدة الحكم في أمريكا قبل ترامب ثلاثة رؤساء ( كلينتون وبوش وأوباما ) ، كلهم كانوا يستخدمون الحق الذي أعطاه لهم ذلك القانون في تأجيل تنفيذه ، لكن الرئيس الحالي آثر إصدار قراراه المذكور دون مراعاة لما كان يراعيه أسلافه مِن كون ذلك القرار سيصدم مشاعر أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين ، كما أنه قرار مخالف لكل القرارات الدولية التي نصت على اعتبار القدس أرضاً محتلة .
وفي تقديرنا أن ذلك الأمر ليس متعلقاً فقط بطبيعة ترامب العنصرية المعادية للعرب والمسلمين ، وإنما هو في الأصل متعلق بسياسات الولايات المتحدة التي درج حكامها ومنذ عقود طويلة على الوقوف دوماً ضد قضايا العرب والمسلمين ، فهذا القرار كما رأينا قرار قديم صادر عن المجلسين اللذين يمثلان الشعب الأمريكي ، ونحن لا ننسى أن أمريكا هي أكبر داعم لدولة الصهاينة منذ إنشائها على أرض فلسطين ، كما أننا لا ننسى أن أمريكا هي مَن قتلت المسلمين في أفغانستان والعراق وغيرهما من بلاد الإسلام ، وهي أكبر داعم لكثير من الحكام الديكتاتوريين في بلاد المسلمين ، بل إن أمريكا هي التي لم تراعِ في حروبها أي معنى من معاني الإنسانية ، وإلا فمن الذي أباد أمة بأكملها وهي أمة الهنود الحمر غير الأمريكان ؟ ومن الذي ألقى القنابل الذرية على هيروشيما ونجازاكي باليابان ؟ رغم أن المؤرخين المنصفين يذكرون أن اليابان كانت قد وافقت بالفعل على الاستسلام قبل إلقاء هاتين القنبلتين .
والحق أن هذا القرار إنما هو بمثابة صفعة على وجوه –إن لم نقل على أقفية- أولئك العلمانيين الذين كانوا قد هللوا وملأوا الدنيا فرحاً وسروراً بفوز ذلك المجرم ( ترامب ) في الانتخابات الرئاسية الأخيرة ، وذلك لما لمسوه في خطابه أثناء حملته الانتخابية من عداء واضح لما يسمى بتيار الإسلام السياسي ، هذا برغم أن تصريحاته لم تكن مقتصرة على ذلك ، وإنما كانت واضحة أيضاً في تحيزها لدولة اليهود وعدائها للإسلام والمسلمين بصفة عامة ، لكنها سياسة النظر تحت الأقدام ، والحرص على المصالح الشخصية دون نظر للصالح العام ، كما أنها سياسة المكايدة للخصوم السياسيين ولو على حساب ثوابت الأمة ومصالحها ، وهذا كله إذا استبعدنا ما يقرره البعض من أن القصة كلها متفق عليها سابقاً بين ترامب وبعض حلفائه في المنطقة ممن لا همَّ لهم إلا الحفاظ على كراسيهم ومناصبهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
على كل حال فإننا وفي هذا الوقت العصيب لا نملك إلا أن نتوجه بالنصيحة المخلصة لكامل أمتنا العربية والإسلامية -حكاماً ومحكومين- بأن ينتهزوا هذه الفرصة التي اجتمعت فيها كلمتهم -ولو ظاهرياً- على رفض هذه الخطوة الأمريكية ، أقول إني أنصحهم جميعاً بالتوبة الصادقة إلى الله تعالى ، وتحكيم شريعته سبحانه وألا يلتفتوا إلى قالة أهل الضلالة الذين يزينون لهم مخالفة شرع الله زاعمين لهم أن الذين يطالبون بتطبيق شرع الله هم الإرهابيون المتطرفون ، كما أني أنصح حكام المسلمين بالتصالح مع شعوبهم والعودة إليهم والالتحام بهم ، فهم الذخيرة الباقية لهم بعد الله سبحانه ، وذلك هو السبيل للوقوف في وجه مخططات اليهود والأمريكان .
ألا قد بلغت اللهم فاشهد .