arrow down

البراء أيها المسلمون!!

بقلم فضيلة أ.د. علي بن محمد مقبول الأهدل (عضو رابطة علماء المسلمين )

يعتبر الولاء والبراء من عقيدة الإسلام المهمة في حياة المسلم، فالولاء هو المحبة والنصرة وكونك مع المحبوبين ظاهراً وباطناً، والبراء هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار.

ولذلك نجد أن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) تثبت ولاءً وبراءً نفياً وإثباتاً، ولاءً لله ولدينه ولكتابه ولنبيه عليه الصلاة والسلام وعباده الصالحين، وبراءً من كل طاغوت عبد من دون الله: {..فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى..} [البقرة:256]؛ ومن هنا قال العلماء: إن الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله؛ لأنه لما كان أصل الولاء الحب وأصل المعاداة البغض، وينشأ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنصرة والمعاونة، والأدلة على أن الولاء والبراء من لوازم لا إله إلا الله ذلك كثيرة جداً منها قوله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ} [آل عمران:28]، وقوله: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ.. الآية} [النساء:89]، وقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51]، {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ..} [الممتحنة:4].

أما الأحاديث فمنها ما رواه أحمد عن جرير بن عبدالله أنه قال: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح للمسلم وعلى فراق المشرك»، وقال صلى الله عليه وسلم: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» [أخرجه الطبراني في الكبير وهو حديث حسن].

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي أهله شيئاً".

فقوله رضي الله عنه: "ووالى في الله" هذا بيان للازم المحبة في الله وهو الموالاة فيه، إشارة إلى أنه لا يكفي في ذلك مجرد الحب، بل لا بد مع ذلك من الموالاة، وقوله: "وعادى في الله" هذا بيان للازم البغض في الله وهو المعاداة فيه، أي: إظهار العداوة بالفعل كالجهاد لأعداء الله والبراءة منهم والبعد عنهم باطناً وظاهراً، ولا يكفي مجرد بغض القلب بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه كما قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاءُ أَبَدًا.. الآية} [الممتحنة:4].

فالبراءة من القوم ومعبوداتهم وعباداتهم هو من الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، ولازمها العداوة والبغضاء التي لا تنقطع حتى يؤمنوا بالله وحده، إنها المفاصلة الحاسمة الجازمة التي لا تبقي شيئاً من الوشائج والأواصر بعد انقطاع وشيجة العقيدة وآصرة الإيمان، وفي هذا فصل الخطاب في مثل هذه التجربة التي يمر بها المؤمنون في أي عصر وجيل؛ وفي موقف إبراهيم والذين معه أسوة لخلفائهم من المسلمين إلى يوم الدين.

لذا نجد الإسلام حاسماً في عدم مشابهة الكفار؛ لأن مشابهتهم قد تؤدي إلى ولائهم وحبهم، ولذلك يقول الأستاذ محمد أسد النمساوي الذي أسلم وهو خبير بهذه القضية: "..وإن السطحيين من الناس فقط يعتقدون أنه من الممكن تقليد مدنية (أو أمة ما) في مظاهرها الخارجية من غير أن يتأثروا في الوقت نفسه بروحها، إن المدنية ليست شكلاً أجوف فقط ولكنه نشاط حي، وفي اللحظة التي تبدأ فيها بتقبل شكلها من الآخر تأخذ مجاريها الأساسية ومؤثراتها الفعالة، وتعمل فينا، ثم تخلع على اتجاهنا العقلي كله شكلاً معيناً ولكن ببطء ومن غير أن نلحظ ذلك!!

ولقد قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الاختيار حينما قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» [أبو داود: (2/441) (4031)، أحمد: (2/92) (5667) عن ابن عمر]، وهذا الحديث المشهور يدل على أنه لا مفر من أن يصطبغ المسلمون بالمدنية التي يقلدونه، وإذا حاكى المسلم أوروبا في لباسها وعاداتها وأسلوب حياتها فإنه يكشف عن أنه يؤثر المدنية الأوروبية -مثلا- على مدنيته هو كمسلم!

وإنه لمن المستحيل أن تقلد مدنية أجنبية في مظاهرها البدنية من غير إعجاب بروحها، وإنه لمن المستحيل أن تعجب بروح مدنية مناهضة للتوجه الديني الذي تحمله وتبقى مع ذلك مسلماً صحيحاً، إن الميل إلى تقليد التمدن الأجنبي يوجه الشعور بالنقص، ولا شيء سواه".

هذا كلام رجل غربي مستشرق عرف الحضارة والمدنية الغربية وخبر حلوها ومرها يقول هذا الكلام الواضح!! فلماذا يكابر البعض أمام مطالبة العلماء والدعاة بمواجهة مد التغريب الجارف! طالباً التروي وعدم الخلط بين المظاهر والدين! وكأن الدين لا مظاهر فيه!

إن أصل المشابهة جبلة جعلها الله في بني آدم -بل سائر المخلوقات- للتفاعل فيما بينها، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل أكبر، وفي جانب الإنسان تأخذ المشابهة بعداً فكرياً وخلقياً وسلوكياً، ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم فاكتسب بعضهم أخلاق بعض بالمشاركة والمعاشرة؛ والمشابهة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة في الأمور الباطنة لا محالة.

فعلى المجتمع أن يتنبه للمظاهر التي استشرت في أوساطنا تقليداً لأعداء الله، فإن لها أثراً ولا بد في ميل بعضنا لهم وموالاته إياهم، بل والوقوع في حبائل أفكارهم وخططهم.. والله المستعان.