arrow down

مشهد لدوام صحبة العلماء

بقلم فضيلة د. محمد رجب محمد (عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الخلق أجمعين، وآله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين. أما بعد: فما زالت قضية التدين وتحصيل زاده شغل طالبي العلم المخلصين، وهمَّ السعاة للآخرة سعيها من السالكين، يبتغون فيما آتاهم الله تعالى عدة النجاة، ويتلمسون فيما حولهم رواحل الطريق. فإذا ظفر أحدهم بدليل ينتفع به في سيره تغنَّمه وضنَّ به، بل عضَّ عليه بنواجذه منتصحًا قوله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك» (ابن تيمية: في الرد على البكري، وابن رجب: في جامع العلوم والحكم، خلاصة حكم المحدث: صحيح). وخير الأدلة على الطريق هم أهل العلم النبلاء، وأئمة الهدى الفضلاء، فإذا هُدِي طالب التدين إلى أحدهم فموفق محظوظ مُسعَف بطَلِبته، ضارب في إرث النبوة بسهم ونصيب، إذ هم أصحاب الفرض والتعصيب. فما أكمل التلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطتهم! وما أقوم طريق السعي على آثارهم! إلا أن السائر لا يسلم من قطَّاع في طريقه، وسرَّاق لزاده ينتهبونه عساه أن ينقطع ويرجع، أو ربما أبطأ فلا يبلغ، ومن أخطر ذلك وأخفاه اشتغال الطالب بعيوب وجدها في أستاذه وشيخه يتعذر إصلاحها، وغير مُجدٍ النصح فيها إذ هي أقرب إلى خصال الطبع وخلال النفس (كحدَّة وشدة غضب، أو قلة صبر وضيق صدر، أو ضجر بنصح ومشاورة). وهذه المنقوصات من الخصال وأمثالها تطفو عادةً على أوصاف الفضلاء، لتقع أعين الطالبين عليها فتستبد بأنظارهم، وتلفتهم عن وجهتهم من الاشتغال بالفضائل، والانتفاع بالمحصول، فإذا ما دفعها الطالب عن نظره قَمَست مُلحَّةً في اختلاسه، وإذا اشتغل النظر بها استفحلت حتى تصير كالآكِلة، تأتي على الفضائل فتتلفها فلا يظهر لها عين ولا أثر، أو تبقى نُفايةً مزهودًا فيها معزوفًا عن تعاطيها فينقطع بذلك السير، ويمتنع التزود والتحصيل. فإذا كانت الفضائل في الأوصاف تكاد لا تنفك عن نقصان كأنما دُمَّت به، لزم السائر شهودُ ما به تندفع تلك القواطع حتى يسلم له سعيه. وأصل ذلك أن يعلم أن تلك النقائص إنما هي مفقودات السعي، ومتروكات التحصيل علمًا وعملًا وحالًا، فما فات التحقق به من بضاعة التدين وميراث الهدي يبقى موضعه في أوصاف الرجال كالثلمة، خاليًا مما كان حقه الوجود والحصول، فمن وراء تلك الثلمة مفقود لم يُستفَد، ينبغي اشتغال النظر به، متجاوزًا هذه الثلمة نفسها فلا يقفُ عندها، بل فليجعلها نافذته إلى ما كان ينبغي أن يكون مكانها من ميراث النبوة ومكمَّلات الأخلاق، ليشهد منها ما كان حقه أن يحصل ويستفاد. وهو في ذلك كأنما أحيل منها على مليء مقنطِر، وأُورد عينًا ثرَّة، وحينئذ: يجد خزانة الآداب وذخيرة الأخلاق، إنه الآن يشهد الرحمة المهداة والنعمة المسداة، يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء تلك الثلمة متصفًا بذلك المفقود أكمل اتصاف وأتمه وأوفاه، فلرسول الله ص?ى الله عليه وسلم مستقَره ومستودَعه، يتذكر في ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]. فيرى فيه (إنَّ) مؤكِّدة قاطعة للشك، إذ قضيتها مسلَّمة لا تقبل اختلافًا ولا مراجعة، ويرى منه (اللام) حَشْرَ السِّنان في حلوق المجادلين، ومناجَزةً للمعاندين، ونبوءة بأن ينبعث أشقاهم فيخوضوا فيه صلى الله عليه وسلم، ويرى (على) تنبئ عن استعلاءٍ يفيد مَكِنة واستيلاءٍ يشي بالتسليط، لتنتفي مشقة المعالجة أو ممانعة التصريف، فللخلُق منقاد طائع ذلول. ثم يشهد ما في تنكير (خلق) من التعظيم والإطلاق المتجاوز بالمعنى ما في التعريف من حَوالة على معهود الأذهان وتجارب المخاطبين، إذ المعهود محدود، فلخلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من ذلك وأوسع وأوفى، والمقصود أنه مهما يجد من مفقود فإنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم متحققًا به مكمَّلًا متمَّمًا مستوفًى، فتنجبر في قلبه آثار تلك النقائص ويسكن الخاطر، فلا يفسَد عليه انتفاعه بفضيلة أو يُشوَّش اشتغاله بالتحصيل. وما أشبه ذلك بموضع اللبنة من تلك الدار التي حدثنا عنها النبي صلى الله عليه وسلم..! كذا مواضع المفقودات في فضائل الرجال، إنها الآن أدلة على كماله صلى الله عليه وسلم، فتتوثق معرفته صلى الله عليه وسلم، ويُزهر في القلب حبه صلى الله عليه وسلم، ويتأكد تقديمه واتباعه ويتحقق في السعي مقام التأسي به، فإذا أراد الطالب على تفهم ذلك مُعينًا في المواقف والأحداث، فلينظر إلى ذلك الأعرابي وهو يبول في المسجد وقد ابتدره الأصحاب الأبرار مظهرين شدة مستحقَّة، جريًا على التوقع ومناسبة للمعهود، فأحدث ذلك في المؤالفة ثلمة، وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يحوطهم من ورائهم، ويجبر ما لم تبلغه مقدوراتهم لترئم بحلمه الثلمة، ويلتئم بأدبه الإيلاف، ويتكلم بحروف مدادها الرحمة لتبقى على هديه دليلًا وعلى أتباعه حجة: «إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» (ابن تيمية في مجموع الفتاوى، خلاصة حكم المحدث صحيح). فأشهد أنه صلى الله عليه وسلم عبد الله ورسوله، وإنه لعلى خلق عظيم. فليت شعري كيف يقدَّم عليه غيره؟! أم كيف يُشتغل بأحد سواه؟! بل كيف يخبر مقال أو حال بظن عصمة في أحد من بعده؟! فإذا شهد السائر ذلك فليرتق منه إلى مشهد أعلى، ليطَّلع إلى صفات الله تعالى وأفعاله: (يعطي ويمنع، ويفتح ويمسك، ويبسط ويقدِر، يسوق الخيرات) ويقسم المواهب أو يصرفها عمن يشاء ولو حسبته الظنون أهلًا لها، فإذا كان الشيخ أو الأستاذ مظنة العطايا ومحاسن المواهب، فبحكمةٍ قد تخفى حُرِم بعضَها، ومُنع الاتصاف بها. فليحذر العبد أن يستوجب بحسبانه على الله تعالى شيئًا، ولو من طرفٍ خفي، فشهود منعه سبحانه موضعَ العطاء سُلَّمُه إلى التحقق بمقام التوحيد، والتعبد لله تعالى بأسمائه وصفاته وشهود عزته في تقديره، وحكمته في تدبيره، فهو العزيز الحكيم، فكما أعطى وأفضل بمحاسن الخصال، فإنه سبحانه منع وأمسك فوقع النقص وحصل الفقدان، فمفقودات الأعلام دليل على عزة الله تعالى وحكمته، وتفرده في تصريف الأقدار ووحدانيته، فلا إله غيره، ولا رب سواه. فإن أعياك أيها الطالب السائر ما علمت من نفسك، حتى حسبتها أهلًا للمنع ومظنة الحرمان، فشهود منعه تعالى موضعَ العطاء طمعُك في عطائه مظنةَ المنع، فتأمل. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا به، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.