arrow down

حكم الاحتفال بأعياد المشركين

بقلم فضيلة د. مهران ماهر عثمان ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد؛

فلقد مدح الله عباده عباد الرحمن بجملة من الصفات، منها ما جاء في قوله تعالى: {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً} [الفرقان: 72].

فما هو الزور؟ قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (6/ 130) : “وقال أبو العالية، وطاوس، ومحمد بن سيرين، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم: هي أعياد المشركين”.

وهذا من باب التفسير بالمثال، قال الطبري رحمه الله: “أولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال: والذين لا يشهدون شيئا من الباطل لا شركا، ولا غناء، ولا كذبا ولا غيره، وكلّ ما لزمه اسم الزور، لأن الله عمّ في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر أو عقل” [تفسير الطبري (19/ 314)].

والفعل (شهد) قد يتعدى بالباء وقد يتعدى بنفسه، فإن تعدى بالباء كان معناه أخبر، تقول: شهدت بكذا، أي: أخبرت به. أما قولك: شهدت كذا، أي: حضرت. ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “الغنيمة لمن شهد المعركة”. أي: حضر. وسُميت أعيادهم زوراً؛ لأن الزور يطلق على المموَّه والمحسَّن الذي يظهر بخلاف حقيقته إما لشهوة أو لشبهة. فالشرك ظهر حسنه لشبهة، والغناء ظهر حسنه لشهوة، وأعياد المشركين جمعت بين الشهوة والشبهة [اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 179].

وليس من شكٍّ أنه لا يجوز مشاركة النصارى في أعيادهم والاحتفال بها، وذلك للأدلة التالية:

أولاً: ثبت في سنن أبي داود، عن ابن عمر رضي الله ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم».

فالاحتفال بأعيادهم والمشاركة فيها ينهى عنها بهذا الحديث.

ثانياً: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما. فقال: «ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر» رواه أبو داود واللفظ له وأحمد والنسائي وإسناده على شرط مسلم.

وجه الدلالة: أنهم كانوا يحتفلون بيومين جاهليين فلم يقرهما النبي صلى الله عليه وسلم بل قال: «إن الله قد أبدلكم…».

والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يُجمع بين البدل والمبدل منه. قال تعالى: {فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم} [البقرة: 59]، ولم يجمعوا بين القولين فقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أبدلكم…»، يقتضي ترك الجمع بين أعيادنا وأعيادهم، وقوله: «خيراً منهما»، يقتضي الاعتياط بعيدينا عن أعياد النصارى.

ثالثاً: عن ثابت بن الضحاك قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة -موضع قرب مكة-، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد»؟ قالوا: لا. قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم»؟ قالوا: لا. قال: فأوف بنذرك ؛ فإنه لاوفاء بنذر في معصية الله ولافيما لا يملِك ابن آدم» أخرجه أبو داود وأصله في الصحيحين.

وجه الدلالة من الحديث: دل هذا الحديث على أن الذبح في مكان عيد المشركين معصية لله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لاوفاء لنذر في معصية الله»، ولولا اندراج الصورة المسؤول عنها في هذا العموم لما كان في الكلام ارتباط، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم منزه عن مثل ذلك. وإنما كان معصية حتى لا تُحيا أمثال هذه الأعياد. فإذا كان مجرد الذبح في مكان كان فيه عيد لهم معصية فكيف بمن احتفل معهم أو هنّأهم؟ قال ابن تيمية رحمه الله: “وهذا نهي شديد عن أن يُفعل شيء من أعياد الجاهلية على أي وجه كان” [الاقتضاء 187].

رابعاً: عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكل قوم عيداً وإن عيدنا هذا اليوم – ليوم الأضحى» أخرجاه في الصحيحين.

وجه الدلالة: هذا الحديث يفيد اختصاص كل قوم بعيدهم، كما أن قول الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] يفيد اختصاص كل قوم بشرعتهم ومنهاجهم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «وإن عيدنا هذا اليوم». يعني: لاعيد لنا إلا هذا اليوم، فالتعريف باللام والإضافة يقتضي الاستغراق، وهذه إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى جنس المشروع – العيدين -.

خامساً: عن أُم سلمة رضي الله عنها قالت: ” كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما كان يصوم من الأيام ويقول: «إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم» رواه أحمد والنسائي.

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب مخالفة اليهود والنصارى -لا سيما يوم عيدهم- فهل الذي يحتفل معهم ويهنئهم مقتد بالنبي صلى الله عليه وسلم أم أنه مخالف له؟!! فمن كان متأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم فليبغض مشاركتهم في أعيادهم وليخالفهم فيها.

سادساً: ما رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم”. وفي هذا الأثر: نعتَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه النصارى بالشرك.

سابعاً: ما رواه البيهقي عن عمر رضي الله عنه أيضاً أنه قال: “اجتنبوا أعداء الله في عيدهم” وهذا نهي عن لقائهم والاجتماع بهم فكيف بمن احتفل بعيدهم؟!

نقلان لابن تيمية

قال شيخ الإسلام ابن تيميةـ رحمه الله: “الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع ومن أظهر ما لها من الشعائر فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر وأظهر شعائره، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة ” [الاقتضاء 205 ]. راجع هذه الأدلة وغيرها في اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية [ص 177-197].

وقال رحمه الله: ” وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي للنصراني شيئاً في عيدهم مكافأة لهم، ورآه من تعظيم عيدهم وعوناً لهم على كفرهم، ألا ترى أن لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئاً من مصلحة عيدهم؛ لا لحماً ولا إداماً ولا ثوباً، ولا يعارون دابة، ولا يعاونون على شيء من عيدهم ؛لأن ذلك من تعظيم شركهم ومن عونهم على كفرهم. وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك، وهو قول مالك وغيره ولا أعلم خلافاً فيه”. أ هـ [الاقتضاء 329].

التهنئة بأعيادهم

قال ابن القيم رحمه الله: “فصل في تهنئتهم، بزوجة أو ولد أو قدوم غائب أو عافية أو سلامة من مكروه ونحو ذلك، وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد فأباحها مرة ومنعها أخرى، والكلام فيها كالكلام في التعزية والعيادة ولا فرق بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهال من الألفاظ التي تدل على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم: متعك الله بدينك أو نيحك فيه، أو يقول له: أعزك الله أو أكرمك إلا أن يقول: أكرمك الله بالإسلام وأعزك به ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة. أما التهنئة بشعائر الكفر المختصة بهم فحرام بالاتفاق، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن تهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنَّأ عبداً بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه” [أحكام أهل الذمة 1/441)].

وما ذكره ابن القيم رحمه الله من التهنئة بغير العيد مما لا حرج فيه.

ثم إنهم يحتفلون بميلاد المسيح الذي يعتقدون أنه ابن الله، فكيف يهنؤهم مسلم على ذلك؟!

شبهات تتعلق بالمشاركة والتهنئة بأعيادهم

1/ إن قيل:

أليس النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا؟ فلم لا نشاركهم في أعيادهم؟

والجواب:

قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83] } [المائدة/82-83].

فهؤلاء هم الذين أخبر الله بقرب مودتهم للمؤمنين؛ قوم آمنوا بنبينا صلى الله عليه وسلم.

2/ أليس من البر مشاركتهم في أعيادهم؟ والبر بهم مأمور به.

فالجواب:

البِرُّ بالمسالمين وصية رب العالمين، {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [سورة الممتحنة/8].

ممن صور البر والإحسان إليهم:

إعانتهم، والتصدق على فقيرهم، وعيادة مريضهم، وتعزيتهم بما لا يشتمل على دعاء لميتهم، فكما أنه ليس من البر أن نستغفر لهم، أو أو نشهد بأنهم على حق، أو أن نصلي معهم، أو أن نعلق صلبانهم على صدورنا، فكذلك ليس من البر مشاركتهم في أعيادهم. فالبر أن تحسن إليهم بغير معصية الله.

3/ فإن قيل: لكنهم يهنئوننا بأعيادنا؟

والجواب:

أرأيتم لو استغفر نصراني لميتك فهل ذلك يسوغ لك أن تستغفر لميته؟!!

وكذلك التهنئة بالأعياد، نحسن إليهم، ولا نهنئهم بعيدهم.

4/ أليس قد أباحت الشريعة الزواج بنسائهم، فكيف لا يشارك رجل زوجته في عيدها؟

والجواب:

إنما أباحت الشريعة ذلك لما للرجل من تأثير كبير على زوجه، وهذا مما يسهم في هداية كثير منهن.

فالشريعة أباحت للمسلم أن يتزوج نصرانية لكنها لم تبح له أن يقر لها بصحة معتقدها، ولا أن يصلي صلاتها، ولا أن يحتفل بعيدها، ولا أن يهنأها.

5/ تكلمت عن أعياد المشركين والنصارى ليسوا بمشركين!

والجواب:

بل من المشركين.

وفي حديث أم سلمة آنف الذكر نعتهم نبينا صلى الله عليه وسلم بالإشراك، ونعتهم الفاروق رضي الله عنه بذلك، وفي القرآن الكريم قول العالمين: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة/31].

قال الإمام الطبري مبيِّناً المراد بهؤلاء المشركين :” القائلون: عزير ابن الله، والقائلون: المسيح ابن الله، المتخذون أحبارهم أرباباً من دون الله” [جامع البيان (6/353)] .

عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ». وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}. قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا ِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» رواه الترمذي. وللطبراني والبيهقي: قال عدي: إنَّا لسنا نعبدهم! فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، و يحلون ما حرم الله فتستحلونه»؟ قلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم».

نسأل الله أن يرينا الحق حقا والباطل باطلا.

وصل الله وسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.