arrow down

ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

بقلم فضيلة الشيخ محمد بن أحمد زحل ( رحمه الله تعالى )

القبس الثاني : قوله تعالى : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الآية 14- سورة الملك ).

خلق الله الإنسان مزدوج الطبيعة مركب الكيان، إذ جعله جسما و روحا، صدفا و جوهرا، مادة و معنى، فقوام الجسم منه المادة و القوت، و ما يستلذ من أطايب العيش و ألوان المتعة. و صفاء روحه و إنعاشها بما يرد عليها من أنوار الوحي، و ضياء الهدى تعبدا و ذكرا، و تنافسا في مجال الفلاح و تقديم الخير للغير، فهو كما قال بعض الفضلاء ( حفنة من طين و نفخة من روح الله ) مقتبسا من قول عز وجل ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾ ( 29 سورة الحجر)

ولما يعلم الله من أهمية الإنسان و دوره الفعال في الحياة على هذا الكوكب الأرضي أفاض عليه من ألوان التكريم ما يتميز به عن غيره من المخلوقات، إذ خلقه بيده، و نفخ فيه من روحه ، و أسجد له ملائكته، و خصه بالاستخلاف في الأرض و أمره بعمارتها، و علمه الأسماء كلها، و سخر له ما في السموات و ما في الأرض جميعا منه، ووكل إليه قيادة مواكب الحضارة إلى أن يرث الله الأرض و من عليها.

على هذا دلت آيات القرآن الكريم التي تحدثت عن بزوغ نشأة الخليقة ملهمة مأمورة:

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾" " ( البقرة 29).

﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾" " ( سورة هود 60)

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾ (سورة الجاثية 12)

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾()(الإسراء 70)

و بناء على ما ذكر من ازدواج طبيعة الإنسان بين المادة و الروح فإن الذي أنشأه و سواه، و نفخ فيه من روحه و علم ما يصلحه و ما يصلح له ﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ الذي يعلم فطرته و ما ينزع إليه، العليم الخبير الكبير المتعال، وضع له المنهج الذي يلائمه و يوافقه و يسعده و يحييه و يعلي شأنه ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ﴾ () ( البقرة 37 )- ( طه 121 )

فكان هذا إيذانا من الله و إرشادا منه للإنسان منذ أن أنزله من عليائه، و أسكنه في الأرض أن هذا هو سبيلك للفلاح، و طريقك للسعادة، إن رغبت في عزة نفسك و التماس رضوان ربك، أن تحافظ على عهد الله و ميثاقه، و تلتزم بمنهجه الذي بعث به الهداة من أنبيائه و رسله و هو ما يحقق لك السعادة في الدنيا و في دار البقاء، و لهذا أخفقت المذاهب الوضعية و الفلسفات البشرية و الأديان المحرفة التي عبثت بها أيدي الأكالين للسحت من الأحبار و الرهبان و علماء السوء في إسعاد الإنسان، لأنها إما روحانية محضة، عنيت بالروح و أهملت الجسد، و إما مادية محضة أولت عنايتها للجسد، و أغلقت مقومات الروح فجاء الإسلام الحنيف ديننا العظيم وسطا عدلا لم يهمل أيا منهما، و إنما شرع لمقومات الجسد، ولم يغفل عن أشواق الروح فجاء مستجيبا للفطرة منسجما مع جناحي هذا الكيان البشري العجيب الذي لا يمكن أن ينهض إلا بهذا التصور الشمولي، و صدق الله العظيم إذ يقول : في كتابه المعجز المحكم : ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ( الجاثية 17 ).