arrow down

مجازر النظام السوري وأزمة الضمير العالمي

إنه النظام نفسه الذي قتل ألوفا من مواطنيه في حماة قبل ثلاثين عاماً، وهو النظام نفسه الذي ارتكب مجازر لا يعلمها إلا الله في السجون المكتظة، والدهاليز المظلمة، آخرها مجزرة أظهرت الصور المسربة أن المجرم ماهر الأسد قد تولاها بنفسه إشرافاً وتنفيذاً ضد عُزلٍ مسجونين في سجن تدمر، ليس لهم إلا الله ودعاء منا أن يرحمهم ويتقبلهم في الشهداء.

تاريخ مرعب من المجازر والقتل والتعذيب، وذكريات رسمها هذا النظام في قلب كل فرد من أبناء الشعب الصابر، الشعب الذي بشره الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بأنه ابن أرض مباركة لن يظهر منافقوها على مؤمنيها أبداً.

لكل فرد من أبناء هذا الشعب الصابر رواية تختلف أشخاصها وتتحد مضامينها، من لم ينل نصيبه من الظلم والاستبداد والتعذيب في مملكة آل أسد، فله قريبٌ قد ذاق من ذلك الأمرين، ومن لم يكن له قريب فأحد أبناء ضيعته سيخبره عما لاقى وقاسى، وذلك كاف لبناء مملكة من الرعب والخوف بين أبناء هذا الشعب الصابر.

باختصار هو النظام الوحيد في المنطقة الذي يعادي شعبه، ويستميت في سبيل مقاومته، فهو نظام مقاوم كما يحب أن يعرّف نفسه، وكما يحب أن يَسمع من جوقة المزمرين.

لقرون عدة لم يفهم العالم ماذا يريد النظام من مصطلح المقاومة، فقد كان - وما زال - بعض الصم البكم يظنون أنه أراد مقاومة اليهود الذين لم يطلق نحوهم رصاصة واحدة منذ عقود، ولم يقتل منهم ولا جنديا واحدا، بينما استطاع النظام المقاوم أن يقتل - علنًا - في شهر واحد من أبناء شعبه ما لعله يقارب الخمسمائة.. مقاومة من نوع آخر.

سيكولوجية بشعة تسيطر على هذا النظام، أشبه ما تكون بسيكولوجية مصاصي الدماء، فالدم مصدر بقائهم، والظلام مسرح تحركاتهم، والمشكلة أنهم أحد طرفي القضية.

أما الطرف الثاني فهو الشعب السوري، شعب صبر لعقود طويلة على مر العيش وظلف الحياة، متحملا ظلم الأقربين، وغشم الحاكمين، فهم أبناء بلد واحد، وماضٍ واحد ويتطلعون لمستقبل واحد صبر كثيراً ليس عن ذل وخنوع فهو الشعب الذي بلغت فتوحاته الأندلس غرباً والهند والسند شرقاً.

ولكنه صبر على حد قول الحماسي:

قومي همو قتلوا أُميم أخي

فإذا رميتُُ أصابني سهمي

فلئن عفوتُ لأعفون جللاً

ولئن سطوتُ لأوهنن عظمي

وُعد كثيراً وانتظر طويلاً، ثم قرر أن يضع حداً لهذا الإسفاف والتطامن الذي يعيشه في كل شيء، تطامنٌ سياسي واقتصادي وأخلاقي، وإسفافٌ في جميع جوانب الحياة.

ضاق ذرعاً بكل هذه الأشياء، فخرج ليقول للنظام: كفى، فقد آن لك أن ترحل، وآن لنا أن نعيش حياةً أحسن من هذه، ولأنك ورم خبيث لا بد لنا من استئصالك؛ كي تصح أجسادنا، وتنبت لحومنا.

اختار الشعب منذ البداية إستراتيجيته في التغيير، إستراتيجية يعتمد فيها على تجارب نافعة ومثمرة في تونس ومصر: التظاهر من أجل نيل الحرية، وجعل شعار مظاهراته: سلمية سلمية حتى ننال الحرية، شعار راقٍ كرقيك يا شعبي، كم يشعرني هذا بالفخر والاعتزاز بك.

وهذا هو الطرف الثاني في القضية..

النظام الحاكم ما زال يظن أن هذا الشعب هو نفسه الذي كان يُسام خسفا فيقبل، وهو الشعب نفسه الذي قُتل آباؤه في حماة وجسر الشغور وغيرها، وهو الشعب الذي جُوّع وأذل وأهين، وهو الشعب الذي سيرهبه ويخيفه أزيز الرصاص، وبلطات الشبيحة، لم يستطع النظام أن يفهم بعد أن الشعب قد تغير وأن العالم قد تغير وأن الشاعر الحماسي الذي قال ما قال أولا، قد قال بعد ذلك:

لا تأمننْ قوماً ظلمتهمُ

وبدأتهم بالشتم والرغمِ

إن يأبروا نخلاً لغيرهمُ

والقولُ تحقرةُ وقد ينمي

وزعمتمُ أنْ لا حلوم لنا

إنَّ العصا قرعتْ لذي الحلمِ

نعم، إن الرصاص اليوم أطلق لذي عزم وحلم وشجاعة..

سيستمر الشعب السوري بالتظاهر حتى ينال حريته، ويسقط النظام المجرم، الذي خان وطنه وشعبه، والشعب السوري معروف أنه شعب كريم يسامح كثيراً، ويغفر كثيراً، اللهم إلا شيء واحد لا يستطيع أن يغفره: الخيانة، فالشعب لن يغفر لمن خانه، والذي في أدبيات السوريين: أن الذي يقتل شعبه خائن!..

لن يستطيع الشعب السوري أن ينسحب أو يقف في وسط الطريق، فجسده الزكي مكلوم، ودماؤه الطاهرة عطرت الأرض.. ورياح الحرية قد بدأت تهب عليه.

في المقابل لن يسكت النظام أو ينسحب بسرعة، فآلته المدمرة متعطشة لدماء السوريين، وعناصره مصاصة الدماء تعلم أن وجودها مرتبط بوجوده، فمن هي لولاه، لذلك بقدر الألم الذي عصف بقلبي يوم الجمعة العظيمة لسقوط هذا العدد الكبير من الشهداء إلا أني لم أستغرب هذا الإرهاب والقتل، وكنت أتوقعه في أي لحظة، فالنظام له أدبياته كذلك، أدبيات لا أدب فيها ولا أخلاق، ما هي إلا هجيرى قذرة، وشنشنة نعرفها من أخزم..

الشعب سيتظاهر، والنظام سيقتل، والسؤال أين الضمير العالمي؟

لا أعول على العرب كثيرا فهم مفلسون دائما، ولم يكن لهم دور يذكر في الأحداث العربية التي حصلت مؤخراً، اللهم إلا بعض السلبية، والجامعة العربية ما زلت خرساء، وأمينها العام - وهو جزء من منظومة المحنطين العرب - لم ينبس ببنت شفة، ولم يقل ذا بال، الضمير العربي ميت يا سادة، وعمرو موسى هو الذي ألحده في قبره، والضمير العالمي في إجازة..

عجيب هذا النظام السوري، له خصوصيته الغريبة، فهو النظام الوحيد في المنطقة الذي يتفق عليه الأمريكان واليهود والأتراك والإيرانيون وجماعات المقاومة الفلسطينية، إنه منافق بامتياز، يستطيع أن يجمع بين الطم والرم، والحوت والضب.

السوريون اليوم لا يعولون على غير الله، ولا ينتظرون نصرا إلا منه، كربهم شديد، محنتهم عظيمة، وليس لها من دون الله كاشفة.

ولكن ألا يوجد في العالم أحرار، هل سيبقى العالم متعامياً صاماً أذنيه إزاء القتل الذي في سوريا، متى يستيقظ الضمير العالمي، كم يحتاج العالم أن نهريق من دمائنا على تراب سوريا كي يستيقظ ضميره.

وكم يريد منا أن نقدم قربانا من شبابنا كي ينتبه لنا!

أسئلة كثيرة وأخرى غيرها سنعرف أجوبتها في بحر هذا الأسبوع!..

اللهم انصر شعبي المظلوم وكن له مولى ونصيرا فإنه لا مولى له اليوم إلا أنت..

بقلم

د. أحمد بن فارس السلوم

عضو رابطة علماء المسلمين

الأحد 24 / رجب / 1437هـ

للاشتراك في قناة رابطة علماء المسلمين على التليجرام :

https://telegram.me/rabetaa