arrow down

شهداء الكلمة

بقلم فضيلة د. عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

أثار مقتل الداعية الشيخ عبدالعزيز بن صالح التويجري - رحمه الله تعالى - برصاص ِمسلَّحين وثنيِّين - موتورين أو مدفوعين - قبل نحو أسبوعٍ في إفريقيا ردودَ أفعالٍ واسعةٍ في عموم الأوساط العلميَّة والدعويَّة الإسلاميَّة ؛ فهو أخٌ لنا وشيخٌ داعية ترك خلفه الدنيا ومتاعَها ونذَر نفسَه لهداية أناسٍ لا تربطهم به صلةُ قرابةٍ ولا وشيجةٍ قبليَّةٍ ولا قوميَّةٍ - في بلادٍ بعيدةٍ أنهكَها الظُّلم والجهلُ والجاهليَّة والفقرُ والأمراض - ..
وقد أثنى جماعةٌ ممن يعرفون الشيخَ - رحمه الله تعالى - على فضائله وجهوده فى خدمة الدِّين والدعوة إلى الله - عزَّ وجلَّ - ، وقد كانت جنازته في جامع الراجحي بالرياض شاهدةً له بحشودها الضَّخمة - مدَّ البصر - والتي استمرَّت من العصر إلى المغرب ، وشملت جميعَ أنواع النَّاس على مختلف درجات التزامهم وتديُّنهم ؛ فكان ذلك اعترافًا ضمنيًّا ومحبَّةً عاليةً للدُّعاة إلى الله - عزَّ وجلَّ - عمومًا وللشيخ خصوصًا .. ورحم اللهُ الإمامَ أحمد حيث اشتهر عنه قوله لأهل البدع : بيننا وبينكم الجنائز .
ولم يكن الشيخ - رحمه الله تعالى - أوَّل شهيد للدعوة إلى الله تعالى ؛ فالدعاة الشهداء في أفريقيا وعموم الأرض كثيرون , فبالأمس قُتل الإمام الخامس عشر من أئمَّة وخطباء مساجد عدن الشيخ عارف الصبيحي -رحمه الله - وكلُّهم قُتِل في طريقه إلى الصلاة فجرًا أو عشاءً دون أن تبدي ( الشرعيَّة ) أي اهتمام بهذا الخَطب الجلل , والذي يستهدف المصلحين ضمن مخطَّط يهدف إلى تجفيف منابع التديُّن في المنطقة , فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون " وما كان للمؤمنين من ذنب عندهم ولا ثأر : ﴿ وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .. فهذه جريمتهم أنَّهم آمنوا بالله ، العزيز : القادر على ما يريد ، الحميد : المستحقِّ للحمد في كلِّ حال " [ الظلال / سورة البروج] " كذلك تنتهي رواية الحادث وقد ملأت القلبَ بالروعة . روعة الإيمان المستعلي على الفتنة ، والعقيدة المنتصرة على الحياة ، والانطلاق المتجرِّد من أوهاق الجسم وجاذبية الأرض . فقد كان في مَكَنة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم . ولكن كم كانوا يَخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة ؟ وكم كانت البشريَّة كلُّها تخسر ؟ كم كانوا يخسرون وهم يَقْتُلون هذا المعنى الكبير : معنى زهادةِ الحياة بلا عقيدة ، وبشاعتها بلا حريَّة ، وانحطاطها حين يسيطر الطُّغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد ! إنَّه معنى كريم جدًّا ومعنى كبير جدًّا هذا الذي ربحوه وهم بعدُ في الأرض . ربحوه وهم يجدون مسَّ النَّار فتحترق أجسادهم ، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكِّيه النَّار؟ وبعد ذلك لهم عند ربِّهم حساب، ولأعدائهم الطاغين حساب .. يُعَقِّب به السياق .. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ ﴾ .." [الظلال /سورة البروج] , " كلُّ النَّاس يموتون وتختلف الأسباب , ولكن ليس كلُّ الناس ينتصر هذا الانتصار .. وإنَّما هو اختيار الله لفئةٍ من خلقِه لتشارك الناس في الموت وتنفرد دون الناس في المجد , المجد في الملإ الأعلى , والمجد في دنيا الناس .." نسأل الله - عزَّ وجلَّ - أن يتقبَّلهم في الشهداء ..
وأخبار مقتل إخواننا هؤلاء تذكِّرنا بواجب الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ - الذي قصَّر فيه عموم المسلمين وطلبة العلم والعلماء - ، وأنَّ لنا إخوة ما زالوا صابرين صامدين للقيام بهذا الواجب تاركين خلفَهم متاع الدنيا الزائل ؛ قدوتهم في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي واجهَ عُتاةَ الطواغيت في المشرق والمغرب معرضًا عن الدنيا ومتاعها ؛ ممتثلًا قول الله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ المائدة/67. قال جلال الدَّين السيوطي في تفسيرها : ﴿ يَاأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغ ﴾ جميعَ ﴿ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ﴾ ولا تَكْتُمْ شيئًا منه , خوفًا أن تُنال بمكروهٍ ﴿وَإِن لَّم تَفعَل﴾ أي : لم تبلِّغ جميعَ ما أُنْزِلَ إليك ﴿فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهۥ﴾ بالإفراد والجمع , لأنَّ كتمانَ بعضِها كَكِتْمان كلِّها ﴿وَاللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أن يقتلوك ، وكان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُحرَس حتى نَزَلت , فقال : « انصَرِفُوا فَقَد عَصَمَنِي اللهُ » رواه الحاكم [في المستدرك (3221) وأخرجه الترمذي (3046) وغيرهما من حديث عائشة رضي الله
ى التنعُّم في المباحات فيصير التنعم مألوفًا ، وربما يشتدُّ أُنسُه بالمال ويعجز عن كسب الحلال فيقتحم في الشُّبهات مع أنَّها ملهية عن ذكر الله تعالى ، وهذه لا ينفكُّ عنها أحد .
وأما الجاه فكفى به إفسادًا أنَّ المال يُبذَل للجاه ولا يُبذَل الجاه للمال ، وهو الشِّرك الخفي ؛ فيخوض في المراءاة والمداهنة والنِّفاق وسائر الأخلاق الذميمة فهو أفسد وأفسد .اهـ مرقاة المفاتيح (15/ 75) .
وقد صنَّف الحافظ ابن رجب رسالةً في شرح هذا الحديث يجدر الاعتناء بها فهمًا وتدبُّرًا ..

ولم يكن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يخشى على أمَّته الفقر؛ ففي حديث عمرو بن عوف الأنصاري مرفوعًا : ... فواللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم ، ولكن أخشى أن تُبْسَط الدنيا عليكم كما بُسِطَت على مَن كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتُهْلِكَكم كما أهلكتهم . رواه البخاري (3158) ومسلم (2961) .

رحم اللهُ إخوانًا لنا سبقونا إلى الخيرات والمعالي وألحقَنا بهم في جنَّات النَّعيم ..
عنها , وحسَّنه الألباني في الصحيحة (2489) ] ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهدِي القَومَ الكَافِرِينَ﴾ .
وقوله " ما " من قوله تعالى: ﴿ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ موصولة بمعنى الَّذي , فهي صيغة عموم تعمُّ جميعَ ما أُنزِل .. فتبليغ بعض ما أُنزِل من الله دونَ بعضه ؛ هو تشويهٌ للدِّين وللعدل المطلَق الذي أُنزِل من عند الله , ولذلك كان هذا المسلك بمثابة عدم تبليغ الدِّين بالكليَّة .
يصف عمر - رضي الله عنه - بيتَ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عندما دخل عليه يومًا ؛ يقول : ... وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ ، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ ؛ فَبَكَيْتُ . فَقَالَ : مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ . فَقَالَ : أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ ؟ رواه البخاري (4913) ومسلم (1479).
وفي رواية : فَقَالَ : أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي . رواه البخاري (2468) ومسلم (1479).
قال الحافظ ابن حجر :
" قوله : فقلت : يا رسول الله استغفر لي . أي عن جراءتي بهذا القول بحضرتك ، أو عن اعتقادي أنَّ التجمُّلات الدنيويَّة مرغوب فيها ، أو عن إرادتي ما فيه مشابهة الكفَّار في ملابسهم ومعايشهم .اهـ فتح الباري (9/289) .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّه قال : خرج رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشَّعير . رواه البخاري (5414) .
وخبز الشعير كان من أقلِّ ما يمكن أن يقتات به بنو آدم في عهد النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولعلَّ ذلك مستمرًّا إلى يومنا هذا - فالشَّعير ما زال مِن أرخص الحبوب ثمنًا - .

والأحاديث في هذا الباب كثيرة ؛ تُبَيِّن ما ينبغي أن يكون عليه الدعاة إلى الله - عزَّ وجلَّ - من نبذٍ للدنيا والتقلُّل منها ليتوفَّر الجهد لما هُم بصدده من واجب الدَّعوة والبلاغ ..

إنَّ الذي نتحدَّث عنه هو قدوة الدُّعاة - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو أشرفُ وأجلُّ وأعظمُ مَن وطِئَ الثَّرى .. إنَّه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ، ورغم كلِّ هذا الشَّرف والرِّفعة فقد كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - زاهدًا في الدنيا مترفِّعًا عنها لعلمِه بحقيقتها ؛ والذي نحن بصدده الآن ليس مجرَّد زهدٍ - فحسب - نمتدح به نبيَّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - بل هو منظومة حياة عاشها - صلَّى الله عليه وسلَّم - على أكمل الوجوه وأرقاها وأرضاها لله عزَّ وجلَّ ..
ولم يكن أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليسلموه للجوع والعوز ؛ قال النَّووي :
وكان أهل اليسار من المهاجرين والأنصار - رضي الله عنهم - مع برِّهم له - صلَّى الله عليه وسلَّم - وإكرامهم إيَّاه وإتحافه بالطرف وغيرهما ربما لم يعرفوا حاجته فى بعض الأحيان لكونهم لايعرفون فراغَ ما كان عنده من القوت بإيثاره به ، ومَن عَلِم ذلك منهم ربَّما كان ضيِّق الحال فى ذلك الوقت كما جرى لصاحبَيه ولايُعْلَم أحدٌ مِن الصَّحابة عَلِمَ حاجةَ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو متمكِّن من إزالتها إلا بادر إلى إزالتها ؛ لكن كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يكتمها عنهم إيثارًا لتحمُّل المشاق وحملًا عنهم ...اهـ شرح مسلم (13/211) .

فهذا تذكير لأنفسنا وإخواننا من أهل العلم وطلبته وعموم الدعاة إلى الله - عزَّ وجلَّ - بما كان من صفة رسول الله - صلَّى اللهُ عليه وسلم - وأصحابه وما كان ملازمًا له في زمن البلاغ ؛ ليكون ذلك عونًا لنا على الاستمرار في تبليغ الرسالة ، وأداء الأمانة التي في أعناقنا تجاه هذا الدِّين ، ولكمال الاقتداء به - صلَّى الله عليه وسلَّم - إن تعرَّضنا لشيءٍ من ذلك في أيِّ مرحلةٍ مِن مراحل الحياة ..

ومحبَّة المال والرفعة في الدنيا والاستكثار منها من أكثر ما يُفْسِد على العبد دينَه ، ويصرفه عن القيام بواجباته ؛ فعن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه . رواه الترمذي (2376) وغيره ، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (5620) .

قال الملَّا علي القاري - نقلًا عن الطَّـــيِّبي -:
ومعناه : ليس ذئبان جائعان أُرْسِلا في جماعةٍ من جنس الغنَم بأشدِّ إفسادًا لتلك الغنَم من حرص المرء على المال والجاه ؛ فإنَّ إفساده لدين ِالمرء أشدُّ من إفساد الذئبَين الجائعَين لجماعةٍ من الغنَم إذا أُرسِلا فيها .
أما المال فإفساده أنَّه نوعٌ من القدرة يحرِّك داعية الشهوات .