arrow down

رسالة من خبيب بن عدي

بقلم فضيلة د. محمد رجب محمد ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم نفرا من أصحابه عينا، فاجتمع عليهم بعض المشركين من هذيل، وجرت أحداث انتهت بأسر خُبيب بن عدي وزيد بن الدثنة رضي الله عنهما، ثم بيعِ خبيب في مكةَ إلى أبناء الحارث بن عمرو، وكان خُبيب قد قتل الحارث يوم بدر فأسروه عندهم وأجمعوا على قتله، فاستعار خبيب من إبنة للحارث موساً ليستحدَّ به، فأعارته، فدرج بنيٌّ لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسَه على فخذه والموس بيده، قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب، فقال: "أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك". ما أجمل تلك المقالة! وما أعمقها! وما أوفاها! إن تلك الكلمات على قلتها لتجسد مقاصد التربية النبوية، وتنبئ عن أغراض الدعوة، دفعةً واحدة، صادقة واضحة في غير خفاء. إن مقالة خبيب لتلك المرأة تشمل خطاب فريقين من الناس، لم يختص بهما زمن المقالة، بل ما زالا موجودين في كل زمان، وما أظهرهما الآن. إنه خطاب إلى فريق أول يقف خصما لأهل الدين، يتوقع منهم كل شر وسوء، تعرف في وجوههم الفزع كما عرفه خبيب إذا ما ذهب إلى أهل الدين خاصة لهم، وصارت بين أيديهم فتمكنوا منها، كما تمكن خبيب من بُني تلك المرأة. إنه خطاب يكشف بوضوح ما يدور في نفوس هؤلاء الناس من اتهام أهل الدين، وهم في داعية ذلك متفاوتون، فأكثرهم يظنون أهل الدين أرباب كهانة تنتهب من الدنيا ولو لعاعة، وتجوِّز لهم كل وسيلة مستطاعة، وذلك منهم حملا على معهودهم، ونسجا على منوال احترفوا النساجة عليه، من نِقض غزل البسطاء والساذجين، وقلة فيهم ما حرفوا أو ما عرفوا، لكنهم يرون أهل الدين كجلمود صخر حطه السيل من علٍ شدة وهول في غير رحمة، وجمود بلا روح أو حياة، لا يتجاوز أهل الدين عندهم أغراضا دنية، أو حظوظا مادية، لا يبالون فيها بفضيلة أو جَنان. جاء كل ذلك من وراء مقالة خبيب بينا، يشي به سؤاله: أتخشين أن أقتله؟! ثم فريق ثان هم أهل الدين والإسلام، خاصة المتحققين منهم بأوامره والملتزمين فيهم بشرعه، إنهم الآن أشد احتياجا إلى ذلك الجواب، الذي رفعه خبيب علما على تلك الطائفة وذلك الفريق: "ما كنت لأفعل ذلك". إنهم الآن مخاطبون بما في تلك المقالة، مطالبون بما يصدقها من الخصال والأفعال، من التحقق بأوامر هذا الدين، حتى نكون حقا من المتدينين، فيحصل ذلك النفي التام لتصور هذا الاتهام، أو حتى اقتراح نسبته إليهم. إن ذلك يعني التخلق بما يعكس على الظاهر التأمين والضمان، والبراءة من السوء، والغفلة عن الشر؛ فكما أن ذلك سمت الدين والإيمان فهو كذلك طلب المؤالفة عليه، وقصد الدعوة إليه، خاصة في زمان قصَّر فيه أهل الدين، فلم يحسنوا التعريف بأنفسهم، ولم يرفعوا جهل الآخرين بهم، كحال ذلك الزمان، فما أحوجنا إلى أن نسمِع الآخرين مقالة خبيب! وما أحوجهم إلى أن يجدوا تصديقها فينا!!