arrow down

جيل التأسيس
بقلم فضيلة أ.د. حسن بن محمد شبالة ( عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين )

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل وأن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا إنه سميع مجيب.

أيها الأحباب! هذا الموضوع ربما يطرح في عدة أسماء فالبعض قد يسميه (مواصفات جيل التأسيس) والبعض قد يسميه (صفات القاعدة الصلبة التي تحمل القاعدة الجماهيرية في الدعوة إلى الله) فتسميته اجتهادية ولكني أميل إلى الأول؛ لأنه أسهل وأبعد عن التشويش خاصة في هذه المرحلة المعاصرة.

جيل التأسيس هو ذلك الجيل الذي لا بد أن يعطى مزيداً من العناية التربوية من أجل أن يكون هو القاعدة التي تحتضن غيرها.

ولنا في تجربة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته الأسوة والقدوة فمنه نقتدي وبه نتأسى؛ لأنه صلى الله عليه وسلم شهد له الأعداء قبل الأصدقاء بالعبقرية الفذة في التربية والإعداد، والتأهيل والتكوين والتأسيس ولقد كان صلى الله عليه وسلم صاحب المنهج التربوي الأعظم. الذي اجتمعت فيه المواصفات التربوية الكاملة، ذلك لأنه مؤيد من ربه سبحانه ورباه ربه فأحسن تربيته وكان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم. ولهذا فمن أراد أن يبلغ في التربية منتهاها، فلا بد أن يتأسى به صلى الله عليه وسلم ولا بد أن ينظر إلى وسائله التربوية وكيف نفذها في أصحابه -رضي الله عنهم-.

والمتتبع لسيرته صلى الله عليه وسلم والمراحل التربوية التي أمضاها مع أصحابه الكرام رضي الله عنهم وخاصة في فترات التأسيس الأولى، يجد مجموعة من العوامل والأسس المهمة في هذا الباب.

ويمكن أن نشير إشارة إلى هذه العوامل والأسس التي كان لها الدور البارز في إيجاد ذلك الجيل جيل التأسيس أو القاعدة الصلبة التي كانت الأساس في نشر الدعوة وحمايتها فيما بعد وهذه الأسس يمكن أن نذكرها بإيجاز ونتطرق إلى تحليل بعضها بحسب الوقت:

1- عظمة المبادئ التي قامت عليها وقام عليها جيل التأسيس فالمبادئ يكفي في عظمتها أنها تقوم على التوحيد، والتوحيد هو الذي أنشأها بل أنشأ هذه الأمة كلها، وأخرجها إلى الوجود بهذا الاسم المؤثر (أمة التوحيد) والتوحيد كمبدأ عظيم يفعل في النفوس أفعالاً عظيمة ويؤثر تأثيرات بالغة، وقد ضرب بعضهم مثالاً لتأثير التوحيد في النفوس إذا خالط بشاشة القلوب، مثالاً حسياً يراه من يفعله: ألا ترى قطعة الحديد إذا مر عليه تيار مغناطيسي أو تيار كهربائي ماذا يحدث لهذه القطعة؟ يقول علماء الفيزياء: إنما يحدث لهذه القطعة الحديدية من مرور هذا التيار الكهربائي أو المغناطيسي أن يوجد فيها نظام لذراتها مرتب بعد أن كانت الذرات متباينة مختلفة ويوجد فيها تغيرات لهذه الذرات الداخلية للقطعة، مما يجعلها تصل التيار الكهربائي أو المغناطيسي إلى غيرها. هذا من الناحية الحسية وهو مثال يبين لك أن الذرات كانت لا تتحرك وأنه مع مرور التيار الكهربائي أو المغناطيسي أصبحت شيئاً آخر مع أن ذلك الشيء الحسي لم تراه من قبل لكنه أثر في جوهرها أثر في ذراتها أثر في تركيب تلك الذرات على نسق معين.

هكذا يفعل التوحيد في نفوس البشر حين يخالطها بشاشة الإيمان حين تتعرف على التوحيد حين تؤمن بلا إله إلا الله الإيمان الصحيح الذي يؤثر على ذراتها وجزئياتها، وهذا واضح جداً من تلك المبادئ العظيمة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيها ويمنحها لأصحابه الذين تأثروا فيها أيما تأثير.

وأنت على دراية واطلاع على تلك القصص والسير لكثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان يتحول الواحد منهم من مشرك عدو لدود إلى مجاهد مدافع باذل مضحي من أجل الإسلام والمسلمين وهذا أمر مشاهد ومحسوس في الجيل الأول.

2- عظمة المربي صلى الله عليه وسلم وهذا شيء آخر تقوم عليه القاعدة الصلبة أو ينبني عليه جيل التأسيس ألا وهو شخصية المربي وهو صلى الله عليه وسلم إمام المتقين وأعظم المربين بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم فقد كانت شخصيته جامعة، جمعت ما تفرق من شخصيات الأنبياء والمرسلين من قبله. أضف إلى ذلك ما أعطاه الله من خصائص وميزات لم يعطها أحداً من قبله، وهي خصائص الرسول الأعظم إذن إذا كانت الخصائص في جميع الأنبياء والرسل قد جمعت فيه ثم أعطاه الله خصائص أخرى لم يعطها أحداً من قبله فهذا يدل على عظمة شخصيته صلى الله عليه وسلم فإذا نظرت إلى عظمة المبادئ وعظمة المربي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك يعطيك دلالة واضحة على قوة الأسس والعوامل التي أثرت في الأشخاص الذين يستمعون ويتلقون التربية على يديه صلى الله عليه وسلم كانوا يتربون على يديه صلى الله عليه وسلم والذين حملوا إلى من بعدهم تلك التربية فإذا أضفت شيئاً آخر من طبيعة الناس الذين يعيشون تلك المرحلة وهي ما يسميها علماء التربية بسلامة الفطرة.

3- سلامة الفطرة كانت عاملاً من عوامل جيل التأسيس: ومن العوامل المساعدة التي أثرت في تكوين جيل التأسيس والقاعدة الصلبة الأولى، سلامة الفطرة، للأشخاص الذين أثرت فيهم تلك التربية وتلك الشخصية العظيمة الجامعة لجميع خصال الخير نعم لقد كانت الجاهلية الأولى قد أفسدت كل شيء في الوجود أفسدته ظاهراً ولكن هذا الإفساد كان بمثابة تلك القشرة الفاسدة التي غطت على تلك النفوس فإذا زالت تلك القشرة تلألأت تلك الجوهرة ثم عادت من جديد للتأثر والتأثير.

لقد كانت الجاهلية الأولى قد أفسدت كل شيء في نفوس العرب المشركين ولكنه فساد في القشرة لم يتغلغل إلى صميم الفطرة إلا في الأحوال النادرة، وهذا ملحوظ من خلال دراسة أحوال الجاهليين، ويمكن ضرب الأمثلة على ذلك بمسألة الزنا وهو نوع أفسدته الجاهلية في العرب آنذاك لكن بقت هناك أسر لم ترتكبه كما في الحديث: «وهل تزني الحرة».

وبقيت هناك مجموعة من الأخلاق ومجموعة من القيم لم تغيرها الجاهلية وحتى الفساد العام كما قال البعض لم يتغلغل كلياً في كل الناس ولهذا القليل بعد ما وضح له الحق واتضح له السبيل هو الذي مات على كفره بعد أن ذهبت جميع الحواجز عنه، ولذلك ما إن جاء الإسلام بذلك المبدأ العظيم وتلك الشخصية العظيمة التي أثرت في الناس فأزالت الفساد من القشرة حتى وجدت تلك الفطرة العظيمة السليمة التي تأثرت تأثراً بالغاً بتلك التربية وكانت أحد مواصفات جيل التأسيس الأول، لذلك كان يتحول المسلم بين عشية وضحاها من مشرك عاتي إلى مطيع مجيب مصدق، وذلك كله يدلنا على استعداد تلك الفطرة السليمة للانتقال من حال إلى حال، بل من بلده إلى غير بلده الذي نشأ وترعرع فيه إلى بلد آخر فهذا يدلك على سلامة الفطرة عند أولئك الناس.

أضف إلى ذلك الحالة التي كانوا يعيشونها تؤهلهم للانتقال من مكان إلى مكان ومن فكر إلى فكر؛ لأنهم هم أصحاب الصحراء والبدو الرحل.

هذه ثلاثة أسس ويبقى معنا عامل من أهم العوامل التي هي لازمة في جيل التأسيس وهو يختلف باختلاف في الأحوال ويختلف باختلاف المربين إنه:

دور التربية:

دور التربية التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم التربية الشاملة، أليس التربية مطلوبة لضبط النفس وهو حبسها من انفعالاتها فحسب، وإن كان هذا من أسسها ولكنها أيضاً مطلوبة لمستويات أخرى من السلوك والقيم.

ولو تركت النفوس بدون تربية ولا رعاية ولا تعهد فإنها تصبح ضعيفة لا تقوى على مقاومة الضغط مما يجعلها تتساقط بين الحين والآخر وتستسلم ويظهر عند ذلك فسادها.

ودور التربية بارز مرة أخرى في أهمية اكتساب النفس للصلابة والقوة في مواجهة الضغوط، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي أنواع من الأساليب لحماية هذا الجيل الذي هو جيل التأسيس من التأثر بغيره من المحدثات أو بمن حوله من المناهج والأفكار الوافدة وهذا يعني أننا بحاجة ماسة في هذا العصر لدراسة مثل تلك الوسائل لحماية هذا الجيل وتلك القاعدة ولنضرب على ذلك مثالاً:

الجميع يعرف عمر رضي الله عنه من خلال سيرته وفضائله وقوة حجته وفضائله كثيرة يكفي أنه الفاروق الذي فرق بين الحق والباطل وما كان ينزل وادياً إلا هرب الشيطان وادياً آخر فزعاً منه رضي الله عنه، ومع هذا فإنه في إطار حماية جيل التأسيس من التأثر الخارج للأفكار والمذاهب الأخرى أثناء التربية والتأسيس فإن النبي صلى الله عليه وسلم رآه ذات يوم وهو يطالع في صحيفة من صحف التوراة -من صحف أهل الكتاب- فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم غضب عليه وقال: «أوفي شك فيها يا ابن الخطاب والله لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي».

ونحن نعرف أن كتب بني إسرائيل على ثلاثة أقسام قسم موافق لما عندنا وقسم معارض لما عندنا وقسم لا موافق ولا معارض والذي أتوقعه وإن كنا لم نجد نصاً في ذلك أتوقع تحليلاً أن الصحيفة التي كان يطالعها عمر من القسمين الأولين إما الموافق وإما الذي لا يوافق ولا يخالف عندنا وهو المسكوت عنه.

أما المعارض فحري بعمر أن لا يقرؤه ولا يطالع فيه ولكن مع هذا كله فإن موقف النبي صلى الله عليه وسلم كان موقفاً حازماً وجاداً لحماية الأفراد أثناء التأسيس من أي تأثيرات أخرى خارج المنهج وهو ما يسميه علماء التربية اليوم (بأحادية المصدر) مع الاتفاق على مصدر التلقي هذه بعض الأمثلة بل هذا مثال يبين لنا ذلك الدور الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم به من حيث التربية أو من حيث الحماية والمحافظة للأفراد أثناء مرورهم بفترة التأسيس ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى لرسوله في تلك الفترة: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الزخرف:43] على هذا فدور التربية مطلوب في جيل التأسيس وإيجاد القاعدة الصلبة لحمل الدعوة كما أنه مطلوب على مر المراحل والأدوار، وإن كان يختلف كماً وكيفاً من مرحلة إلى مرحلة إلا أنه مطلوب ومؤكد ولا بد منه ولهذا كما ذكرت لكم كان هناك حرص من النبي صلى الله عليه وسلم على التربية ثم أيضاً على الحماية وبعد أن وصل الجيل من الفهم والإدراك وقوة الصلابة والفهم آنذاك قال حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج وسمح لهم بعد تلك الفترة على الاطلاع على ما عند القوم من أفكار ومعلومات بعد أن وصلوا إلى مرحلة تجاوزت مرحلة جيل التأسيس وهذا الموضوع في الحقيقة هو الذي يجب أن يركز عليه في هذا العصر وقد يقول قائل معظم المبادئ موجودة اليوم بين أيدينا فالتوحيد هو التوحيد والسنة هي السنة والمفاهيم والمناهج التي ربى النبي صلى الله عليه وسلم عليها أصحابه هي موجودة ومدونة بين أيدينا ولكن يبقى معنا شيء مهم جداً ربما لا نستطيع إيجاده مثل ما كان آنذاك وإن كان لا بد من المقاربة والتأسي في ذلك ألا وهو شخصية المربي صلى الله عليه وسلم فإن الوحي قد انقطع وكل من أتى بعد النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يبلغ درجته في التأثير والتربية ولكنه التأسي والاقتداء فلا بد من المقاربة والتسديد في هذا كله.

أما دور التربية فإنه باق وموجود ويحتاج الإنسان إلى أن يبذل جهده في ذلك مسترشد ومستعين بالطرق التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وربى أصحابه في الجيل الأول عليها.

وهذا أمر يحتاج إلى مزيد من العناية فإن التربية لا تنتهي عند هذا الحد ولا عند هذا المستوى بل لا بد من الاستمرار فيها وأن تصل إلى مرحلة أعظم مما هي عليه فإن النفس قد تتربى على الاستقامة وفهم المبادئ والتصورات ولكنها بحاجة إلى دفع لتصل إلى مرحلة مجاهدة الباطل والوقوف في وجهة هذا الأمر يحتاج إلى تربية طويلة.

ويحتاج إلى مزيد من تعميق الإيمان بالله سبحانه وتعالى واليوم الآخر في النفوس والتذكير الدائم بالله جل وعلا.

وإذا نظرنا إلى تلك القاعدة وذلك الجيل الأول الذي رباه النبي صلى الله عليه وسلم فلسائل أن يسأل ويقول لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبذل ذلك الجهد الضخم في التربية فلماذا كان يبذله؟ ولأي هدف يريد أن يصل بالمتربين عليه؟ هل لمجرد إيجاد أشخاص مؤمنين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويقومون بالعبادة على أكمل وجه أم أنه مع هذا يريد أن يصل بهم إلى هدف أكبر من هذا كله؟

كان صلى الله عليه وسلم يريد من تلك التربية ومن ذلك الدور الذي يبذله ومن تلك الوسائل يريد أن يصل بأولئك الأفراد إلى إيجاد جماعة مؤمنة تؤمن بالله واليوم الآخر وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتقيم العبادات وما أمره الله وأيضاً لتدافع وتواجه وهذه مرحلة أخرى من مراحل التربية للجيل الأول وللقاعدة الصلبة الأولى. ولقد كانت هذه القاعدة الصلبة بهذه التربية وبتلك الأهداف وبهذه المفاهيم والتصورات هي القاعدة التي تجمع حولها المسلمين أو قل تجمعت بعدها حينئذ القاعدة الجماهيرية الكبرى التي نشرت الدعوة وبينت للناس هذا الدين في الأقطار كلها.

وهذا لم يكن يأتي من فراغ بل كان يمشي خطوة خطوة على التربية الجادة وحمل الأمانة والأخذ بالوسائل التي ترفع الشخص شيئاً فشيئاً وتنمي إيمانه، وتجعله يشعر بأنه عضو من مجتمع يسير على هذا الهدف وإلى تلك الغاية فهذا أمر ملاحظ في كل من اطلع ودرس في تربية النبي صلى الله عليه وسلم واليوم تأتي الغربة الثانية للإسلام الذي قال صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ» فهي غربة مثل الغربة الأولى بل نقول أن دور التربية ودور جيل التأسيس وتربيته ومواصفاته في هذا العصر ربما يحتاج إلى مزيد عناية للأسباب التالية:

1 - لأن المربي الأعظم صلى الله عليه وسلم غير موجود بين أفراد هذا الجيل وإن كانت سُنَتُه ومبادئه موجودة لكن التأثير العظيم منه على الأفراد لا يوجد إلا الشيء النزير في كل المربين الذين أتوا من بعده لعدم اكتمال شخصيتهم التربوية ولعدم عصمتهم وكمال تربيتهم.

2- فساد الفطرة: قلنا في عوامل الجيل الأول أن من أبرز العوامل في التربية آنذاك سلامة الفطرة وأن القشرة هي التي فسدت ولم يتغلغل الفساد كلياً إلى سائر الفطر.

أما اليوم فيوجد تغلغل في الفساد في كثير من فطر الناس مما زاد العبء الثقيل على المربين لمزيد عنايةٍ وتربيةٍ في هذا العصر. وهذا يعني أننا يجب أن نكون صادقين في أمنياتنا وأهدافنا وإن كنا نطمع أن توجد القاعدة الصلبة أو جيل التأسيس بمثل ما وجد به الجيل الأول لكن للأسباب السابقة لا نطمع اليوم في إنشاء أو إيجاد ذلك الجيل كما أنشأه وأوجده النبي صلى الله عليه وسلم سواء للقاعدة الصلبة أو القاعدة الجماهيرية. إلا أنه لا بد من التشابه في جزئيات أو كليات من ذلك البناء؛ لأنه لا بد من بناء وهذا البناء قد يتعرض لمزيد من المعاناة وهذا يعني أن نتعرف بمزيد عناية على المواصفات التي ينبغي أن توجد في أجيال التأسيس الأولى لكل الدعوات التي تقوم على هذا المنهج، فهل يصلح أن ينتمي إلى جيل التأسيس أو يكون عضواً في قاعدة صلبة تحمل من بعدها أي إنسان مجزأ انتمائه إلى الإسلام مجرد أن يقول إنه من المؤمنين بالله واليوم الآخر ويقيم الصلاة، أما أنه لا بد من مزيد وصف على هذا الوصف الذي ذكر إلى أي مدى الإيمان وتأثيرات الإيمان والالتزام في نفسيات ذلك الشخص إلى أي درجة يجب أن يكون عليها ذلك المؤمن من الوعي والبذل والتضحية ليكون واحد من الملتحقين بجيل التأسيس.

أيصلح وحاله كما قال الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:10] لا يصلح مثله لتحمل البناء فضلاً أن يكون واحداً من أعمدته هل يصلح للبناء من عنده هذه الأمور ولكنه سرعان ما يفتتن في الخير أو في الشر بل فتنة الخير في هذا العصر أعظم من فتنة الشر {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35] وهنا أمران مهمان يجب أن ننتبه لهما أثناء الحديث عن مواصفات جيل التأسيس وحماية ذلك الجيل أمران مهمان:

الأمر الأول: وهو حري بالنظر والمتابعة أن ينظر الإنسان في كثير من المواصفات بل في كثير من الأمراض التي وقعت فيها الجاهلية العانية المحيطة بالإسلام، سنجد أن كثير من هذه الأمور ربما نفذت إلى الأشخاص المتأثرين بالدعوة بل ربما أصيب بها بعض من أفراد جيل التأسيس من التأثر بالبنية والحل لهذا لا بد أولاً أن نقول التجرد لله سبحانه وتعالى وهذه صفة عظيمة بل هذا حال لا يمكن أن يصل إليه إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى فإن من مداخل الشيطان إلى النفس فتنة الذات، فتنة "الأنا" حين يكون الإنسان جندياً من جنود الدعوة ربما لا تظهر عليه هذه الفتنة واضحة وجلية لكنه ما أن يكون واحد ممن تشار إليه البنان ويكون قد وصل إلى مراحل متقدمة من الدعوة فإنه سرعان ما يصاب بهذا وتصبح القضية كما هو مشاهد اليوم بين الكثير من العاملين في الساحة فتنة في عنفوانها يتهيأ لها الإنسان حين يصل إلى مراكز القيادة أو مراكز الزعامة فتختلط المصالح الشخصية بالمصالح الدعوية فتصبح الدعوة هي شخصه وذاته هي الدعوة فمن طعن في ذاته فقد طعن في الدعوة، ومن طعن في شخصه فقد طعن في الدعوة وتتحول المعركة إلى فتنة عظيمة هي فتنة الذات، أو فتنة "الأنا" حتى أنك تجد كثير من الناس يقول أنا ممثل الدعوة: وأنا الذي تتوفر فيه صفات الدعوة والقيادة فإن طعن في شخصه طعن في الدعوة وهكذا يدخل الشيطان من هذه المسالك وهذا كله نتاج عن عدم التجرد لله سبحانه وتعالى، لهذا فإننا نقول أن من أهم المواصفات التي ينبغي أن يركز عليها في جيل التأسيس ربط الناس بالله وتجرد الناس بأعمالهم لله وحده، أنت جندي عامل في هذه الدعوة وإن كان هذا ربما يكون يسيراً في مراحلك الأولى لكنه من الصعوبة بمكان حينما تتقدم أكثر وأكثر.

ولو قرأتم في تاريخ العمل الإسلامي لوجدتم أن هذا السبب أو هذه الآفة العظيمة هي تلك الآفة التي فرقت كثيراً من الأعمال والدعوات والجماعات وجعلتهم يتناحرون ويتقاطعون فيما بينهم آفة عظيمة أصيبت بها النفوس -ولكن في المراحل المتقدمة من الدعوة- ولهذا يجب أن نكون متجردين لله سبحانه وتعالى سواء كان النقد لأشخاصنا أو لذاتنا أو لتصرفاتنا.

ويضرب هنا مثل أو أمثلة لشخصٍ أو لفرد من جيل التأسيس لكنه جيل عمر في مثال سابق ونضرب به هذا المثال قام يوماً عمر على المنبر وهو خليفة وقال: يا أيها الناس اسمعوا وأطيعوا وقال له سلمان الفارسي رضي الله عنه لا سمع لك ولا طاعة اليوم علينا قال له عمر ولمه؟ قال: حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد وأنت رجل طويل لا يكفيك برداً واحداً كما لنا بقية المسلمين يعني أن سلمان رأى بردين على عمر واحداً ائتزر به وواحداً ارتدى به فنادى عمر عبد الله وقال أنشدك الله هذا البرد الذي ائتزرت به أهو بردك قال: نعم وبردي أعطيته لأبي ليأتزر به؛ لأنه رجل طويل لا يكفيه برداً واحداً فقال سلمان الفارسي الآن نسمع ونطيع هذا عمر وهو بمقام خليفة المسلمين ولكنه في نفس الوقت كان واحداً من جيل التأسيس الذي رباه النبي صلى الله عليه وسلم ترى كم شخص منا اليوم يمكن أن يوجه له نقد من هذا النوع ولو من بعض تلاميذه وأفراده المحبين له ناهيك عن أمراء المؤمنين ورؤساء الجماعات وأمراء الجماعات حتى يوجه لها نقد ونحن نتحدث في مستوانا الذي نعرفه فهذا يدلنا دلالة واضحة على أن التجرد لله والتربية على هذا النوع من أهم المواصفات التي تقوم عليها القاعدة الصلبة وتحمى بإذن الله سبحانه وتعالى بهذا السبب وهذه التربية من أي تفلت أو انحطاط وعلى هذا فقل في الولاء والبراء والحب والبغض وغير هذا من المسائل المتعلقة بالتجرد لله سبحانه وتعالى.

الأمر الثاني: وهو الوعي: الوعي عامل من العوامل المهمة في تكوين القاعدة الصلبة وجيل التأسيس وهو في نفس الوقت عامل بناء وعامل حماية فلا بد من وجوده، والوعي أقسام سواء كان هذا الوعي العلمي أو الحركي أو السياسي أو التربوي أو غير ذلك من أنواع الوعي التي يحتاجها من ينتمي إلى هذا الدين أو بالأصح إلى الذي يكون فرداً من أفراد جيل التأسيس والله سبحانه وتعالى ذكرنا بقوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108] فالبصيرة أمر هام للجميع وهي لأفراد جيل التأسيس أهم ذلك؛ لأنها هي التي تقرر مسار العمل متى نمكن؟ كيف نتحرك؟ متى نتحرك؟ كيف نتعامل مع غيرنا كيف ننتقل بالعمل والدعوة من طور إلى طور ومن مرحلة إلى مرحلة كل هذا داخل في معنى البصيرة كيف تبدأ بالتربية لجيل التأسيس؟ كيف تكون التربية قد وصلت إلى مراحلها النهائية؟ ومتى تبدأ بتوسيع الدعوة إلى عامة الناس؟ وكيف تدعوهم، وغير هذا من المسائل المتعلقة بهذا الباب الذي هو باب الوعي.

وكثيراً من الناس يقصر هذا الباب الوعي على الوعي بالواقع فتجد عنده وهو من أبناء الحركة بل من جيل التأسيس فتجد عنده علماً وإدراكاً بالقضايا العادية والعامية حتى في أسعار البطاط والبصل وغير ذلك، ولكنه في الحقيقة عنده جهل مطبق بالوعي العلمي،والوعي الدعوي والوعي التربوي وهذا شطر من الوعي لا يهولنك ذلك الكلام فهي شنشنة كما يقولون شنشنة تعرف من أخزم، ولكن المقصد بالوعي الوعي العام، الذي يشمل الوعي العلمي والوعي الحركي والوعي السياسي للفرد الذي يراد منه أن يكون شخصاً في جيل التأسيس وعضواً في القاعدة الصلبة التي تحمل القاعدة الجماهيرية في الدعوة إلى الله وإبلاغ هذا الدين إلى الناس، وعلى كل حال يجب أن نختصر هنا أمراً هاماً كثيراً من الناس ربما يقصد بالوعي الذي يربي عليه الأشخاص والأفراد سواء كانوا من جيل التأسيس أو القاعدة الجماهيرية يقصد بالوعي كيف يجد وعي للأفراد للمحافظة على ذواتهم من الابتلاء وهو في الحقيقة انحراف عن معنى الوعي ومعنى التربية ومعنى التضحية ليس الهدف أن تربي فرداً لا يمس في جنابك بشيء فمن أنت حتى تقدم على مساس المنهج والفكر والمبدأ بل أنت وجدت لتحمي الفكر والمبدأ والعقيدة وهذا أمر يجب أن ينتبه له وهنا نعود فنقول أن وعي الجيل كله يحتاج إليه وهو البصيرة المذكورة في قوله تعالى: {أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} والبصيرة جزء يكتسب بالعلم والتعلم من خلال التعرف على سنن الله الربانية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن خلال تدبر التاريخ وأخذ العبرة منه والتعرف على أحوال الأمة حاضرها ومستقبلها ومنها جزء يتم التعارف به من خلال التجارب السابقة التي مر بها من قبلك من الدعاة، والنتائج التي ترتبت على ذلك.

فلا تظل مغمض عينيك فتبدأ من حيث بدأ الناس متجاهلاً لتجاربهم وأفكارهم وأخطائهم وسلبياتهم فتقع فيما وقعوا فيه فإن من البصيرة أن ترصد تلك التجارب وتلك النتائج وتستفيد منها.

ومن البصيرة جزء يكتسب بالتربية عن طريق المشاورة وعن طريق تمحيص الآراء ووجهات النظر والتربية الخاصة وغير ذلك من الوسائل التي توجد البصيرة في ذلك الشخص وحين لا توجد هذه البصيرة أو حين تكون ناقصة يحدث كثير من التخبط في الواقع والأحوال والأحداث وتاريخ الحركات الإسلامية خير دليل على انعدام تلك البصيرة أو نقصها والأخطاء التي وقعت فيه كثير من الدعوات ناتج عن تقصير في هذين الأمرين الخطيرين، إما لعدم التجرد أو لعدم الوعي وهذان الأمران الخطيران يجب التنبه لهما.

نعود فنقول إن التجرد لله وتربية الناس والأفراد عموماً عليه هو سبب من أسباب قيام جيل التأسيس وبناء القاعدة وهو في نفس الوقت سبب من أسباب حمايتها وبقائها واستمرارها كذلك الوعي والبصيرة سبب في التأسيس وعامل في الحماية والاستمرار وكم اندثرت كثير من الأجيال والقواعد الصلبة بسبب عدم الوعي وعدم التجرد لله سبحانه وتعالى وهذا يعني أنه لا بد من جهد ضخم وعناية بالغة في التربية والإعداد والمنهج وغير ذلك من الأمور التي تقوم عليها هذه القاعدة أو يقوم ويبقى عليها ويستمر جيل التأسيس الذي نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المشاركين فيه الداعين إلى تأسيسه وبنائه من أجل غد مشرق لدعوة قائمة مستمرة بإذن الله سبحانه وتعالى وهو جهد ضخم يحتاج إلى الصبر والمصابرة والإخلاص والتقوى والتواصي بهذا كله.

أسأل لله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل وأن يكفينا شر نفوسنا وشر أهوائنا وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..