arrow down

معوقات في طلب العلم

بقلم فضيلة د. صالح بن علي الوادعي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

فإن موضوع هذه الكلمة هو طلب العلم، وبعض المعوقات في طلبه:


لما أتينا إلى هذه الأماكن ما أتينا إلا لطلب العلم، خاصة وأن هذه الأماكن ما وجدت إلا لطلبة العلم الذي هو أشرف ما يطلب في هذه الحياة الدنيا، فقد كان بعض السلف يقول: "كنا لا نعدل بالعلم شيئاً، إذا صحت فيه النية إذا صحت نية العبد في طلب العلم"؛ فجميع الطاعات تبع لهذا العلم، والله قد بين ذلك في كتابه فقال سبحانه وتعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [محمد:19]، قال سفيان بن عيينة: "بدأ بالعلم قبل العمل"، فما أتى بك إلى هنا -نحسبك والله حسيبك- إلا تحصيل العلم النافع الذي يقربك إلى الله تعالى.

وكان السلف عليهم رحمة الله يهتمون بالعلم في زمن كثر فيه العلماء بين أيديهم، وفي زماننا هذا قلَّ فيه أهل العلم، فإذا مات عالم من علماء الأمة بكت عليه الأمة وحزنت عليه، بل إن بعضهم ربما إذا قال: اللهم أجرنا في مصيبتنا. يعجز لسانه أن يقول إلى خير منها؛ لأن اليأس قد تطرق إلى القلوب، وكأن الأمة تعجز عن إخراج العلماء الربانيين، وهذا في حد ذاته خطأ.

يا إخواننا!

العلم قلَّ في الناس، وفشا الجهل فيهم؛ ليس العلم ما يفهمه كثير من الناس أنه يعرف يقرأ ويكتب، صحيح أن الأمية هي عدم القراءة والكتابة، سابقاً كانت كثيرة وكثير من الناس الآن يكتبون، لكن عندهم جهل بكتاب الله وبشرع الله تعالى، وعلمهم بدين الله قليل، وهذا ظاهر وملاحظ، انظر إلى نفسك أنت، وإلى كثير من طلبة العلم قبل أن يبدأ حضور مجالس العلم سابقاً، مع أنه قد يكون درس في المدارس الكثير من الأحكام الشرعية، درس كيفية الصلاة، كيفية الوضوء، وكيفية التيمم، فلو جئنا إلى خريجي الثانوية العامة الذين لم يلتحقوا بحلقات العلم والمساجد، وسألت بعضهم عن كيفية التيمم يعجز، مع أنه قد درسها في المراحل المتقدمة، فهذه الأمية هي التي نريد إزاحتها عن هذه الأمة، ولا يتم ذلك إلا بطلب العلم وتحصيله.

وإنك حين تقرأ سير السلف تعجب من طلبهم للعلم وتحصيله؛ فالإمام شعبة رحمه الله فيما ذكر عنه الخطيب البغدادي في الرحلة لطلب الحديث، كان يرحل من أجل حديث واحد من بلده الكوفة إلى مكة وإلى المدينة، ثم يرجع إلى البصرة.

وجابر بن عبد الله كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه رحل من أجل حديث واحد إلى عبد الله بن أنيس، وأبي بن كعب يرحل من أجل حديث واحد إلى عقبة بن عامر من المدينة إلى مصر، فلما اعتنق أخاه والتزمه وحدثه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم قضى راجعاً ولم يحط رحله؛ لأن الذي أخرجه من بلده هو طلب هذا الحديث؛ فحرص في تحصيل العلم النافع وتتبعه حديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى كان سعيد بن المسيب عليه رحمة الله يرحل الأيام من أجل أن يسمع حديثاً واحداً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

هذا الاهتمام البالغ في تحصيل العلم جعل العلم فيهم فاشياً، وجعل الجهل مندثراً، أما في هذه الأيام فقد الأمر على خلاف ذلك.

وهذا مصداق لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أن من علامات الساعة «أن يرفع العلم ويثبت الجهل»، ولو نظر كل منا إلى حيه أو بلده؛ فمن سيجد من أهل العلم، لو ينظر الواحد منا إلى قريته بل انظر إلى مديرته لا يكاد يرى عالماً، وإن رأى علماء فهم يعدون على الأصابع، والقليل منهم من يعمل بعلمه ويحاول أن يعلم الناس ويخرجهم من الجهل إلى العلم، وهذا الأمر فشا، ولا يخلصنا من ذلك إلا أن نرجع إلى الله تعالى، وأن نحرص على تحصيل العلم النافع، ولذلك وجدت هناك معوقات كثيرة جداً في طريق طلب العلم، ومن هذه المعوقات:

أولاً: فساد النية:

اسمع قول بعض السلف: "كنا لا نعدل بالعلم شيئاً إذا صحت فيه النية".

لِمَ تطلب العلم؟

أتطلب العلم لتماري فيه السفهاء، وتجادل به العلماء، وتصرف وجوه الناس إليك؟!

أتطلب العلم ليقال عالم؟!

أتطلب العلم ليقال فلان حريص، أم طلبت العلم لله تعالى؟!

النية هي ركن كل عمل صالح، الركن الأعظم والركن الأكبر الذي لا يقبل الله تعالى أي عمل مهما كان هذا العمل قابلاً إلا بها، «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وكما قال عز وجل: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110]، فإن هذا العلم من أشرف الطاعات، لكن بشرط صحة النية.

حتى الصلاة إذا صليت ونيتك فاسدة فإن عملك مردود عليك، نسأل الله العافية والسلامة.

ولذلك جاء في مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تعالى، قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً، وابتغي به وجه الله»، ولذلك فإن النية تحتاج إلى معالجة ومتابعة.

قال الثوري رحمه الله: "ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي".

وبعض السلف يقول: "ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي؛ فإنها تتقلب على في اليوم والليلة كذا مرة".

الشيطان حريص؛ لأن هذا المدخل إذا دخل منه الشيطان أتعبك وضاع أجرك.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»، رب صائم أمسك عن الطعام وسائر المفطرات وتعب وعطش وجاع وكف عن اللذة، «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا النصب والتعب»، نسأل الله العافية.

{عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ} [الغاشية:3]، قَامَتْ وَتَعبتْ وَوَقَفتْ وهي أول من تسعر بها النار. كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أول ما يقضي الله في ثلاثة: رجل عالم تعلم العلم فجيء به يوم القيامة فعرف نعمة الله عليه فعرفها، فقال: لماذا تعلمت العلم؟ قال: تعلمته فيك يا رب، وقرأت القرآن فيك، قال: كذبت! إنما تعلمت ليقال عالم، وقرأت ليقال قارئ فقيد قيل، اذهبوا به إلى النار»، فيه عمل، فيه علم، فيه جهاد، فيه تصدق، فيه تعبد.

أي شيء أعظم من أن يضحي الإنسان بنفسه في سبيل الله؟ هل هناك أعظم من أن يجعل الإنسان نفسه لله تعالى، وأن يقدم نحره إلى أن تدخل فيه رصاصة أو سهم أو نحوه ذلك؟ لذا فإن الله تعالى ما اشترى شيئاً من عباده إلا هذا النفس: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:111]، فإذا لم تصح النية للمجاهد فهو في النار.

أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم غلام، فبينما هو في الصف جاءه سهم غرب "أي غير مقصودة" فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الشهادة، قال النبي صلى الله عليه وسلم كلا، كلا.

وحديث سعد: «أن الشملة التي غلها يوم خيبر لتشتعل عليه ناراً».

وفي حديث سهل بن سعد في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم، ذكر أن رجلاً أبلى، وكان يقول: ما أحسن اليوم أحد مثل ما أحسن فلان، فشهد له أنه أحسن من قاتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهو في النار»، فكاد بعض الناس يحتار. هذا ما أخرجه من بلده ومن بيته حتى يقاتل قتالاً شديداً ويطلب القتل، وإذا كان هذا الجلد الشديد في النار فما حالنا نحن؟ فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:" لأكونن صاحبه"، فخرج يرقبه، فجرح فاشتدت عليه جراحه فاتكأ على صخرة ووضع ذباب سيفه على صدره واتكأ على السيف فقتل نفسه، فجاء الرجل يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله"، فالنية فاسدة تضع، والنية الصالحة ترفع العمل ولو كان يسيراً، فلو مت على فراشك وعندك نية صادقة صالحة ترفع من الشهداء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء»، ولكن ذلك العمل العظيم من الجهاد وطلب العلم، وحفظ القرآن، وتعليم الناس ما أعظمها من قرب إلى الله تعالى، ومنازل الأنبياء ومراتب الأنبياء والصديقين والشهداء تنال وتكون رفيقاً لهم بتعليم الناس والدعوة إلى الله تعالى، لكن إذا صحت فيه النية فاحذر من فساد النية، ودائماً ينبغي أن تلاحظ نيتك، وتسأل الله تعالى أن يصلحها.

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم علمنا دعاء في معالجة الرياء والشرك الخفي، يقول صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك فيما لا أعلمه»، لذا ينبغي أن تحاسب نفسك على كل عمل، وتسألها: هل أنا أعمل هذا العمل لله تعالى أو لغير الله؟ ولماذا عملت هذا العمل؟ إذا عملته لله فاحمد الله عز وجل، واحذر من فساد النية الأخرى وهي العجب والغرور ونحوها.

ثانياً: حب الشهرة والتصدر:

وهذا داخل في فساد النية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم لا يطلبه إلا ليماري به الجهال، ويجادل به العلماء، ويصرف وجوه الناس إليه؛ لم يجد عرف الجنة»، أي: لم يجد رائحة الجنة، ذلك الذي يحب الشهرة الخفية بأن يتصدر الناس، وأن يشار إليه بالبنان، وأن يقال كذا وكذا عنه؛ فإنه في خطر عظيم.

في حديث ذكره الشيخ الألباني عليه رحمة الله في الصحيح الجامع وفي السلسلة الصحيحة في المجلد الثاني رقم (508) يقول فيه عليه الصلاة والسلام: «يا نعايا العرب! إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك، والشهوة الخفية».

الشهوة الخفية حب الظهور، انظروا إلى هذا ولو لم يتكلم بلسان حاله لكن حركاته تنبني على هذا الأمر.

يقول الإمام ابن الأثير: "احذروا اطلاع الناس على العم.ل هذه الشهوة الخفية"؛ لأنه إذا اطلع الناس على أعماله وذكائه وفطنته وعلى ما عنده من علم أثنى عليه الناس، لكن قد يقول قائل حديث النبي صلى الله عليه وسلم عمن أحسن، وقيل له أحسنت فيسر بذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليعمل العمل فيثنى عليه فيسر بذلك، فقال: فأنت عاجب وشاب مؤمن»، وأنت تحب أن يثنى عليك، لكن أنت عملت لله فأصل العمل لله، فلو أثنى عليك الناس عملت، ولو تركك الناس عملت، فثناء الناس ما زاد في عملك شيئاً، وذم الناس لا ينقص من عملك شيئاً، ولكن إذا كان ثناء الناس يجعلك تعمل وتظهر عملك، وذمهم يجعلك تترك عملك، فهذه الشهوة الخفية، وهذه المهلكة، أعاذنا الله منها.

نسأل الله أن يصلح قلوبنا؛ فإذا صلحت قلوبنا صلحت جوارحنا وصلحت أعمالنا، ووفقنا الله تعالى.

كان ابن المبارك رحمه الله إذا دخل الكوفة يرتاح ويستأجر له مكاناً بعيداً عن طلاب العلم؛ لأنه إذا جلس عند طلاب العلم يقول الطلاب: الإمام المبارك أفسحوا له، اجلس هنا. وهذا من حق طلاب العلم على العلماء أن يحترموهم، وحتى لو قال هو لا أريد هذا، لكن لا بد لهم من أن يخدموه؛ لأن من الواجب عليهم توقير العلماء، فكان بعضهم يقول له لو جلست هنا، فقال: "أحب أن لا أعرف"، فيخرج من بلده مرو ليرتاح؛ وكان إذا جاء للخباز فإن الخباز يعطيه أكثر، وكانوا يخافون أن هذا ينكسهم عند الله تعالى؛ لأنهم لم ينالوا هذا إلا بأعمال شاهدها الناس لهم فاحترموهم، لذلك كان بعض السلف يجيء إلى الخباز فيزيد له، فيقول: "نحن لا نشتري بديننا".

وكان أيوب السختياني إذا دخل شوارع البصرة يمشي فيها ويغير طريقه كل يوم، إذا دخل من هذا المدخل خرج من غيره؛ حتى لا يفطن له؛ لأنه لا يحب الظهور والشهوة الخفية.

الإمام أحمد رحمه الله هذا العالم العظيم بارك الله فيه ونصر الله به الإسلام لما بلغه أن الناس يدعون له، كان يقول: "ليته لا يكون استدارجاً"، وكان يقول لبعض تلاميذه: "يا أبا بكر! إذا عرف الرجل نفسه فما ينفعه الناس"، يريد أن ينزل نفسه.

النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة كان رأسه يكاد أن يمس عنق الراحلة، ولما يأتي إليه رجل أو امرأة وعليهم علامات الخوف منه يقول: «ما أنا إلا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة».

الإمام أحمد يقول:" أريد أن أكون في شعب بمكة؛ حتى لا أعرف وقد بليت بالشهرة".

يقول بشر الحافي:" ما اتقى الله من أحب الشهرة".

في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص: أن ابنه عمرو بن سعد جاء إليه يقول: أعوذ بالله من هذا الفارس، فقال: يا أبي! الناس يقتتلون على الملك وأنت ها هنا، سعد بن أبي وقاص لو قام يطلبها بعد مقتل علي لنالها، فقال له: يا بني! إني سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يحب العبد التقي الخفي».

سمي بعض السلف فلان البكاء، والبكاء لقب به لكثرة بكائه، فاجعل ذلك بينك وبين الله تعالى، والحذر الحذر من حب الشهرة، فإنك إذا جئت إلى بلدك وأفسحوا لك مكاناً ارتحت، وإذا لم يفسحو لك قلت هؤلاء ما فيهم خير، الذين لا يحترمون طلبة العلم لماذا؟

لأنه قاس نفسه، ورأى أنه هو الذي لا بد أن يحترم، ولا بد هو الذي يوقر، وقال في نفسه: لا بد أن أبحث عن بلد غير هذا البلد الذي لا يقدر العلماء ويحترمهم.

ثالثاً: التفريط في حلق العلم:

وهذا معوق خطير. ولا يكون المرء عالماً حتى يأخذ العلم ممن هو دونه، وممن هو فوقه، وممن هو مثله.

الإمام أحمد رحمه الله يقول عن نفسه: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة أعرفها قبل أن يولد، وأصغي له كأني لم أسمعها إلا الآن".

وبعض العلماء درس نفس الكتاب عشرين مرة على يد نفس الشيخ، انظر إلى حال بعض السلف يلزم العالم عشرين سنة.

الحميري لزم ابن عيينة عشرين عاماً، وفلان لزم فلان عشرين عاماً، لماذا هذه المدة؟ قد يكون عالماً، ولذلك بمجرد موت العالم، يقول الناس أين فلان الذي لازمه في الحلقة؛ ولذلك تجد في الترتيب بعد الشافعي طلع المزني، وهو من طلابه، ما ظهر في عشية وضحاها، وليس بسرعة عشرين سنة وثلاثين سنة وهو يتزاحم مع طلبة العلم ويبكر ويحرص ويجتهد، حتى قيل له هذا مكانك، وكم لزم مالك ربيعة حتى يأخذ كل ما عنده؟! ما زال عنده يستفيد من أخلاقه من آدابه، ويعرف أنه ما زال صغيراً وما زال بحاجة إلى طلب العلم، فلا تفرط في حلق العلم، أنت ما أتيت إلى هنا وإلى حلقات العلم إلا للعلم؛ فاجعل وقتك فيما ينفعك في هذا المجال.

رابعاً: التذرع بكثرة الانشغال:

فلا يقول أنا مشغول بالجامعة، ومعي أعمال كثيرة، ولو جئت إلى وقته تجد أكثره فراغ.

انظر إلى حياتنا اليومية: أصبحنا طلبة العلم من أكسل الناس في قيام الليل، وتجد العوام البعض منهم فيه خير، تجده يقوم الليل، وطالب العلم نائم بجانبه، والأحق بها طالب العلم؛ لأنه عرف الأجر والفضل، وعندما تقول له احرص على طلب العلم؛ يقول: أنا مشغول، وقد مر عليه الليل وهو كله نائم.

يقول ابن تيمية رحمه الله: "إن الأرض لتعج إلى الله بنومة العالم بعد الفجر"، وهو الوقت المبارك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك في أمتي في بكورها».

حياة السلف مليئة بالعلم حتى في وقت أكلهم، كان بعض السلف إذا أكل يأمر من يقرأ عليه في وقت الأكل.

الإمام مسلم أكل زنبيل تمر وهو يبحث عن حديث واحد، وحلقات العلم والتحفيظ يساق إليها الطالب سوقاً، لماذا لا نمشي إليها، نحن لا ندعى لها بل نمشي، نحن مثلاً بعد المغرب والعشاء ماذا عندك؟ ماذا تعمل فيه؟ وتقول له احضر حلقات العلم. اقرأ. يقول أنا مشغول، وإذا رجعت إلى الحقيقة لا يوجد شغل.

لو رتب كل واحد منا وقته لاستُفاد منه، إذا لم نستفد منه علماً، نستفد منه طاعة وتسبيحاً واستغفاراً، لا بد أن نشغل حياتنا بالتجارة مع الله تعالى.. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة. أنت تريد الجنة ومهما عملت من أعمال لن تكون الجنة مقابل عملك: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف:72].

تعمل لتنال الجنة بفضل الله تعالى وكرمه، وإن كانت أعمالك منذ أن ولدت ساجداً لله راكعاً إلى أن تموت ما أديت شكر النعم التي أنعم الله بها عليك.

إذن: لا تتذرع بكثرة الانشغالات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»، لا تقل والله أنا كثير أشغال أنا مشغول. إذا رتبت نفسك واستعنت بالله وحرصت على ما ينفعك فإنك إن شاء الله تجد وقتك كله معمور بطاعة الله تعالى، إما أن تستفيد منه علماً، أو طاعة، أو تعود مريضاً، المهم أنك تجد وقتك مليئاً بطاعة الله سبحانه وتعالى.

خامساً: التفريط في تحصيل العلم في وقت الطلب:

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تفقهوا قبل أن تسودوا" فسيأتيك من مشاغل الحياة الدنيا ما يشغلك، بل إن بعض طلبة العلم يبكي على أيام الطلب، بل بعضهم يقول تمر بعض الأيام ولا أقرأ ولا أفتح المصحف.

وقال البخاري في صحيحه: "وقد طلب العلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم كبار" وهذا لا يعني أنك إذا وصلت إلى سن معينة فقد انتهى طلب العلم، فمثلاً أبو بكر طالب العلم وعمره (38) سنة، ولذلك لا تفرط في تحصيل العلم في أيام الطلب حتى ولو أجهدت نفسك الآن وتعبت سترتاح بعد ذلك.

وليعلم كل منا أنه لا راحة لنا إلا في الجنة، هذا حال ابن آدم، إن كنت صالحاً فلا راحة إلا في الجنة، وإن كان الإنسان غير صالح فإن الدنيا فطرها الله تعالى وخلقها على أن يكون بني آدم في نكد. قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد:4]، {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق:6]، هذه حقيقة بني آدم أجمعين؛ إن هذه الحياة الدنيا لا تستقر لأحد أبداً، أسعد الناس فيها هم أصحاب الإيمان، وإن كانوا يعانون ويتعبون ولديهم آلام، فهناك مصاعب في هذه الحياة الدنيا حتى يلقى الإنسان الله تعالى.

سادساً: العزوف عن طلب العلم:

لا تظن أن أي مركز أو حلقة علم أو نحو ذلك سيخرجك عالماً؛ لأنه ليس بانتهاء هذا المركز أو انتهاء العام الدراسي انتهى كل شيء، لا والله "فالعلم من المحبرة إلى المقبرة"، كما قال الإمام أحمد، ولما قيل لابن المبارك: إلى متى تطلب العلم، قال: "لعل الكلمة التي تنفعي لم أسمعها بعد"، أي: الكلمة التي تكون فهيا نجاتي عند الله لم أسمعها بعد.

ولذلك السلف كانوا لا يعزفون عن طلب العلم، بل حتى في ساعات الموت وهم يتدارسون العلم ويحرصون عليه.

أسباب العزوف عن طلب العلم:

أولاً: أن كثيراً من طلبة العلم ينشغلون عن العلم بأمور لا علاقة لها بالعلم.

فالواحد منا إذا طلب العلم والجرائد والمجلات لفترة يهتم بمتابعة المجلات ويعزف عن العلم؛ بسبب الاهتمام بالواقع، ويحفظ عبارة: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»، ويكررها على حساب العلم؛ لأنك تعيش في واقع لا بد أن تعرفه، لكن ليس بالضرورة أن تعرف تفاصيله، ولا بالضرورة أن تعرف رئيس دولة كذا ورئيس وزرائها، هذه معلومات عامة لا تجعلك تعزف عن طلب العلم؛ لأن بني آدم طاقات، مثلاً واحد يقول أنا سأطلب العلم وأطلب معه الهندسة، هذا ممكن، وبعض الناس لهم قدرة، لكن إذا تفرغت للعلم سيعينك الله تعالى، كم من المهندسين أصبحوا علماء يشار إليهم بالبنان، ومن خيرة الناس علماً وفهماً وإدراكاً ومعرفة، وتقول هذا درس من صغره على أيدي مشايخ، لكن أنت لا يشغلك عن العلم شاغل، فبقدر الاستطاعة اجعل انشغالك بالعلم هو الأهم.

أنت جئت إلى هذا المركز أو حلقة العلم اطلب العلم، أنت حددت هدفك اطلب العلم، إذا حددت هدفك ستصيبه.

أنا هدفي أن أكون خطيباً، وأنت هدفك أن تطلب العلم، إذا حددت الهدف سيختصر عليك الكثير من الخطوات والبرامج.

بعض الناس إذا جاء يتكلم عن السياسة تجده يحلل لك التحليل السياسي المتقن ، لكن إذا رأيت ترى أن يده مربوطة بجبيرة، لماذا؟ لأنه لا يعرف ماذا يعمل بالجبيرة.

لكن كل هذا لا يجعلنا نعرف عن العلم، ولذلك لا بد أن نكرس جهودنا لما جئنا له، والله لو همننا بالعلم لغير الله من أحوالنا؛ لأن العلم الذي لا يقربك إلى الله ليس بعلم نافع، العلم الذي نتكلم عنه هو الذي نحتاجه منذ أن تفتح عينيك من اليوم إلى أن تقول: «اللهم بك وضعت جنبي وبك أرفعه»، هذا العلم الذي تحتاجه في كل شيء، وحاجتك إلى هذا العلم أشد من حاجتك إلى الأكل والشرب؛ لأن الأكل والشرب له أوقات لكن العلم معك في كل لحظة نحتاج إليه، في كل حركة وفي كل سكون، هل هذا الأمر يوافق شرع الله أم يخالف شرع الله؟ فإن وافق عملت، وإن خالف تركت.

ولذلك سلمان الفارسي -كما في صحيح مسلم- لما جاء له رجل من المشركين قال له: لقد علمكم رسولكم كل شيء، قال: "نعم. هذا الدين يعلمنا كل شيء حتى الخراءة، أمرنا ألا نستقبل القبلة ولا نستدبرها، وألا نتمسح باليمين، وألا نستنجي برجيع أو عظم، وأن نستنجي بثلاثة أحجار"، نعتز لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا كل شيء.

ثانياً: كثرة الزيارات:

اليوم عند فلان، واليوم عند فلان. الزيارات طيبة، «ومن عاد له أخاً في الله فهو في خرفة من خرف الجنة»، لكن ليس في كل وقت زيارة، متى ستحصل العلم؟ كما أن الزيارات تكون بقدر، إذا كثر الشيء عن حده انقلب إلى ضده، كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور أصحابه ويتفقدهم، ولكن لا يكون على حساب العلم.

سابعاً: تزكية النفوس:

قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم:32]، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} [النساء:49]، ولذلك تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم غير بهذا المعنى أسماء مثلاً برة كان اسمها زينب؛ لأن برة فيه نوع من تزكية النفس.

وليحذر الإنسان أن يزكي نفسه؛ فإذا عمل عملاً أو كان فطناً أو ذكياً فليرد الفضل لله وحده تعالى؛ الذي منحك هذا الفضل، ولم يحل بينك وبينه، كم من ذكي حافظ وهو من حطب جهنم، ما نفعه ذكاؤه، ولا حفظه، كم من حفاظ وأذكياء في الدنيا هم في النار -والعياذ بالله- فالإنسان إذا كانت فيه نعمة فليرد الفضل فيها إلى الله، وإلى الذي منَّ عليه بها.

يقول الله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال:24]، لو أراد الله أن يحول بينك وبين التقوى لو آتاك أموال الدنيا ما اتقيت الله. لو جعل الله بينك وبين أي عبادة حائل، لو فعلت ما فعلت أي شيء، يقول الله تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال:63]، كل أخوة بنيت على غير طاعة الله فمصيرها إلى الذهاب والزوال في الدنيا قبل الآخرة، كما قال تعالى: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف:67]، الأخوة بين المتقين هي التي تدوم وتستمر؛ فلا تزكوا أنفسكم.

انظر إلى التزكية من وجه آخر، مثلاً: النجاة لأهل السنة بلا شك، ونحن أهل السنة. انظر إلى الشيطان من أين يأتيك، يقول لك: أنت من أهل السنة؛ إذاً أنت من أهل الجنة، لكن لا تظن أنك إذا اعتقدت المعتقد الصحيح أنك نجوت، بل اسأل الله أن تكون من الناجين، ما أَدْرَاك قد يُختم لك بسوء: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} [النجم:32].

انظر إلى قول الشافعي: "قولي صواب يحتمل الخطأ"؛ لأنه إذا زكيت نفسك تقول هذا كذا وهذا كذا، وتبدأ تصنف الناس على ما تريد، وانظر إلى الذي يزكي نفسه، لا يقبل أي خلاف؛ لأنه ينظر إلى الناس من مكان عالٍ.

يا إخوة! لا بد أن تسألوا الله القبول، والله يقول: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:60-61]، هذا الوصف العظيم فيه تزكية للنفس.

فالإنسان مهما صلى وصام وطلب العلم وجاهد يدعو ربه، ويقول: يا رب تقبل مني، يا رب لا تحبط عملي.

عائشة رضي الله عنها سألت للرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا الصنف من الناس فقالت: "السارق يسرق وهو يخاف، والزاني يزني وهو يخاف" فقال: «ليس هذا يا ابنة الصديق! الرجل يعمل صالحاً فيخشى ألا يقبل منه».

يقول مطرف بن عبد الله رحمه الله وكان من التابعين: "والله لأن أصبح نائماً أحب إلي من أن أصبح قائماً معجباً".

فالله الله في الأمور التي تعيقنا عن الوصول إلى الغايات التي نطلبها والتي تنفعنا عند ربنا سبحانه وتعالى.

أسأل الله سبحانه أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.