arrow down

الإيمان بالغيب

بقلم فضيلة د. قاسم بن علي العصيمي ( عضو رابطة علماء المسلمين )


قال الله تعالى: { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65) بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم منها في شك بل هم منها عمون } [النمل: 65 - 66]
الغيب في حقنا كمخلوقين كل ما غاب عن الحواس. والغيب ضد المشاهَد.
أما الله تعالى فلا يغيب عن علمه شيء، كما وصف نفسه فقال تعالى: {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبه وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم } [الأنعام: 101]
وقال سبحانه: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أغصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } [سبأ: 3]
وينقسم الغيب إلى قسمين غيب مطلق وغيب نسبي:
والغيب المطلق:وهو الذي لا يُعتمد في معرفته على دليل إلا دلالة العقل على تصديق المخبِر به.
ولا يَعلم الغيبَ المطلق إلا الله كما قال تعالى:{ وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو }[الأنعام: 59]
والرسل والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه كما قال الله تعالى:{ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء } [آلعمران: 179][يونس: 20]
وقال تعالى:{ وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنؤوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } [البقرة: 31، 32]
والجن لا يعلمون الغيب وقد أخبر الله عن قصتهم مع سليمان عليه السلام فقال: {فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين } [سبأ: 14].
أما الغيب النسبي:فهو الذي نصب الله الدليل عليه بالعقل أو الفطرة أو الحس.
ومن الغيب النسبي بعض أنواع الخبر وليس بغيب لمن شاهده أو علمه، وهو غيب بالنسبة لمن لم يشاهده أو يعلمه،ومنه أخبار الماضي وبعض أخبار المستقبل وبعض الأخبار في الحاضر.
كما قال اللهتعالى:{ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون } [آلعمران: 44].
والناس منهم من يصدق بالغيب ومنهم من يكذب به أو ببعضه على حسب مستوى عقولهم أو تدينهم، ومن أسباب التكذيب بالغيب عدم مشاهدته أو العلم به عن طريق الحس كما قال الله تعالى:{بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين } [يونس: 39]
والمكذبون بالغيب متناقضون لأنهم يؤمنون ببعض الغيب لا محالة، فهم يؤمنون بأن الروح تحل جسد الإنسان الحي وأن موت الإنسان بمفارقة الروح فليخبرونا ما هي الروح؟
أويؤمنون بأن العقل يمنع الإنسان من كثير من الأعمال الخاطئة، ويدفعه إلى بعض التصرفات لاقتناعه بها فليخبرونا ما هو العقل؟
وليخبرونا ما هي النفس؟ وما هي الحياة التي في الحيوان والنبات؟ وما هي المشاعر والعاطفة ما حقيقتها؟ وما هي الجاذبية وما هي ...؟ وما هي ... ؟
إذنلا يوجد عاقل ينكر الغيب مطلقاً إنما هي المكابرة والعناد والجحود.
أما المسلمون فيؤمنون بالغيب الذي جاءت به الشريعة وهو ما أخبرت به الرسل من الأمور التي لا تُدرك بمجرد الحواس، أو تدرك بالحواس مثل الأشياء التي يدركها العقل أو الفطرة، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والإيمان بالقدر واليوم الآخر وما فيه من بعث وجنة ونار وحساب، والإيمان بالجن والإسراء والمعراج والوحي ومايشمله من علامات الساعة وغيرها....
قال الله تعالى في صفات المتقين:{ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وهم بالآخرة هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون } [البقرة: 3 - 5]
وليس الإيمان بالغيب قاصرا على التصديق بالأخبار، بل يدخل فيه العمل بمقتضى ذلك التصديق كما قال الله تعالى:{ياأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيدكم ورماحكم ليلعم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فلهم عذاب أليم }[المائدة: 94]
وكما قال تعالى: {إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم} [يس: 11]
أما المؤمنون فقد بلغ بهم التصديق بخبر المرسلين أروع الإيمان وأصدقه، فهم يُصدقون بخبر الغيب يقينا إذا صح الخبر.
وقد أخرجا لحاكم في المستدرك بإسناد جيد والبيهقي وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء المشركون إلى أبي بكرفقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه جاء إلى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة؟ فقال أبوبكر: أوَقال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: فتصدقه بأن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؟ قال: نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك أصدقه بخبرالسماء .
وأخرج أبوداود بسند صحيح في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي، فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشي، وأبطأ الاعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه بالفرس، ولايشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه، فنادى الأعرابيُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن كنتَ مبتاعا هذا الفرس، وإلا بعتُه.فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الاعرابي،فقال: " أوليس قدابتعته منك" ؟ فقال الأعرابي: لا، والله ما بعتُكه،فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بلى قدا بتعتُهمنك " فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا،فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعتَه، فأقبل النبيُ صلى الله عليه وسلم على خزيمة، فقال: " بم تشهد" ؟ فقال: بتصديقك يارسول الله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين. اهـ
وما أجهل الإنسان وأقل علمه؛لأنه لو أُخبر الناس قبل سنين أن الهاتف سينقل صوت الإنسان وصورته من المشرق إلى المغرب في ثوان معدودات كهذا الزمان لما صدق، ولا ندري ماذا يخبيء الغيب للمستقبل، وكل ذلك من قدرة المخلوق فكيف بقدرة الخالق القادر العظيم الذي إليه يرجع الأمر كله.
ومن ثمرات الإيمان بالغيب الخوف من الله ومراقبته والشوق إلى لقائه، والعمل الصالح للفوز بالجنة والنجاة من النار، والإكثار من الدعاء، وانتظار الفرج والصبر على البلاء،والثقة بموعود الله كاليقين بعاقبة المتقين ومصارع المجرمين في الدنيا والآخرة.
وعدم الإيمان بالغيب شقاء وظنك في الدنيا والآخرة، وضعف الإيمان بالغيب من أسباب ترك الاستقامة على الدين.
قال الله تعالى: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار (8) عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9) سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنها } [الرعد: 8 - 10].