arrow down

الظلم الذي أدى إلى الثورة المباركة العارمة

بقلم فضيلة البروفيسور/ الأمين الحاج محمد ( رئيس رابطة علماء المسلمين )

العدل هو قوام الملك، فبه يدوم الملك ويسعد الراعي والرعية، وبعدمه يزول الملك ويشقى الراعي والرعية.
ولهذا أمر الله بالعدل وحرم الظلم على نفسه: “إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ” [سورة النحل: 90.].
وصح في الحديث القدسي: “يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا” [مسلم رقم: [2577].]. وقال: “وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا” [سورة الكهف: 49.].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (أثر عن بعض الأنبياء أنه قال: “إن الله لينصر الدولة الكافرة العادلة، على الدولة المسلمة الظالمة”) [مجموع الفتاوى.].
ولهذا توعد الشارع الظلمة وتهددهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليملي إلى الظالم فإذا أخذه لم يفلته. ثم قرأ: “وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ” [سورة هود: 102.] ” [متفق عليه، مسلم رقم: [2583].].
وقال: “اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم” [مسلم رقم: [2578].].
وحذرمن دعوة المظلوم قائلاً: “واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب”.
من الغريب العجيب أن ينتبه بعض عقلاء الكفار، لخطورة الظلم، ويسعوا لإقامة دولة العدل بين رعاياهم، ويغفل عن ذلك كثير من المنتسبين إلى الإسلام.
روى صاحب الترغيب والترهيب المنذري، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن مَلِـكاً من الملوك خرج من بلده يسير في مملكته مستخفٍ من الناس ، فنزل على رجل له بقرة ، فراحت عليه تلك الليلة البقرة ، فحلبت مقدار ثلاثين بقرة ، فعجب المَلِـكُ من ذلك، وحدَّث نفسه بأخذها؛ فلما كان من الغد غدت البقرة إلى مرعاها ثم راحت فحلبت نصف ذلك؛ فدعا الملك صاحبها وقال له: أخبرني عن بقرتك هذه لِمَ نقص حلابها؟ ألم يكن مرعاها اليوم مرعاها بالأمس؟ قال: بلى، ولكن أرى الملك أضمر لبعض رعيته سوءاً فنقص لبنها؛ فإن الملك إذا ظلم، أوهمَّ بظلم ذهبت البركة، قال: فعاهد اللهَ المَلِـكُ أن لا يأخذها و لا يظلم أحدا، قال : فغدت ورعت ثم راحت فحلب حلابها كما في اليوم الأول، فاعتبر الملك بذلك وعدل؛ وقال: إن الملك إذا ظلم أوهمَّ بظلم ذهبت البركة، لا جرم لأعدلنّ ولأكونن على أفضل الحالات).
وقال الإمام ابن قتيبة الدينوري في كتابه [تأويل مختلف الحديث]: (وحدثني رجل من أصحاب الأخبار أن المنصور العباسي سَمَرَ ذات ليلة، فذكر خلفاء بني أمية وسيرتهم، وأنهم لم يزالوا على استقامة، ووقعت في زمانهم فتوحات كثيرة، حتى أفضى أمرهم إلى أبنائهم المترفين، فكان همهم من عظم شأن الملك، وجلالة قدره قصد الشهوات، وإيثار اللذات، والدخول في معاصيه عز وجل ومساخطه، جهلاً منهم باستدراج الله تعالى، وأمناً من مكره تعالى، فسلبهم الله تعالى الملك والعز، ونقل عنهم النعمة، فقال له صالح بن علي: يا أمير المؤمنين، إن عبيد الله بن مروان، لما دخل أرض النوبة هارباً فيمن تبعه، سأل ملكُ النوبة عنهم، فأخبر، فركب إلى عبيد الله وكلمه بكلام عجيب في هذا النحو، لا أحفظه، وأزعجه عن بلده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو من بالحبس بحضرتنا في هذه الليلة فيسأله عن ذلك.
فأمر المنصور بإحضاره وسأله عن القصة، قال: يا أمير المؤمنين، قدمتُ أرض النوبة بأثاث سلم لي، فافترشته بها، وأقمت ثلاثاً، فأتاني ملك النوبة، وقد خبر أمرنا، فدخل عليَّ رجل طوال، أقنى، حسن الوجه، فقعد على الأرض ولم يقرب الثياب، فقلت: ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا؟ قال: إني ملك، وحق لكل ملك أن يتواضع لعظمة الله جل وعز إذ رفعه الله.
ثم أقبل عليَّ، فقال لي: لِمَ تشربون الخمور، وهي محرمة عليكم في كتابكم؟
فقلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وسفهاؤنا.
قال: فلم تطؤون الزرع بدوابكم! والفساد محرم عليكم في كتابكم؟
قلت: يفعل ذلك جهالنا.
قال: فلم تلبسون الديباج والحرير، وتستعملون الذهب والفضة، وهو محرم عليكم؟
فقلت: زال عنا الملك، وقل أنصارنا، فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا، فلبسوا ذلك على الكره منا.
فأطرق ملياً، وجعل يقلب يده وينكت في الأرض.
ثم قال: ليس ذلك كما ذكرتَ، بل أنتم قوم استحللتم ما حُرِّمَ عليكم، وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم فيما ملكتم، فسلبكم الله تعالى العز، وألبسكم الذل بذنوبكم، ولله تعالى فيكم نقمة لم تبلغ نهايتها، وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم، وإنما الضيافة ثلاث، فتزودوا ما احتجتم إليه، وارتحلوا عن بلدي؛ ففعلتُ ذلك).
أيها الحكام: في هذه الحكاية مقنع وكفاية لمن رزقه الله الهداية، وجنبه طريق الغواية. فما رأيتم وسمعتم به مما جرى بأولئك الظالمين المستبدين الخاسرين الأبعدين، أكبر عبرة لمن اعتبر. وتبصرة لمن تبصر.
قال الشاعر:
ما مر يوم على حي ولا ابتكرا إلا رأى عبرة فيه إن اعتبـــــرا

أما بعد…
فإن أسباب الظلم ومظاهره، التي أدت إلى حدوث تلك الثورات العارمة في تونس ومصر، كثيرة وخطيرة جداً. وسنشير في هذه العجالة لأهم الأسباب التي أدت إلى ذلك، ولأخطر صور هذا الظلم، عسى الله أن ينفع بها. فالعاقل من اتعظ بغيره، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، فأقول:

أهم السباب التي أفرزت هذا الظلم في تونس ومصر وغيرهما:
أولاً: الجهل بالشرع والغرور
السبب الرئيس لشيوع الظلم واستمرائه، الغفلة عن مغبته وسوء عاقبته، ورحم الله ابن عباس القائل: (كل من عصى فهو جاهل).
لهذا اشترط جمهور الفقهاء لتولى الولاية العامة ـ ولجميع الولايات ـ العلم بالأحكام الشرعية.
قال ابن السمناني: (يشترط في الإمام أن يكون عالما بأصول الدين ومن أهل الاجتهاد في فروعه، ليمكنه حل الشبه، وإرشاد الضال، وفتيا المستفتي، والحكم بين الخصوم، وهذا شرط على سائر فرق المسلمين) [روضة القضاء للسمناني جـ1/62.].
ففاقد الشي لا يعطيه، ولهذا كان العلماء هم الخلفاء، والحكام كالأمراء في عهد الخلافة الراشدة وما تلاها في عهد الدولة الأموية والعباسية إلى حد ما، وعندما حدث الانفصام بين العلم والحكم، وأصبح المسلمون لا يحرصون على هذا الشرط حدث الخلل مع جواز تولي المفضول في العلم وغيره مع وجود الفاضل. فالعلم هوالذي يحول بين الحاكم وبين الظلم والتعدي والبغي. ولهذا قال عمر بن عبدالعزيز الخليفة الراشد الخامس، والعالم الرباني المتفاني: (إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فتذكر قدرة الله عليك). فهل الجاهل يمكن أن يستصحب قدرة الله عليه في جميع تصرفاته؟!
ثانياً: الحرص على السلطة
الحُكْم أمانة، وإنه يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذه بحقه، وأدى حق الله فيه، ولهذا صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمارة عن عمه العباس عندما طلب منه أن يوليه على اليمن، قال: “يا عم، سل الله العفو والمعافاة” وقال لأبي ذر رضي الله عنه عندما طلبها: “يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم” [مسلم رقم: [1826].].
وذلك لأن أبا ذر كان زاهداً، يرى أن الفضل ما زاد على حاجة الإنسان في يومه، والحكم يحتاج إلى شيء من التدبير.
وعن أبي هريرة يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: “إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة” [رواه البخاري.].
ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال الإمارة. فعن أبي سعيد عبدالرحمن بن سَمُرة رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا عبدالرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير سؤال أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها” [متفق عليه، مسلم رقم: [1652].].
بل ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يولي الإمارة من طلبها، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: دخلت على الرسول صلى الله عليه وسلم ورجلان من بني عمي فقال أحدهما: يا رسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عز وجل، وقال الآخر مثل ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: “إنا والله لا نولى هذا العمل أحداً سأله، أو أحداً حرص عليه” [متفق عليه، مسلم جـ3/1456.].
فالحرص على كرسي الحكم عامل أساس كذلك، على تولد الظلم والاستخفاف بكل ما يقف أمامه ويحول بينه وبين الاستمرار فيه “فنعم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقها وحلها، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها تكون عليه حسرة يوم القيامة” [رواه الطبراني عن شيخه حفص ووثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح كما في مجمع الزوائد جـ5/203.].
فهي نعم المرضعة وبئس الفاطمة.
ثالثاً: وزراء السوء، والبطانة الفاسدة
من الأسباب الرئيسة لتفشي الظلم، وانحسار العدل في الأمة، اتخاذ الحاكم وزراء السوء والبطانات الفاسدة. ولهذا قال التابعي الجليل أبو حازم لمن اعترض على نصحه لسليمان بن عبدالملك: (اسكت، إنما أهلك فرعونَ هامانُ؟، وهامانَ فرعونُ). فويل للحكام من الوزراء والبطانة السيئة، وويل ثم ويل ثم ويل لهؤلاء الوزراء الخونة والمستشارين الفاسدين من الحكام الظلمة.
وذلك لأنهم لا يذكرون الحاكم إذا نسي، ولا يعينونه إذا ذكر، بل يلبسون عليه، ويخدعونه بالتقارير الكاذبة والدعايات الفارغة، ويحجبون العامة من الوصول إليه. قال تعالى: “الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ” [سورة الزخرف: 67.].
وقال صلى الله عليه وسلم: “ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصم الله ” [رواه البخاري.].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا أراد الله بالأمير خيراً، جعل له وزيرَ صدق، إن نسي ذَكَّرَه، وإن ذَكَر أعانه. وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يُذَكِّره، وإن ذَكَر لم يعنه” [رواه أبو داود رقم: [2932] وهو صحيح الإسناد.].
فالأخيار من الحكام يستوزرون الأخيار، ويستشيرون أهل العلم والتقى، ولهذا كان أبو بكر وعمر وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عمر وزيراً لأبي بكر، وكان مجلس شورى عمر من العلماء شيوخاً وشباباً. وكذلك كان مستشارو عمر بن عبدالعزيز عندما كان عاملاً على المدينة فقهاء المدينة السبعة. وعندما ولي الخلافة كان وزيراه: ابنه عبدالملك ومولاه مزاحم. ومستشاروه: رجاء بن حيوة ومحمد بن شهاب الزهوي، وغيرهم من أهل العلم.
فالطيور على أشكالها تقع، والأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
لما ولي عمر بن عبدالعزيز الخلافة، كتب إليه طاوس اليماني التابعي الجليل: (إن اردت أن يكون عملك خيراً كله، فاستعمل أهل الخير) فقال عمر: (كفى بها موعظة) [وفيات الأعيان، ترجمة طاوس جـ2/416.].
ولهذا كان يقال: شر الأمراء أبعدهم من العلماء، وشر العلماء أقربهم من الأمراء ـ المراد: أمراء السوء.
رابعاً: سكوت العلماء وعدم صدعهم بالحق
سيما الذين يتقلدون الوظائف الدستورية، والذين يستجيزون الدخول على الحكام، ولا يميزون بين عادل وجائر.
فسكوت هؤلاء عن الأمر والنهي جريمة عظمى، ومصيبة كبرى.
ذهب أهل العلم فيما مضى في الدخول على الحكام ومخالطتهم مذهبين:
• منهم من لا يرى الدخول إلا على أمثال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، منهم سفيان الثوري، والإمام أحمد، وعبدالله بن المبارك، والفضيل بن عياض، وغيرهم.
• ومنهم طائفة كانوا يدخلون على الحكام ويخالطونهم وكان الحكام يرغبون في دخولهم، وكانوا هم يقومون بواجب النصح والشفاعة الحسنة، منهم مالك والشافعي وغيرهما كثير.
لاشك أن دخول أمثال هؤلاء، على من يرغبون في دخولهم، ويستجيبون لما يأمرهم به هؤلاء، فيه خير ونفع.
كان أحمد وسفيان من أكثر الأئمة منعاً للاقتراب من الحكام.
قال مُهَــنَّأ: (سألت أحمد عن إبراهيم بن موسى الهروي، فقال: رجل وسخ. فقلت: ما قولك إنه وسخ؟ قال: من يتبع القضاة والولاة فهو وسخ) [الآداب الشرعية لابن مفلح جـ3/458.].
وقال سفيان الثوري: (إذا رأيت القارئ يلوذ بالسلطان فاعلم أنه لص، وإن لاذ بالأغنياء فمراءٍ، وإياك أن تنخدع فيقال: ترد عن مظلمة، أو تدفع عن مظلوم، فإن هذه خدعة إبليس إتخذها فجار القراء ـ العلماء ـ سلماً) [المصدر السابق ص463.].
وقال سعيد بن يعقوب: كتب إليَّ أحمد بن حنبل: (بسم الله الرحمن الرحيم، من أحمد بن حنبل إلى سعيد بن يعقوب: سلام عليك. أما بعد: فإن الدنيا داء والسلطان داء، والعالم طبيب، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاحذره).
ويشتد الكرب ويزداد البلاء إذا كان الداخلون على الحكام من أهل الأهواء أمثال بشر المريسي وابن أبي دؤاد، اللذان أزاغا بعض خلفاء بني العباس عن الجادة، وامتحنا أهل السنة شر امتحان.
رحم الله الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبدالعزيز فقد اشترط على من يدخل عليه شروطاً.
روى الأوزاعي رحمه الله أن عمر بن عبدالعزيز قال لجلسائه: (من صحبني منكم فليصحبني بخمس خصال:
1. يدلُّني من العدل إلى ما لا أهتدي إليه.
2. ويكون لي على الخير معيناً.
3. ويبلغني حاجة من لا يستطيع إبلاغها.
4. ولا يغتاب عندي أحدًا.
5. ويُؤدي الأمانةَ التي حملها بيني وبين الناس.
فإذا كان ذلك فحيَّهلا، وإلاَّ فقد خرج عن صحبتي والدخول عليّ).
أصبح هم كثير من العلماء اليوم منافقة الحاكم، والتزيين لما يقول، والتبرير لكل تصرفاته، بل وتصرفات غيره من الحكام وإن كانوا كفاراً، مقابل متاع من متاع الدنيا الفاني.
فمنهم من باع آخرته بدنياه بله بدنيا غيره.
يصدق على هذا الصنف تعجب القائل:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهـدى ومن يشتري دنياه بالدين أعجب
وأعجب من هذين من باع دينه بدنيا سواه فهو من ذين أعجـــب
لقد أزرى هذا الصنف بالعلماء الأخيار، وشمتوا عليهم أعداء الدين من العلمانيين وغيرهم، وخانوا الأمانة، ونبذوا العهد والميثاق الذي أخذ عليهم، فساروا سيرة أحبار اليهود وضلال النصارى، الذين قال الله فيهم: “وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ” [سورة آل عمران: 187.].
وكان لهم دور في فساد هذا الدين والتلبيس على المسلمين، ولله در عبدالله بن المبارك حين قال:
وهل أفسد الدين إلا الملــــــــــوك وأحبــــــــار سوء ورهبانهـــــــــا؟
لم يصن هؤلاء العلم الذي شرفهم الله به، بل أهانوه ودنسوه كما قال القاضي الجرجاني:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهـم ولو أنهم عظموه في النفوس لعظما
ولكـــن أهانـــوه ودنَّســــــــــــوا محيــــاه بالأطمـــاع حتى تجهمـــا
شبه ودحضها
مما زاد الطين بلة، والمريض علة، أن بعض هؤلاء رفعوا شبهاً، وأثاروا أقوالاً وبدعاً، يبررون بها سكوتهم، ويدافعون ويحامون بها عن الحكام، من غير تمييز بين الذين يحكمون شرع الله، أو يرفعون شعاراً، وبين الذي يحاربونه ويعادون الداعين إليه. دعك من أن يطبقوه.
بل منهم من يرفع عقيرته منكراً الخروج السلمي على ابن علي مثلاً الذي خرج عن الإسلام، ونقض عراه عروة عروة، وسار بسيرة سلفه الطالح بورقيبة الذي لم يبايعه أحد، ولو طلب منه أن يبايع على الإسلام لرفض.
من تلك الشبه الداحضة، الباطلة، المضللة ما يأتي:
1. الخلط بين المناصحة وبين الخروج المسلح.
2. زعمهم أن مجرد الكلام والتناصح والجهر بذلك، إن لم يجد الإسرار يعتبر خروجاً، ولا شك في وجوب الأمر والنهي والمناصحة للحديث: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”. أما الخروج المسلح فلا يحل لأنه يؤدي إلى إراقة الدماء وإثارة الفتنة.
فالنصح والبيان للمخالفات الشرعية المجمع عليها، لم يعتبره أحد من أهل العلم المقتدى بهم خروجاً. ولو كان ذلك خروجاً لكان ذم ورفض وإعلان إمام أهل السنة والجماعة وغيره كثير، عندما ظهرت بدعة المعتزلة ـ خلق القرآن ـ عد خروجاً ولما أثني عليه ولقب ـ لثباته في تلك الفتنة ـ بإمام أهل السنة والجماعة.
ولعد ذهاب الحسين رضي الله عنه إلى الكوفة خروجاً، لأنه لم يبايع ليزيد، لا هو ولا عبدالله بن الزبيررضي الله عنهما، الذي خرج عليه مروان وابنه عبدالملك. لأنه كان حاكماً للحجاز والعراق واليمن ومصر لمدة تسع سنوات. فهذا عذر أقبح من ذنب السكوت على عدم تحكيم شرع الله، واستبداله بالذي هو أدنى وأحط القوانين الوضعية.
بجانب الظلم والطغيان والتعدي على أموال وأعراض ودماء المسلمين، التي لا تحل إلا بحقها رداً ودفعاً لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا يزال المرء في فسحة من أمره ما لم يرق دماً حراماً”. ولقوله: “كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله” [رواه مسلم رقم: [2564].].
3. إضفاء هالة قدسية على طاعة ولي المر، لم تضف على طاعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الخمسة، الذين كان يجهر عليهم بالنصيحة، وكانوا يفرحون بها ويعدونها هدية.
خامساً: عدم تحكيم شرع الله
من أوجب واجبات الحاكم المسلم أن يحكم شرع الله، والمفضل لما سواه حكمه في الإسلام معروف: “وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” [سورةالمائدة: 44.]. “فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا” [سورةالنساء: 65.].
فالحكم بالسوية، والعدل في القضية، لا تتحققان إلا بتحكيم شرع الله تحكيماً كاملاً، فالإسلام شريعة كاملة وهو صالح لكل زمان ومكان.
لم تظهر بدعة التحاكم بغير شرع الله، والتشريع معه، إلا بعد سقوط الدولة العثمانية 1925م، وتقسيمها إلى دويلات صغيرة، بحدود وهمية، وجثوم المستعمر الصليبي عليها.
فالله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها وكان صلاح أولها بالاعتصام بالكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف هذه الأمة.
فالدعوة إلى الديموقراطية التي لا تقوم إلاعلى أنقاض الإسلام، والتحاكم إلى شرع الله لا يجتمعان أبداً، ولا يمكن للإسلام أن يحكم ولو رضي المسلمون بالديموقراطية واتخذوها منهجاً. وما حدث في الجزائر، وتركيا، وغزة، ليس عنا ببعيد.
لقد سقط شعار الديموقراطية المزيف، أسقطه رعاتها وحماتها فمن الذي انقض على النظام الديموقراطي في الجزائر عندما كانت الغالبية للإسلاميين؟ أليست فرنسا؟
ومن انقض وقضى على الديموقراطية في باكستان وايد انقلاب برويز مشرف لأنه كان عميلاً للأمريكان، وفاتحاً أجواءها لغزو أفغانستان؟ أليست أمريكا؟ ومن الذي حرم الحجاب في فرنسا ـ التي تقدس الحرية الشخصية ـ أليس وزير تعليمها؟
فالديموقراطية مفصلة لتكون نظاما حكم للكفار، أما المسلم الذي يريد أن يتحاكم إلى شرع الله فلا حظ له في الديموقراطية.
الدول التي تسوق للديموقراطية في العالم الإسلامي اليوم هي الحامية والمدافعة عن الأنظمة الدكتاتورية في العالم، كما هو الحال في عراق العروبة والإسلام، وفي أفغانستان وباكستان وغيرها من البلدان.
أيها الشباب الصامد، المطالب بالحرية والكرامة والعدل، لا ترضوا بغير الإسلام بديلاً.
يا قادة الحزاب الإسلامية لا ترضوا بغير الإسلام ديناً وشريعة للحكم.
احذر أخي المسلم أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض. فالإسلام كل لا يتجزأ. فمن آمن بكل ما جاء به صاحب الشرع ورد أمراً واحداً فهو كافر بحكم الله عز وجل: “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” [سورة البقرة: 85.].
الذي لا يريد أن يحكم بالإسلام، وإن صلى وصام، فعليه أن يجدد إسلامه بأن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
سادساً الاستخفاف بالرعية
هذا الظلم والاستبداد، والتعدي على حرمات الله، وحقوق العباد، ما كان له أن يستشري ويطم ويعم لولا استخفاف الحاكم بالرعية، فالطاعة والاستكانة في معصية الله عز وجل سبب لكل ما نزل بالمسلمين من الضر حتى شابهت حال كثير من المسلمين اليوم حال بني اسرائيل الذين كتب الله عليهم الذل والصغار والمسكنة لذلك استخف بهم ملوكهم كما حكى الله ذلك عنهم: “فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ” [سورة الزخرف: 54.].
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجـرح بميت إيـــــــلام
هذه الأسباب مجتمعة وغيرها إن لم تزل وتتغير، فلن ترتفع هذه الظلم وهذا التعدي، فالله عز وجل جعل لكل شيء سبباً فقال: “لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” [سورة الرعد: 11.].
ولذلك شرع الله الجهاد بنوعيه، جهاد الطلب والدفع، وشرع الأمر والنهي، وبين أن صلاح هذه الأمة بالتناصح والمدافعة: “وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ” [سورة البقرة: 251.].
ما الذي جرأ أولئك الطغاة الجبابرة أن يأمروا عبيد السوء أن يدسوا الشباب العزل ويطحنوهم بالدبابات سوى الاستخفاف بالرعية والاستهانة بهم؟
ما الذي يجعل حاكم مصر يصر على البقاء على سدة الحكم، وإن اغتيل من شعب مصر بضع مئات، وأصيب وتعوق منها بضعة آلآف بإعاقات خطيرة وبليغة، سوى الاستخفاف بالرعية وعدم الخوف من رب البرية؟!
لقد استمرأ الاغتيالات والظلم والتعدي والأخذ بالظنة، فالذين اغتيلوا حساً ومعنى منذ أن حل هذا الكابوس بمصر أضعاف الذين اغتيلوا وتعوقوا في هذه الأيام.
أخطر صور الظلم
قال تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ” [سورة الروم: 41.].
ما تعانيه الأمة الإسلامية من ضعف وهوان، وذل وظلم واحتقار، مرده إلى المخالفات الشرعية عقدية كانت أم أخلاقية. فالله نسأل أن لا يؤاخذنا بأعمالنا وبما فعل السفهاء منا “وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ” [سورة فاطر: 45.].
مظاهر الظلم وصوره الخطيرة، التي دفعت بملايين المسلمين للخروج في هذه التظاهرات الهادرة، وجعلتهم يصبرون ويواجهون السلاح الحي، والمضايقات والصمود، لأكثر من أسبوعين مع هذه الظروف العصيبة كثيرة ومتنوعة:
وصدق الشاعر العربي القائل:
ولولا المزعجات من الليالي لما ترك القطاطيب المنـــام
إذا قالت حِـزَامِ فاصدقوهـــا فإن القول ما قالت حـِـــزَامِ
وسنشير في هذه العجالة إلى أخطرها، كما أشرنا إلى أهم أسبابها.
أولاً: الشرك في العبادة والحكم
أعظم ظلم وأكبر جرم في هذا الكون الشرك، ولهذا حذر منه لقمان الحكيم ابنه قائلاً: “يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ” [سورة لقمان: 13.].
كثير من حكام المسلمين في تونس ومصر وغيرهما من ديار الإسلام، واقعون في هذا الذنب، ومقترفون له، وراعون لأصحابه، علموا بذلك أم لم يعلموا. ويتمثل ذلك في الآتي:
1. التحاكم لغير شرع الله عز وجل.
2. موالاة أعداء الله الكفار ومعاداة كثير من أوليائه.
3. رعاية وحماية الوثنيات والاعتداد بها.
رضي الله عن عمر حين قال: (لقد أعزنا الله بالإسلام فمن أراد العزة في غيره أذله الله).
4. تبني وحماية دعاة الشرك والممارسات الشركية.
5. الإيمان بالسحر والشعوذة، فبعض الملوك والرؤساء والوزراء ومعاونيهم لهم سحرة لا يقدمون على أمر إلا بعد الرجوع إليهم.
6. الخوف والرجاء من غير الله عز وجل.
وظيفة الحاكم الرئيسة حماية جناب التوحيد، فكيف إذا انعكست الآية فأصبح الشغل الشاغل لكثير من الحكام اقتراف ورعاية وحماية الممارسات الشركية ومحادة ومشاقة رب البرية؟!
ثانياً: التخوض في مال الله بغير حق
من مظاهر الظلم البينة الواضحة، المنذرة بغضب الله، وتعجيل عذابه، التخوض في مال الله عز وجل بغير حق فالمال مال الله ـ خاصاً وعاماً ـ جعلنا مستخلفين فيه.
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لن تزول قدما ابن آدم عن الصراط حتى يسأل عن أربع منها: “عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه”.. الحديث.
إذا كان هذا في المال الخاص؟ فالمال العام الأمر فيه أشد. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: “إن الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقه بورك له فيها، ورب متخوض فيما اشتهت نفسه ليس له في الآخرة إلا النار” [رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات ـ مجمع الزوائد جـ3/ 102.].
كثير من المسلمين اليوم الحلال عندهم هو ما كان تحت تصرفهم، أو وقع في أيديهم.
كان سلف هذه الأمة يشددون في المكاسب، وفيما يدخل بطونهم، أكثر من تشددهم في أمر الطهارة على عكس ما عليه كثير من المسلمين اليوم.
تهاون الحكام ومن يليهم في المال العام، الذي هو أشد حرمة من المال الخاص، لا يدانيه تهاون على الرغم من تحذير الرسول الكريم من ذلك وبيانه أن فتنة هذه الأمة ستكون في المال بينما كانت فتنة بني إسرائيل في النساء، وأخشى ما اخشاه ان تجتمع هاتان الفتنتان على هذه الأمة.
وقال عليه السلام: “فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على بني إسرائيل فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم” [صحيح سنن الترمذي للألباني رقم: [2462].].
وصح عنه أنه قال: “إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال” [صحيح سنن الترمذي للألباني رقم: [2336].].
مصداق هذا الحديث ما نراه من الجشع والحرص على الحصول على المال، بطرق مشروعة وغير مشروعة، خاصة من الحكام ومن يليهم. فإن تكالبهم على التخوض في المال العام والحصول عليه وإيداعه في المصارف الأوروبية بأرقام فلكيةن مئات المليارات من الدولارات وغيرها، حنى إذا انتزع منهم الملك لم يكونوا قد فقدوا شيئاً ذا بال.
ولو علم هؤلاء الحكام وبطانتهم، ما ينتظرهم من العذاب والعقاب الأليم، لما تجاسروا على هذا الجرم في تبديد ثروات الأمة، والتضييق عليها بسبب هذه الأثرة والأنانية.
كان السلف الصالح من حكام هذه الأمة يتحرجون من أن يأخذوا فـَـلسْاً واحداً بغير حق وقد ضربوا في ذلك المثل الأعلى، والقدوة التي يجب أن تحتذى، ولا أدل على هذه النزاهة والترفع عن المال العام من أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان في بعض السنين، وقد علل الإمام النووي ذلك لفقرهما.
لقد حج عمر رضي الله عنه عشر حجج، وكان منزله تحت ظل شجرة، وفي موسم من المواسم سأل غلامه قائلاً: كم أنفقنا في هذا الموسم؟ فقال: سبعة عشر ديناراً. فقال له: ويحك لقد أنهكنا بيت مال المسلمين!!
لنضرب لذلك مثلاً لبيان الفرق الشاسع، والبون الواسع، بين ما كان عليه سلفنا الصالح من النزاهة والترفع عن المال العام، مقابل الجشع والتغول، بل والسطو عليه من كثير من حكام اليوم ومن يليهم.
رُوِيَ أن المنصور العباسي رحمه الله قال لعبدالرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه عظني مما رأيت، قال: (مات عمر بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ وخلف أحد عشر ابناً، فبلغت تركته سبعة عشر ديناراً، كُفـِّنَ منها بخمسة دنانير، واشتري له موضع القبر بدينارين، وأصاب كل واحد من أولاده تسعة عشر درهماً.
ومات هشام بن عبدالملك، وخلف أحد عشر ابناً، فورث كل واحد منهم ألف ألف درهم، ثم إني رأيت رجلاً من أولاد عمر بن عبدالعزيز حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله تعالى. ورأيت ولداً من أولاد هشام يسأل أن يتصدق عليه).
قال الدميري معلقاَ على هذه الرواية: (وهذا أمر غير عجيب، فإن عمر وكلهم إلى ربه، فكفاهم وأعانهم، وهشام وكلهم إلى دنياهم فأفقرهم مولاهم).
وقال ابن الجوزي في سيرة عمر بن عبدالعزيز ص241: ( قيل لعمر بن عبدالعزيز: تركت ولدك هؤلاء وليس لهم مال، ولم تولهم إلى أحد، قال: ما كنت لأعطيهم شيئاً ليس لهم، وما كنت لأخذ منهم حقا لهم، أولى فيهم الذي يتولى الصالحين، إنما هؤلاء أحد رجلين؛ رجل أطاع الله؛ ورجل ترك أمر الله وضيعه).
وعندما ولي عمر الخلافة وفد عليه الشعراء كعادتهم فلم يأذن لهم بالدخول إلى أن شفع لهم فيه الفقيه عون بن عبدالله بن مسعود، فأذن لجرير فقط وكان أمثلهم فمدحه بقصيدة، فقال: يا جرير: والله لقد وليت هذا المر وما أملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبدالله، ومائة أخذتها أم عبدالله، يا غلام أعطه المائة الباقية.
فقال جرير:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزه وقد كان شيطاني من الجن راقياً
أرجو أخي المسلم أن تقارن بين هذا السلوك، وسلوك حكام اليوم، الذين يسرفون في عطايا المتزلفين لهم وفي الصرف على الوظائف الدستورية، وفي البذخ الذي يحدث في الاحتفالات، وعلى وسائل الإعلام وعلى لاعبي الكرة، وعلى رجال الأمن والاستخبارات وغير ذلك.
ثالثاً: السعي لتوريث الحكم للأبناء
من مظاهر الاستخفاف بالشعوب، ومن صور الظلم البين الواضح، ومن وسائل الفساد التي درج عليها كثير من حكام اليوم إذا بلغ أحدهم من العمر عتياً، أو داهمه المرض المخوف أن يسعى لتوريث ابنه خاصة، ومنهم من لم يقنع حتى بتوريث أخيه، ليتحمل الوزر في حياته وبعد مماته.
إن هذا السلوك المشين، والخلق اللئيم، والأثرة البغيضة، هي التي دفعت الشعوب في تونس ومصر إلى التمرد، وإلى الثورة ضد هذه الأنظمة البائدة المتخلفة الفاسدة، على الرغم من أن استخلاف الصالح وسيلة من وسائل اختيار الحاكم في الإسلام، لاستخلاف أبي بكر لعمر رضي الله عنهما، ولاستخلاف سليمان بن عبدالملك لعمر بن عبدالعزيز رحمه الله. وقد عد ذلك بجانب جعل عزيز مصر يوسف عليه السلام وزيراً لماليته من لأصدق الفِراسات في الدنيا.
أما استخلاف حكام هذا الزمان فليس له مستند لا في الشرع، ولا في العرف، لأن الباعث له العاطفة والأثرة والاستبداد، وتوريث من ليس أهلاً لذلك.
رضي الله عن عمر بن الخطاب عندما طُعِنَ وطُلب منه أن يستخلف أبى وقال: (إن لم استخلف فلم يستخلف من هو خير مني – يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم -، وإن استخلف فقد استخلف من هو خير مني كذلك – يعني أبا بكر -، وإنما أجعل الأمر شورى في ستة من العشرة المبشرين بالجنة ممن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ).
وقد أخرج ابن عمه سعيد بن زيد بن نُفيل وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وأخرج ابنه عبدالله وكان أهلاً للخلافة.
وقال قولته الخالدة المشهورة: (إن كان في ذلك خير فقد نال آل الخطاب منه، وإن لم يكن فيه خير فلا حاجة لنا من الاستزادة منه) أو كما قال.
ينبغي لحكام المسلمين ان يتقوا الله عز وجل، وأن يترفعوا عن هذا السلوك، وأن يفسحوا المجال لغيرهم ممن تتوفر فيهم شروط الإمامة، وليعلموا أن ذلك مما يثير عليهم شعوبهم، ويولد فيهم الحقد والكراهية والبغض.
رابعاً: الاعتماد على الأجهزة الاستخباراتية
من صور الاستبداد، والظلم، والفساد، والقمع التي درج عليها حكام اليوم الاعتماد على الأجهزة الاستخباراتية، وتسخيرها لتثبيت أنظمتهم.
لقد نهى الله ورسوله عن التجسس والتحسُّس إلا في الحرب، وعلى أعداء الله، والمفسدين في الأرض، أما أن تسخر هذه الجهزة لمراقبة أصحاب الخلق والدين والمروءات العالية من العلماء والدعاة وأئمة المساجد ومستوري الحال، فهذا ما لم يقم به أحد من الحكام الأخيار والأمراء العدول الأبرار. قال تعالى: “وَلا تَجَسَّسُوا” [سورة الحجرات: 12.]. وقال صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل الجنة فتات” [صحيح سنن أبي داود للألاباني رقم: [4871] وهو الذي ينقل الكلام بغرض الإفساد.]، وهو الذي ينقل الكلام بغرض الإفساد.
وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم” قال أبو الدرداء: (كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها) [صحيح سنن أبي داود للألباني رقم: [4888] وقال: صحيح.].

وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم” [صحيح سنن أبي داود للألباني رقم: [4890] وقال: صحيح.].
وعن زيد بن وهب قال: أُتِي ابن مسعود، فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمراً! فقال: (إنا نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به) [صحيح سنن أبي داود للألباني رقم: [4890] وقال: صحيح الإسناد.].
عندما ولي عمر بن عبدالعزيز الخلافة قال لمولاه مزاحم: الخلفاء قبلي كانت لهم عيون على الناس، وقد جعلتك عيناً علي.
مما يدل على أن كثيراً من حكام اليوم ليس لهم مؤيد، إلا هذه الأجهزة الاستخباراتية، والأبواق الإعلامية، ما ظهر في أحداث تونس ومصر، حيث تمايزت الصفوف، فلم يقف مع هؤلاء الحكام إلا بطانتهم وجواسيسهم والمرتزقة المستفيدون منهم، أما عامة الناس فقد رفضوهم وتبرأوا منهم ونبذوهم.
خامساً: المحسوبية
من مظاهر الفساد وطرق الاستبداد التي عمت بها البلوى في هذه العصور، ودفعت بالأمة إلى الخروج والتظاهر على هؤلاء الحكام، تفشي المحسوبية التي هي نذير شؤم، وبوادر هلاك للأمة، وسبب رئيس لزوال الملك.
فالمحسوبية شر مستطير ومرض خطير لهذا حذر منها رسول الإسلام، وذلك عندما أهمَّ قريش شأن المراة المخزومية التي سرقت. فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلمه اسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟” ثم قام فاختطب، ثم قال: “إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها” [متفق عليه، مسلم رقم: [1688].].
وفي حجة الوداع أول دم وضعه الرسول صلى الله عليه وسلمدم ابن عمه الذي كان رضيعاً فقتل، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس.
تفشي المحسوبية قسمت المجتمع المسلم إلى طبقتين؛ طبقة تعيش في نعيم وترف لا يقف أمام مصالحها وحاجاتها شيء، وطبقة ضعيفة مسحوقة مكدودة تحاسب على كل صغير وكبير وتغبن في كل وقت وحين.
أكرم الخلق على الله أتقاهم، فلا تفاوت بين الخلق إلا بالإيمان والتقوى والجد والاجتهاد والعمل الصالح.
أما أن تكون قيمة المرء بموالاته للنظام، ومنافقته وتطبيله له، فهذا ما لا عهد للمسلمين به إلا في عصور الانحطاط والبعد عن شرعة رب الأرض والسماوات.
سادساً: عدم السعي الجاد في رفع المعاناة عن الرعية
من مظاهر الظلم التي حركت الأمة ودفعتها للخروج السلمي، والمطالبة بزوال تلك الأنظمة الدكتاتورية المتعسفة، غلاء المعايش، وارتفاع الأسعار في مقابل انخفاض الدخل للفرد، بينما نجد أفراد النظام الحاكم ومن يليهم يعيشون في ترفع وبذخ، كدسوا الثروات، وسطوا على كثير من الأراضي والعقارات، وعاشوا في أبراج عاليات، لا يشعرون فيها مجرد الشعور بما يعانيه هؤلاء الفقراء المعدمون بينما كان الحكام الأخيار يواسون الأمة في سرائها وضرائها، بل يؤثرونها على أنفسهم وأهليهم.
فها هو عمر رضي الله عنه في عام الرمادة، وهي العام الثامن عشر من الهجرة، يواسي رعيته ولا يأكل إلا ما يأكلونه.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (سميت عام الرمادة لأن الأرض اسودت من قلة المطر ، حتى عاد لونها شبيها بالرماد. وقيل: لأنها كانت تسفي الريح تراباً كالرماد. ويمكن أن تكون سميت لكل منهما، والله أعلم).
عن ابن جرير رحمه الله: (أصابت الناس في إمارة عمر رضي الله عنه سنة بالمدينة وما حولها… فآلى عمر ألا يذوق سمناً، ولا لبناً، ولا لحماً، حتى يحيى الناس من أول الحيا، فكان بذلك حتى أحيا الناس من أول الحيا، فقدمت السوق عُكة [آنية السمن.] من سمن ووطب [آنية اللبن.] من لبن، فاشتراهما غلام لعمر بأربعين، ثم أتى عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، قد أبرَّ الله يمينك، وعظم أجرك، قدم السوق وطب من لبن وعكة من سمن، فابتعتهما بأربعين؛ فقال عمر: أغليت بهما، فتصدق بهما، فإني أكره أن آكل إسرافاً؛ وقال: كيف يعنيني شأن الرعية إذا لم يمسسني ما مسهم!) [تاريخ الطبري جـ4/98.] .
وقال ابن كثير: (وقد روينا أن عمر عسَّ بالمدينة ـ يحرس بها ليلاً ـ ذات ليلة عام الرمادة، فلم يجد أحداً يضحك، ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، ولم ير سائلاً يسأل، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إن السُّؤال سألوا فلم يعطوا، فقطعوا السؤال، والناس في هَمٍّ وضيق، فهم لا ، ولا يضحكون.
فكتب عمر إلى أبي موسى بالبصرة: “أن يا غوثاه لأمة محمد” ـ وإلى غيره ـ فبعثوا إليه بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعم).
لم يقتصر حرص عمر على مواساة الرعية واهتمامه بشأنها، بل تعداه إلى رعاية حقوق الحيوان حيث أثر عنه أنه قال: (لو أن بغلة بشاطئ الفرات عثرت لخشيت أسأل عنها لمَ لمْ أعبد لها الطريق؟).
هذا هو الإسلام، وهذه هي سيرة وسلوك حكام الإسلام المتجردين، فهل هنالك شريعة في هذا الوجود تعدل ذلك أو تقاربه؟! اللهم لا. فعلينا أن نحرص على أن نُحْكَم بالإسلام وألا نرضى بغيره بديلاً، والحذر من أن نتأثر بدعايات الكفار والمنافقين والعلمانيين، الذين يصورون لنا الإسلام بأنه مجرد إقامة حدود، فيصفونه بأنه إسلام القطع والبتر! كبرت كلمة تخرج من أفواههم أولئك المشاقين المحادين لله ورسوله.
لا ينبغي أن تصدنا بعض الممارسات الخاطئة، لمن يزعمون أنهم يطبقون الإسلام، فعلينا ألا نُحَمِّل الإسلام أخطاء بعض أتباعه من الحكام وغيرهم، فالدين عند الله الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة، بل وفي الدنيا من الخاسرين.
لا يوجد نظام في الدنيا يرفع عنا هذا الظلم والاستبداد والتسلط ويغير من حياتنا البائسة هذه سوى الإسلام، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فلن يضر والله إلا نفسه.
أيها الصامدون، أيها الصابرون، أيها الثائرون على الظلم والاستبداد، أيها الداعون للتغيير لا تبطلوا جهادكم هذا، ولا تفسدوا عملكم الطيب هذا، وتكدروا سلوككم الرفيع هذا بالمناداة بسوى الإسلام.
ما الذي أوصلنا لهذا الدرك، ولهذا الانحطاط، سوى بعدنا عن ديننا؟ ألم نكن سادة الدنيا؟ ألم يفتح أسلافنا الكرام قلوب العباد قبل البلاد؟
رحم الله الشاعر المصري محمود غُنيم الذي صور ماضي هذه الأمة التليد الزاهر وحاضرها البائس التعيس في بيتين اثنين:
أنى اتجهتَ إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصاً جناحاه
كــم صرَّفتنا يــدٌ كنا نصرِّفهــا وبات يملكنـــا شعب ملكنـــــــاه
أسباب الظلم كثيرة، ولكن أولها وأخطرها البعد عن شرع الله، وصوره عديدة، وفيما ذكرنا غنى عما أغفلنا، إذ غرضنا التمثيل والتدليل، وليس الإحاطة والتفصيل.
هدفت من ذلك إلى النصح، فالدين النصيحة كما قال الصادق المصدوق: “لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم” [رواه مسلم رقم: [55].].
وتبرئة للذمة، ومعذرة للرب، وتذكيراً للعالم، وتعليماً للجاهل.
اللهم ردنا إليك جميعاً حكاماً ومحكومين، علماء وجاهلين، رداً جميلاً.
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم من كان من هذه الأمة يظن أنه على الحق وهو ليس عليه، اللهم فرده إلى الحق حتى يكون من أهله.
اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وصلى الله وسلم على نبينا وآله وأصحابه وأزواجه والتابعين لهم بإحسان إلى اكتمال العدتين.