arrow down

حلب تنتصر

تتعرّض حلَب الآن للقصف الروسيّ النُصَيريّ المكثّف كما لا يخفى على أحدٍ مع تواطىءٍ عالميٍّ مخزي , مما يترتّب عليه قَتْلُ وجرحُ المئات من الأطفال والنِّساء والرِّجال من المسلمين ..

وقام الكثير من إخواننا بكتابة تعبيراتٍ تعبِّر عن مكنونات قلوبهم من الحُرْقَة على إخوانهم المسلمين ونسائهم وأطفالهم , وكان من هذه التعبيرات : " حلب تحترق , حلب تُباد .." ونحو ذلك . ونحن اخترنا هذا العنوان {#حلب_تنتصر } ؛ لأنّ مفهوم الانتصار في الإسلام أوسع من مجرَّد الانتصار العسكري , فعن أنس رضي الله عنه قال : بعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم أقواماً من بني سُلَيم إلى بني عامر في سبعين , فلمّا قدموا قال لهم خالي : أتقدَّمُكم ؛ فإن أمَّنوني حتى أبلّغَهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا كنتم منّي قريباً , فتقدّم فأمّنوه فبينما يحدِّثُهم عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذ أومَأ إلى رجُلٍ منهم فطعنَه فأنفَذَه , فقال : اللهُ أكبر .. فزتُ وربِّ الكعبة .. الحديث . رواه البخاري [2801] ومسلم [677] . فتأمّل قولَه " فزتُ وربِّ الكعبة " ففيه أنّ خسارةَ الدُّنيا - ولو كان أغلى ما يملكه وهو نفسُه - ليس بشيءٍ بجانب الفوز برضا الله عزّ وجلّ ..

وإخواننا القتلى في حلب نحسبهم فائزين شهداءَ معركةٍ ضدَّ طواغيت روسيا والنُصَيريّة والرَّافضة ومَنْ مالَأَهم من المعسكر الصليبيِّ الحاقد . فإن لم يكونوا شهداءَ معركةٍ فهم شهداء هدْمٍ وحرْقٍ , ولعلَّ الله عزَّ وجلَّ بمَنِّه وكرَمِه أن يجمعَ لهم الأجرَين معاً .

( ..كذلك تنتهي روايةُ الحادث وقد ملأت القلبَ بالرَّوعة . رَوعة الإيمان المستعلي على الفتنة ، والعقيدة المنتصرة على الحياة ، والانطلاق المتجرِّد من أوهاق الجسم وجاذبية الأرض . فقد كان مكنة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة لإيمانهم . ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم في الدنيا قبل الآخرة ؟ وكم كانت البشرية كلُّها تخسر ؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير : معنى زهادة الحياة بلا عقيدة ، وبشاعتها بلا حريّة ، وانحطاطها حين يسيطر الطُّغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد! إنه معنى كريم جداً ومعنى كبير جداً هذا الذي ربحوه وهم بعد في الأرض . رَبِحوه وهم يجدون مَسَّ النّار فتحترق أجسادهم ، وينتصر هذا المعنى الكريم الذي تزكِّيه النّار؟ وبعد ذلك لهم عند ربهم حساب ، ولأعدائهم الطاغين حساب . . يُعقِّب به السياق . { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار . ذلك الفوز الكبير } .. إنَّ الذي حدث في الأرض وفي الحياة الدُّنيا ليس خاتمة الحادث وليس نهاية المطاف . فالبقية آتية هناك .. )

( كلُّ النّاس يموتون وتختلف الأسباب ولكن ليس كلُّ الناس ينتصر هذا الانتصار .. وإنما هو اختيار الله لفئةٍ من خلقه لتشارك الناسَ في الموت , وتنفردُ دونَ النّاسِ في المجْدُ , المجد في الملأ الأعلى , والمجْدُ في دنيا الناس أيضاً , إذا وضعنا في عين الاعتبار نظرةَ الأجيال بعدَ الأجيال .. ) [ سيّد قُطب ] .

لقد ضربت حلَب وسوريا عموماً مثلاً أعلى في الصَّبر والصُّمود , و أصبحت قدوةً للأجيال , إنّ انتصار حلب وسوريا يتمثَّل في صمودها أمام هذه الحرب العالميّة ضدَّها .

إنَّ على الشُّعوب الإسلاميَّة بقيادة علمائها ومفكِّريها أن تصنعَ شيئاً لإنقاذ المسلمين هناك .. اللهمَّ نصرَكَ المؤزَّر للمسلمين المستَضْعَفين في حلب وسوريا , وأَنزِلْ بطشَك الشَّديد على الرُّوس والأمريكان , وبشّار والرافضة ومن حالَفَهم من الظَّلَمة المجرمين .

بقلم

د. عبدالله بن فيصل الأهدل

عضو رابطة علماء المسلمين

الخميس 28 / رجب / 1437هـ

للاشتراك في قناة رابطة علماء المسلمين على التليجرام :

https://telegram.me/rabetaa