arrow down

نقض دعوى الزيدية في حصر الإمامة في أولاد الحسن والحسين رضي الله عنهما

بقلم فضيلة د. قاسم بن علي العصيمي (عضو رابطة علماء المسلمين )

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ومن اتبع سبيله إلى يوم الدين.
وبعد: فإن الزيدية القائلين بأن الإمامة محصورة في علي والحسن والحسين رضي الله عنهم، ثم في أولاد الحسن والحسين من الذكور، أهم ما يستدلون به هي آية وثلاثة أحاديث وإجماع أهل البيت فهل استدلالهم صحيح؟ هذا ما تعرفه فيما يأتي:
أولاً: استدلوا بقول الله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] قالوا: ووجه الاستدلال بهذه الآية أنها نزلت في علي رضي الله عنه فقط، فقد أثبت الله له فيها الولاية كما أثبتها لنفسه ولرسوله، والولاية هنا هي ملك التصرف، وذلك معنى الإمامة. (1)
الجواب: قال ابن كثير في تفسيره عن الأخبار التي وردت في أن الآية نزلت في علي رضي الله عنه: وليس يصح شيء منها بالكلية، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. (2)
ولذا قال ابن حابس من الزيدية: وقد ضعَّف الإمام المهدي (من الزيدية) استدلال أصحابنا بهذه الآية الكريمة وما قطع بأنها نزلت في علي عليه السلام خاصة، ولا أستبعد أن يكون معنى قوله {إنما وليكم الله} إنما ناصركم الله ورسوله ومن كان من المؤمنين مقيماً للصلاة ومؤتياً للزكاة خاضعاً لله.اهـ (3)
قلت: والآية السابقة لهذه الآية تبين أن المراد بالموالاة هنا المحبة والنصرة لجميع المؤمنين قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّه ...} الآيات [المائدة: 54، 55]
ثانياً: استدلوا بحديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) (4)
والجواب: أن الحديث على فرض صحته، لا يصح الاستدلال به، قال ابن تيمية: وليس في الكلام ما يدل دلالة بينة على أن المراد به الخلافة وذلك أن المولى كالمولى في قوله تعالى: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4] فبين أن الرسول ولي المؤمنين وأنهم مواليه أيضا كما بين أن الله ولي المؤمنين وأنهم أولياؤهم وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فالموالاة ضد المعاداة وهي تثبت من الطرفين وفي الجملة فرق بين الولي والمولى ونحو ذلك وبين الوالي فباب الولاية التي هي ضد العداوة شيء وباب الولاية التي هي الإمارة شيء، والحديث إنما هو في الأولى دون الثانية والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل من كنت واليه فعلي واليه. (5)
ثالثاً: استدلوا بحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك واستخلف عليا فقال أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي) (6)
والجواب: كان ذلك الحديث في غزوة تبوك التي لم يتخلف عنه صلى الله عليه وسلم فيها إلا النساء والصبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج أو من هو منافق، وتخلف الثلاثة الذين تاب الله عليهم، و لم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم كما كان يستخلف عليهم في كل مرة، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة ... فلهذا خرج إليه علي رضي الله عنه يبكي و قال أتخلفني مع النساء والصبيان، فكان قول النبي صلى الله عليه وسلم مبينا أن جنس الاستخلاف ليس نقصا ولا غضا إذ لو كان نقصا أو غضا لما فعله موسى بهارون، ولم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون لأن العسكر كان مع هارون و إنما ذهب موسى وحده.
وقول القائل هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا، هو كتشبيه الشيء بالشيء، وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه السياق لا يقتضي المساواة في كل شيء إذ المراد التشبيه في أصل الاستخلاف. (7).
رابعاً: استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:(الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وأبوهما خير منهما)، قالوا: وصحة هذا الخبر إما لأنه متواتر على رأي عندهم وإما متلقى بالقبول على آخر، ولأن العترة أجمعت على صحته وإجماعهم حجة وهو نص صريح في إمامتهما وفيه أيضاً (نص صريح) بأن علياً عليه السلام إمام.اهـ
الجواب: هذا الحديث الأخير الذي استدلوا به على إمامة الحسن والحسين وعلي رضي الله عنهم لا يوجد في كتب الحديث، ولو كان صحيحاً لما أخر الزيدية الاستدلال به، والاستدلال بإجماع العترة فيه نظر، ثم هو ظني عند كثير من الزيدية. (8)
قال القرطبي صاحب المُفهم رادا على جميع القائلين بالنص: وكل ذلك أقوال باطلة قطعًا؛ إذ لو كان ذلك لكان المهاجرون والأنصار أعرف بذلك، فإنهم اختلفوا في ذلك يوم السَّقيفة، وقال كل واحد منهم ما عنده في ذلك من النظر، ولم يَنقل منهم أحدٌ نصًّا على رجل بعينه، ولو كان عندهم نصٌّ لاستحال السكوت عليه في مثل ذلك الوقت العظيم، والخطب المهم الجسيم، والحاجة الفادحة، مع عدم التقية والتواطُؤ من ذلك الجمع على الكتمان. (9)
خامساً: يستدلون بالإجماع المركب على صحتها في أولاد فاطمة بقولهم: الأمة أجمعت على صحتها فيهم ولم تُجمع على صحتها في قريش لخلاف أهل البيت، وسمي مركباً لأنه مركب من إثبات الأقل ونفي ما سواه، ومما استدلوا به على مذهبهم مزيد اختصاص أولاد الحسنين رضي الله عنهما بالانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبما ورد من الأدلة على فضل أهل البيت.
الجواب: على فرض صحة الإجماع المركب: فإنه يدل على صحتها فيهم ولا يستلزم نفيها عن غيرهم وهو المطلوب، ثم الزيدية لا يرون صحة الإجماع على القرشية وعليه فيبطل إجماعهم المركب. (10)
وأما استدلالهم بإجماع أهل البيت فإجماعهم مختلف في حجيته بينهم،(11) ولا تقول جماهير العلماء بحجيته، وأهل البيت موزعون في كل مذهب وليسوا محصورين في الزيدية، وعلى فرض حجيته كما يصورونه هم، فلا تصح دعوى الإجماع لوجود الخلاف بين الزيدية أنفسهم فقد قال بعضهم بالإمامة في غير أولاد فاطمة، فقد روى محمد بن منصور في الجامع عن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي أنه قال: (الدعوة إلى الرضى من آل محمد. قلت: من ولد الحسنين؟ قال: نعم أو من ولد جعفر بن أبي طالب أو من ولد العباس بن عبد المطلب ...) (12)
وأما استدلالهم بمزيد اختصاصهم بالنسب فليس دليلا على انحصار الإمامة فيهم، لأن الإمامة لا تستحق بالإرث إجماعاً عندنا وعندهم.
وأما أدلة فضل أهل البيت فلا دليل فيها على الشرطية ولا الأولوية، لأن إثبات فضيلة جماعة معينة أو قبيلة بأدلة خاصة بهذا النوع من الناس لا يلزم منه تفضيل أفرادهم على غيرهم، لأن هذه الأدلة خاصة النوع وخاصة النوع لا يتحقق وجودها إلا في الجميع لا في كل فرد، والإمامة إنما تكون في فرد، ولهذا لم يستدل بها أغلب الزيدية على أحقية رأي أفراد أهل البيت. (13)
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

---------------------------------------------------

(1) انظر: الاصباح على المصباح (1 / 120-126) نسخة الكترونية.
(2) تفسير ابن كثير / دار طيبة (3/ 139).
(3) كتاب الإيضاح في شرح المصباح (1/ 266، 299) نسخة الكترونية.
(4) انظر: سنن الترمذي (5/ 633) برقم: ( 3713) سنن ابن ماجه (1/ 45) برقم: ( 121) وغيرهما، والحديث تنازع الناس في صحته وممن ضعف الحديث الإمام أحمد والبخاري وإبراهيم الحربي وابن حزم والزيلعي، وحسنه الترمذي. وانظر: منهاج السنة النبوية (7/ 319) وتخريجات (مسند أحمد) طبعة الرسالة (17/ 157).
(5) انظر: صحيح البخاري (4/ 1602) برقم: (4154) .
(6) انظر: منهاج السنة النبوية (5/ 69)،(7/ 328-330) بتصرف يسير.
(7) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/108، 177) الفصول اللؤلؤية(ص246-247) وهداية العقول (1/492 ، 509، 526).
(8) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (12/ 72).
(10) انظر: الفصول اللؤلؤية(ص246-247) وهداية العقول (1/492 ، 509، 526).
(11) انظر: ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار للجلال ومعه حاشية ضوء النهار لابن الأمير الصنعاني (7/707- 709) والروض النظير (5/25).
(12) انظر: حاشية ضوء النهار لابن الأمير الصنعاني مع ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار للجلال(7/709 - 711). ورفع النقاب عن تنقيح الشهاب تأليف: الحسين بن علي بن طلحة الرجراجي ثم الشوشاوي السِّمْلالي (المتوفى: 899هـ) (1/ 145) تحقيق: د. أَحْمَد بن محمَّد السراح، د. عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين، الناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1425 هـ - 2004 م.