arrow down

الأعذار المبيحة للتخلف عن صلاة الجمعة والجماعة

بقلم فضيلة البروفيسور/ الأمين الحاج محمد ( رئيس رابطة علماء المسلمين )

وردت أحاديث كثيرة في فضل صلاة الجماعة وفي التحذير والتهديد عن التخلف عنها من غير عذر. من ذلك قوله صلى اهاع عليه وسلم: (صلاةالجماعة أفضل من صلاة الفذ -المنفرد- بسبع وعشرين درجة) متفق عليه.
وعن عبدالله بن أم مكتوم المؤذن قال: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام -الأفاعي والعقارب-والسباع – الكلاب – فقال رسول الله صلى اهة عليه وسلم: (تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح، فَحَيِّهلا) أبو داود والنسائي وابن ماجة واسناده صحيح.
وعن أبي هريرة رضي اه و عنه قال: قال رسول الله صلى اه(ر عليه وسلم: (ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً) متفق عليه.
حكم صلاة الجماعة
اختلف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة على أقوال هي:-
1. الجماعة شرط في الصلوات المكتوبة، كما أنها شرط في الجمعة، وهذا ما ذهب إليه الظاهرية.
2. الجماعة واجبة: عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور.
3. الجماعة سنة مؤكدة: الجمهور: أبو حنيفة، ومالك وغيرهما.
4. الجماعة فرض كفاية: الشافعية.
الذي يترجح لدي من هذه الأقوال أنها واجبة ولا يحل التخلف عنها إلاّ لعذر. يدل على ذلك ما صح عن أبي هريرة رضي اهلا عنه أن رسول الله صلى اهعن عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده، لقد هممتُ أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم) متفق عليه.
وعن ابن مسعود رضي اه، عنه قال: “من سره أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلاّ منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به، يهادى – يتمايل- بين الرجلين حتى يقام في الصف” مسلم رقم [256].
الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمع والجماعة [انظر المجموع جـ4/203-206]
قال النووي رحمه الله: (قال أصحابنا تسقط الجماعة بالأعذار، سواء قلنا إنها سنة، أم فرض كفاية، أم فرض عين، لأنا وإن قلنا إنها سنة، فهي سنة متأكدة يكره تركها، كما سبق، فإذا تركتها لعذر زالت الكراهية).
عن عِتْبان بن مالك رضي اهره عنه أنه أتى رسول الله صلى اهها عليه وسلم ،قال: يا رسول الله! إني قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، وإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، ولم أستطع أن آتي مسجدهم، فأصلي لهم. وددت أنك يا رسول الله تأتيني فتصلي في مُصَلى، أتخذه مصلى. قال: قال رسول الله صلى اهي، عليه وسلم: (سأفعل إن شاءالله) قال عِتْبان: فغدا رسول الله وأبوبكر الصديق حين ارتفع النهار. فاستأذن رسول الله فأذنت له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: ” أين تحب أن أصلي من بيتك؟ قال: فأشرت إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله فكبر، فقمنا وراءه، فصلى ركعتين ثم سلم”) متفق عليه.
قال أبوالعباس القرطبي المالكي:(وفي هذا الحديث أنه أباح له الصلاة في بيته لتحقق عذره، ولأن مثل هذا لا يقدر على الوصول مع الأمطار وسيل الوادي، وكونه أعمى. وهذا بخلاف عذر الأعمى الذي في حديث أبي هريرة المتقدم إذ قال له: “لا أجد لك رخصة”.
وقد تقرر الإجماع المتقدم: على أن من تحقق عذره أبيح له التخلف عن الجماعة والجمعة). المفهم جـ2/283.
وقال القرطبي معلقاً على حديث ابن عمر وابن العباس الذي جاء فيه “صلوا في بيوتكم” في حال المطر: (وظاهر هذين الحديثين: جواز التخلف عن الجماعة والجمعة للمشقة اللاحقة من المطر والريح والبرد، وما في معنى ذلك من المشاق المحرجة في الحضر والسفر، وهذا في غير الجمعة.
وأما في الجمعة ففيه إشكال إذ ليس غيرها بواجب – يعني الجماعة فيها – على أصولنا.
وقد اختلف الناس في جواز التخلف عنها لعذر المطر والوحل: فذهب أحمد بن حنبل إلى جواز التخلف عنها للمطر الوابل، وبمثله قال مالك في المطر الشديد والوحل. في أحد القولين عنه. وروي عنه أنه لا يجوز. وحديث ابن عباس حجة واضحة على الجواز.
وعلى القول بالجواز عن مالك: تترك لعذر تمريض المشرف على الهلاك القريب، والزوجة، والمملوك. وقال ابن القاسم: ولجنازة أخ من إخوانه ينظر في أمره. وقال ابن حبيب: ولغسل ميت عنده. المصدر السابق صـ339.
وقال الزين العراقي معلقاً كذلك على حديث ابن عمرو ابن عباس السابق: ( فيه الرخصة في التخلف عن مسجد الجماعة لعذر، وهو كذلك. قال ابن بطال: أجمع العلماء أن التخلف عن الجماعة في شدة المطر، والظلمة، والريح، وما أشبه ذلك مباح.) كتاب طرح التثريب في شرح التقريب جـ2/318.
والأعذار هي:
1. المطر: لما صح عن ابن عمر أن رسول الله صلى اهلت عليه وسلم: (كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: ألا صلوا في الرحال) متفق عليه. والرحال هي المنازل.
قال النووي: (واتفق أصحابنا على أن المطر وحده عذر، سواء كان ليلاً أو نهاراً).
2. الوحل: الراجح أنه عذر وحده ولو لم يكن مصحوباً بمطر، سواء كان بالليل أو النهار.
3. البرد الشديد: عذر ليلاً كان أم نهاراً.
4. الحر الشديد: عذر في الظهر فقط.
5. الثلج: سقوطه إن بل الثوب.
6. الريح الباردة: عذر بالليل سيما في الليالي المظلمة دون النهار.
7. إذا حضر الطعام ونفسه تتوق إليه سواء كان صائماً أم لا.
8. إذا كان يدافعه الأخبثان: البول والغائط. لما صح عن عائشة رضي الله عنها قالت: “سمعت رسول الله صلى اه ت عليه وسلم يقول: “لا صلاة بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان” مسلم.
وعن عبدالله بن أرقم وكان يؤم أصحابه، فحضرت الصلاة يوماً، فذهب لحاجته، ثم رجع فقال:سمعت رسول الله صلى اهه، عليه وسلم يقول:”إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة” سنن الترمذي رقم [852]وقال محققه: صحيح.
قال النووي:(قال أصحابنا – الشافعية -: يكره أن يصلي في هذه الأحوال، وقد سبقت المسألة في آخر باب ما يفسد الصلاة مبسوطة. وحضور الشراب الذي يتوق إليه من ماء وغيره كحضور الطعام. ومدافعة الريح كمدافعة البول والغائط.)
قلت: إن كانت المدافعة خفيفة لا تؤثر في خشوعه في صلاته صلى، أما إن كان محصوراً أو حاقناً فلا يصلي حتى يقضي حاجته والله أعلم.
9. المرض الذي يشق معه شهود الجماعة لا كصداع يسير، ووجع ضرس، وحمى خفيفة.
10. إن كان ممرضا لمريض يخشى ضياعه سواءً كان قريباً له أو كانت هذه مهنته كالأطباء والممرضين ونحوهم. إن لم يكن له أحد غيره يتعهده. أما إن كان هناك من يتعهده ولكن يتعلق قلبه بهذا القريب فقولان لأهل العلم.
قال النووي:(سواءً كان هذا المريض قريباً، أوصديقاً، وكذلك إن كان غريباً لا معرفة له به وخاف ضياعه)
11. أن يكون له قريب أوصديق أوغريب ضائع يخاف موته، قال الإمام الشيرازي وهو يعدد الأعذار المبيحة للتخلف عن الجماعة:(ومنها أن يكون قريب مريض يخاف موته، لأنه يتألم بذلك أكثر مما يتألم بذهاب المال).
12. أن يكون خائفاً على نفسه، أو ماله، أو أهله. روى أبوداود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى اه ن عليه وسلم قال: (من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلاّ من عذر، وقالوا: يا رسول الله وما العذر؟ قال خوف أو مرض) سكت عنه. أبو داود رقم [551]
قال النووي: (رواه أبو داود وغيره وفي إسناده رجل ضعيف مدلس ولم يضعفه أبو داود).
وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود جـ1/164: (صحيح: دون جملة العذر)
قال النووي وهو يعدد الأعذار المبيحة للتخلف عن الجماعة: (ومنها أن يخاف على نفسه، أو ماله، أوعلى من يلزمه الذب عنه، من سلطان، أو غيره، ممن يظلمه. أو يخاف من غريم له يحبسه أو يلازمه وهو معسر، فيعذر بذلك. ولا عبرة بالخوْف ممن يطالبه بحق وهو ظالم في منعه، بل عليه توفية الحق والحضور. قال أصحابنا: ويدخل في الخوف على المال ما إذا كان خبزه في التنور وقدره على النار، وليس هناك من يتعهدهما. وكذا لو كان له عبد فأبَقَ – شرد -، أو دابة فشردت، أو زوجة نشزت، أو نحو ذلك ويرجو تحصيله بالتأخر له.
قال الشافعي والأصحاب: ومن الأعذار أن يكون عليه قِصاص، ولو ظفر به المستحق لقتله، ويرجو أنه لو غيَّبَ وجهه أياماً، لذهب جزع المستحق وعفا عنه مجاناً. أو على مال فله التخلف بذلك وفي معناه حد القذف. قال الشافعي والشيخ أبوحامد -الغزالي- والبندنيجي، وسائر الأصحاب: فإن لم يرجُ العفو لو تغيب لم يجز التغيب ولم يكن عذراً. واتفقوا على أنه لا يعذر من عليه حد شرب أوسرقة، أو حد زنا بلغ الإمام. وكذا كل مالا يسقط بالتوبة.
13. أن يكون عارياً لا لباس له.
قال النووي: (فيعذر في التخلف سواء وجد ساتر العورة أم لا. لأن عليه مشقة في تبذله بالمشي بغير ثوب يليق به.
14. من أكل طعاماً أو شرب شراباً ذا رائحة كريهة كالبصل والثوم غير مطبوخين والكراث وما شابهها، ولم يتمكن من إزالة الرائحة بغسل أو معالجة.
عن جابر رضي اهائ عنه قال: قال رسول الله صلى اهير عليه وسلم: “من أكل من هذه الشجرة”، قال في يوم “الثوم” ثم قال: “الثوم والبصل والكراث – فلا يقربنا في مساجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس”). سنن النسائي رقم 707 وقال: محققهُ: صحيح.
قلت: يلحق بالبصل والثوم والكراث كل ماله رائحة كريهة كالسمك خاصة [الفسيخ والتركين والدخان والشيشة].
15. قال النووي: (ومنها غلبة النوم والنعاس، إن انتظر الجماعة فهوعذر).
قلت: النوم عذر عن التخلف عن الجماعة لمن كان حريصاً عليها خاصة صلاة الغداة: أما من كانت عادته التخلف عنها بسبب النوم فلا يعذر بذلك.
16. الزلزلة: لا شك أنها عذر عن التخلف عن الجماعة.
وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم أجمعين وعلى آله وصحبه والتابعين.