arrow down

دور العلماء في زمن التمزق والضعف

بقلم فضيلة د. محمد بن سليمان العبدة ( عضو رابطة علماء المسلمين )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
أهمية العلماء
أبدأ بنقل كلام للعلامة ابن باديس ( نعم ليس لنا ــ والحمد لله ــ في الاسلام بعد محمد صلى الله عليه وسلم شخص مقدس الذات والقول تدعى له العصمة ويعتبر قوله تنزيلاً من حكيم حميد ، ولكن لنا جماعة المسلمين ، وهم أهل العلم والخبرة الذين ينظرون في مصالح المسلمين ، ويصدرون عن تشاور ، وهذه الجماعة بعيدة كل
( 1 )
البعد عن تدخل الحكومات لا الاسلامية ولا غيرها "
ويقول أيضاً : " لا يصلح المسلمون الا اذا صلح علماؤهم لأنهم بمثابة القلب للأمة ، ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم " .
وأنقل أيضاً لأخيه العلّامة البشير الابراهيمي :
" جرّبت الأمة الاسلامية ــ بعد الصدر الفاضل ــ أنواعاً من القيادة فما كانت عواقبها لا عقوبات ، واستشرف المسلمون الى هداة وحداةٍ من علماء الدين ، حتى يردّوا هذا السواد المنتشر المتخبط في داجية من الضلال في الدين والدنيا الى
( 2 )
الحظيرة الجامعة ، والقلعة المنيعة " . والحقيقة هي أن الأمة الاسلامية عامة لم تكن في أي عصر من العصور مهددة في كيانها وممزقة شر تمزيق كما هي اليوم وعلى العلماء أن يملكوا التفسير الاسلامي لهذه الأوضاع وما هو سبب هذه الأوضاع، ويكونوا هداة وحداة للحل ولو من حيث البدء ، فهم أهل العلم وهم حراس المنهج ، وكما يقول ابن أبي الضياف ( وعالم رام الصعاب فأخذ بنواصيها وقرّب قاصيها ، يعدل عن القشر إلى اللباب ويفتح للحرج
( 3 )
المدفوع أحسن باب ، بسياسة شرعية أساسها المصلحة المرعية "
وفي حال الأمة اليوم وأنتم تعرفونه وتكابدونه ما هو واجب الوقت ؟ أرى وفي هذا الوقت حيث التفرق والتشتت واستيلاء الاستبداد والهجوم الخارجي السياسي والثقافي ، لا بد من العودة الى نشر العلم والدعوة الى الله بأساليب وموضوعات نتفق عليها فالملاحظ هو هشاشة هذه الشعوب أمام الأخطار الداخلية والخارجية ، بل هشاشة بعض المتعلمين وتخبطهم إزاء ما يجري على الساحة العربية خاصة .
يقول ابن تيمية : ( ولهذا مضت السُّنة بأن الشروع في العلم والجهاد يلزم ، كالشروع في الحج ( ما حفظه من علم الدين ليس له اضاعته )
وكذبهم ( العلماء ) في العلم من أعظم الظلم وكذلك إظهارهم للمعاصي والبدع التي
( 4 )
تمنع الثقة بأقوالهم هي من أعظم الظلم )
ويقصد شيخ الاسلام أن العلماء أضاعوا مركزهم حين أضاعوا الفضائل الكبرى للعالِم : الشجاعة والعفة والصبر وحين خدعهم أمراء السوء في السير في ركابهم وتبرير أعمالهم .
وإذا أردنا الاستفادة من التاريخ ، من الماضي في حالة تشبه حالتنا ، فإن العلماء في الاندلس أثناء المحنة والابتلاء ببدء سيطرة النصارى على المدن الاسلامية وابتلاعها واحدة بعد الاخرى قاموا بالواجب المطلوب حينها .
ففي أثناء التدهور اعتصم الناس بعد الله سبحانه بالعلماء وكان لوجودهم في نواحيهم أبعد الأثر في تثبيت القلوب والمحافظة على ما بقي من جمهور المجتمعات الاسلامية ، فالقاضي أبو الوليد الباجي يقوم بزيارات لأبرز ملوك الطوائف لمحاولة اقناعهم بمسالمة بعضهم لبعض وتوحيد الأندلس كان ذلك عام ( 426 )هـ والقاضي ابن رشد ( الجد ) كان الناس يلجأون اليه في مُهماتهم وهو الذي ذهب للمغرب ( موفداً من العلماء ) طلباً للنُصرة من علي بن يوسف بن تاشفين .
وفي النصف الثاني من القرن السادس الهجري انصرف العلماء الى القرآن الكريم والحديث وكأنهم علموا أن لا بد من ارجاع الناس مباشرة الى القرآن والسنة .
فهذا عبد الرحمن بن حُبيش من أهل ( شارقة ) طوّف بالأندلس يدرس ويقرأ ، ثم عاد إلى المرية ثم إلى جزيرة شُقر ، قال ابن الأبّر ، وكان آخر أئممة المحدّثين بالمغرب وقد كثُر في هذه الفترة التأليف في السيرة وأخبار الصحابة فكتب القاضي عياض ( الشِفا في التعريف بحقوق المصطفى ) وألّف السهيلي ( 509 ــ 581 ) الرّوْض الأُنف ، شرح سيرة ابن اسحاق وألّف ابن العربي ( العواصم في القواصم ) فهذا الاتجاه نحو السيرة يسهل تفسيره بسبب الحروب المتوالية ، كما حفِل هذا العصر بالعلماء المحدثين أكثر مما حفل بالقرون الأولى ( في الأندلس )
فقد أحصى ابن الفَرَضي علماء الأندلس خلال القرون الأربعة الأولى ( 1766 ) وأحصى ابن بشكوال من أول القرن الخامس الى منتصف القرن السادس فذكر ( 1440 )
وأورد ابن الأبار في تكملته ( 2500 ) معظمهم عاش في منتصف القرن السادس الى منتصف القرن السابع ومن شيوخ هذا العصر البارزين أبو الربيع سليمان سليمان بن موسى الكلاعي البلنسي وقد ألف في هذه الفترة ( الاكتفافي مغازي المصطفى والثلاثة الخلف ) وله كتاب عن الصحابة ، وفي هذه الأثناء كان ( خايمة الأول ) قد صار على بعد أميال من بلنسية فقرر البلنسيون الخروج الى العدو ، وكان شيخهم أبا الربيع مثلاً في شجاعة النزال ، فخرج في مقدمة الصفوف ، في معركة ( أنيشة ) واستبسل المطوعة والشيوخ واستشهد أبو الربيع ، كان ذلك في ذي الحجة ( 634 ) هـ .
إن دور العلماء عدا عن نشر العلم والقيام بالدعوة الى الله بين صفوف عامة المسلمين فإن عليهم أن يكونوا الموجهين للقوى الخيرة الموجودة والتي اتجهت نحو العمل السياسي إن وجد وكانت الأمور مستقرة والدخول في الشأن العام عدا عن التركيز مع نشر العلم والوعظ والإرشاد ، وهو بالدرجة الأولى ولكن يكن الإصلاح من خلال الشأن العام بالإكثار من الجمعيات العلمية أو الخيرية أو الثقافية ( نوادي ثقافية ) وتشجيع أصحاب الاختصاص في الدخول في النقابات المهنية ، ولتكن أكبر جمعية وأكبر مؤسسة لها التأثير والتوجيه هي جمعية العلماء ، رابطة علماء في كل قطر . ومن خلالها يكون التوجيه والتنسيق والعمل معاً ، وتفعيل الجمعيات العلمانية في كل بلد هو من أعظم الأعمال نفعاً إن شاء الله .
------------------------------------------------------------------
1- مبارك الميلي /154
2- الآثار الكاملة 2/ 308
3- اتحاف أهل الزمان 1/ 2
4- الفتاوى الكبرى 28 / 188