arrow down

قول الحق لمن علمه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق

بقلم فضيلة البروفيسور/ الأمين الحاج محمد ( رئيس رابطة علماء المسلمين )

قول الحق لمن علمه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق
“أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ” سورة التوبة

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو صمام الأمان لهذه الأمة، وهو سفينة نجاتها، ولهذا فإن كل ما أصاب الأمة الإسلامية في هذا العصر البائس سببه غياب فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وخيرية هذه الأمة مشروطة بإحيائها لهذه الشعيرة “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ باللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ” آل عمران
قول الحق والأمر به والنهي عن المنكر والظلم لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق ولهذا لا ينبغي للمسلم أن يهاب الناس ويخافهم وعليه أن يخاف ربه ويسعى لمرضاته ويحذر سخطه ومقته.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيباً، فكان فيما قال: ” ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه” فبكى أبو سعيد، وقال: والله لقد رأينا أشياء فهبنا” ابن ماجه رقم[4007] وأحمد رقم[11701]. وفي رواية قال أبو سعيد: “فحملني ذلك إلى أن ركبت إلى معاوية فملأت أذنيه ثم رجعت”.
يقول ذلك أبو سعيد، وهو من الآمرين بالمعروف والناهي عن المنكر، والقوالين للحق الجاهرين به أمام الحكام والأمراء الجورة فما كان يخشى في ذلك لومة لائم من ذلك جهره بالنصيحة وقوله للحق أمام العامة عندما أراد مروان بن الحكم أمير المدينة في عهد معاوية أن يقدم الخطبة على صلاة العيد فجبذه وقال له: لقد غيرتم. لا غرو في ذلك فأبو سعيد ممن بايع النبي صلى الله عليه وسلم على ألا تأخذه في الله لومة لائم.
عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: “بايعت النبي، أنا وأبو ذر، وعبادة بن الصامت، وأبو سعيد الخدري، وسادس على ألا تأخذنا في الله لومة لائم، فاستقال السادس فأقاله” الإصابة لابن حجر صـ491-492.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس” سنن الترمذي آخر كتاب الزهد. صحيح الجامع الصغير للألباني رقم جـ5/258 [5973].
ما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاّ النصيحة التي جعلها الرسول قوام هذا الدين حيث قال: “الدين النصيحة” قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” مسلم رقم[55] فما من أحد إلاّ وهو محتاج إلى النصح ولا بد له من أن يأمر ويُؤمروينهى ويُنهى. قال ابن تيمية رحمه الله: (وكل بشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي، حتى لو أنه وحده، لكان أن يأمر نفسه وينهاها، إما بمعروف وإما بمنكر). مجموع الفتاوى جـ28/168.
ومن فضل الله على هذه الأمة المرحومة أن الله رفع عنها الحرج ولهذا قال رسولها صلى الله عليه وسلم: “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”. مسلم رقم [49].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله قال: “ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلاّ كان له من أمته حواريون ـ خلصاء الأنبياء وأصفياؤهم ـ وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تَخْلُف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون. ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.” مسلم رقم [50].
أولى الناس قياماَ بالأمر والنهي هم ولاة الأمر من العلماء والحكام
على الرغم من أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية على كل الأمة إلاّ أنه يتأكد في حق ولاة الأمر من العلماء والحكام وقد يتعين عليهم في بعض الأحيان. ولهذا لا يحل لهم أن يتقاعسوا عن هذا الواجب ولا يفرطوا فيه خوف الخلق.
يقول الإمام ابن الوزير اليماني رحمه الله حاضاً وحاثاً إخوانه العلماء للقيام بهذا الواجب المنوط بهم: (لو أن العلماء تركوا الذب عن الحق خوفاً من كلام الخلق لكانوا قد أضاعوا كثيراً وخافوا حقيراً) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم لابن الوزير اليماني جـ1/161.
“لا خير فيمن لا ينصح للأمة”
ينبغي لمن نصح ألاّ يعنّف ولمن نُصح ألا يستنكف
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة في الجملة لها شروط من أهمها الرفق للناصح وعدم الاستنكاف والاستكبار للمنصوح له ولهذا قال سفيان بن عينيه رحمه الله: ينبغي لمن وعظ ألاّ يعنف ولمن وعظ ألاّ يأنف.
فمن قبل النصيحة أمن الفضيحة، ومن أبى فلا يلومن إلاّ نفسه.
قال بعض الحكماء: أوصيك بالنصح، نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبى إلاّ أن يحوطهم ويحفظهم.
وقال سفيان الثوري رحمه الله: (إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق). الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال 58.
لا يزال الناس بخير ما أشهروا هذه الشعيرة وجهروا بها
قيل للإمام أحمد رحمه الله: (إن عبدالوهاب الوراق ينكر كذا وكذا. فقال: ما نزال بخير ما دام فينا من ينكر هذا) مجموعة رسائل ابن رجب الحنبلي جـ1/246.
وقال ميمون بن مهران رحمه الله لِصاحب له: (قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره) الأمر بالمعروف في الإسلام للمنجد: 45.
الأمر والنهي ليس قاصراً على العدول
يمتنع البعض ويتخرج من ممارسة الأمر والنهي بحجة أنه ليس عدلاً، وأنه يقترف بعض الذنوب مستدلاً بظاهر قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ {2}كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ {3}” سورة الصف
وقوله: “أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ {44}” سورة البقرة
فالآيتان وغيرهما لا تنهيان عن الأمر والنهي وإنما نهتا عن عدم فعل الآمر بما أمر و الانتهاء لما عنه نهى وزجر.
فيجب على كل من الآمر والناهي أمران. فعلى الآمر أن يأمر وأن يفعل ما أمر به، وعلى الناهي أن ينتهى عما نهى عنه غيره فإذا فعل أحدهما ولم يفعل الآخر أثيب على ما قدم وحوسب على ما أخر.
ولهذا يقول العلماء المحققون: ينبغي لأصحاب الكؤوس أن يأمر وينهى بعضهم بعضاً.
فالكمال لله و لكتابه، والعصمة لرسله وأنبيائه، أما البشر فهم يخطئون ويصيبون.
ورحم الله الإمام الحسن البصري عندما قيل له: إن فلاناً لا يعظ، ويقول أخاف أن أقول ما لا أفعل؟! قال: و أينا يفعل ما يقول؟ وقد ود الشيطان لو ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. ولو كان الأمر والنهي على الاجتناب لرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانسد باب النصيحة التي حث الشارع عليها سيما في ذا الزمان الذي صار فيه التلبس بالمعاصي شعار الأنام ودثار الخاص والعام.) ذكره المناوي في فيض القدير جـ5/522.
ورضي الله عن أبي الدرداء القائل: (إني آمركم بالأمر وما أفعله. ولكن لعل الله يأجْر به). الآداب الشرعية لابن مفلح جـ2/50-51.
إذا لم تجد المناصحة سراً فلا حرج من الجهر بها
الأصل في النصيحة، وكذلك الأمر والنهي، أن تكون سراً للحكام والعلماء والعامة.
عن عياض بن غنم رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ” من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلاّ فقد أدى الذي عليه” مجمع الزوائد جـ5/232.
ولهذا لما قام رجل ينصح علياً وهو على المنبر قال: (لقد فضحتني ولم تنصحني.) وذلك لأن عهده كان عهد فتن.
لكن إن لم تجد المناصحة سراً في الأمور المجمع على مخالفتها للشرع، ولم يستجب الحكام لمن ينصحهم سرا،ً وإن فعلوا ذلك مراراً وتكراراً، فلا مانع من الجهر بها، بل قد يتعين الجهر بها إن لم ينتج عن ذلك مفسدة أكبر، لتبرأ ذمة العلماء الناصحين ولا يساء بهم الظن.
الأدلة على ذلك لا تحصى كثرة مما يدل على عدم مخالفة ذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم السابق فلكل مقام مقال.
وإليك بعض النماذج من سادات الصحابة وعلمائهم:
• عن عليِّ بن الحسين عن مروان بن الحكم قال: (شهدت عثمان وعلياً، فنهى عثمان عن المتعة – التمتع بالعمرة في أشهر الحج وأن يجمع بينهما – . فلما رأى ذلك عليٌّ أهل بهما. فقال: لبيك بحجة وعمرة. فقال له عثمان: تراني أنهى وأنت تفعله؟ فقال: لم أكن لأدع سنة رسول الله لقول أحد من الناس.). طبقات الشافعية للسبكي جـ3/68. وقال: قال: شيخنا أبو عبدالله الحافظ: إسناده صحيح.
• وقد جهر بالنصيحة أبو سعيد الخدري أمام العامة حين جبذ مروان بن الحكم في يوم عيد عندما أراد أن يخطب قبل أن يصلي وقال له: لقد غيرتم.
• دخل كعب بن عجرة رضي الله عنه وعبدالرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً فقال: “انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً.” مسلم جـ2/59 رقم 864.
• وعندما رأى عمارة بن رويبة رضي الله عنه بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه قال: (قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بأصبعه المسبحة). مسلم جـ2/595 رقم [874].
• العز بن عبدالسلام – سلطان العلماء – رحمه الله: (أراد بيع الحكام والسلاطين المماليك، وقال لهم: أنتم عبيد مملوكون لبيت المال فلقب بسلطان العلماء لهذا ولغيره).
• منذر بن سعيد البلوطي رحمه نصح لعبد الرحمن الناصر وهو أعظم خلفاء بني أميه بالأندلس عندما بنى قصراً عظيماً وجعل عليه قبة وصبغها بالذهب والفضة. فرآها منذر وكان خطيب الجمعة في مسجد الأمير. فقام يخطب فتطرق إلى موضوع هذه القبة والأمير قاعداً أمامه ويقول: ” أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَـــــــةً تَعْبَثُــونَ} {128″ سورة الشعراء. وجعل يستشهد بهذه الآية وبالأحاديث في ذم فعل الأمير، فعزل عن الخطبة، فعده العلماء من أجل العلماء ومن القوالين بالحق.

نكتفي بهذا القدر وفيه رد ودفع للشبه الخبيثة والآراء الخسيسة التي ابتدعها نفر من الخوارج على العلماء والمرجئة على الحكام حيث جاءوا ببدعة ما أنزل الله بها من سلطان ولم تؤثر عن علم من الأعلام وهي بدعة الخروج بالكلام.
النصيحة هدية قيمة يكافأ عليها بالدعاء
لا يعرف الحق لأهله إلاّ أهله فهاهو عمر رضي الله عنه يترحم على من أهدى إليه عيوبه قائلاً: “رحم الله امرءً أهدى إلىَّ عيوبي؛ وقال حاثاً على مناصحته وحاضاً عليها عندما قال له رجل: اتق الله يا أمير المؤمنين: لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها – أي النصيحة -“.
أخي المسلم أين أنا وأنت من هؤلاء؟
لقد تبلدت الأحاسيس، وقست القلوب، وتغيرت المفاهيم، واختلت الموازين، بسبب الغفلة وطول الأمل، وحب الدنيا، وتواطء جل المسلمين على ترك الأمر والنهي، وتشبههم بالكفار، ومشاهداتنا لكثير من الممارسات الشركية والمعاصي وسماعنا للكفر البواح والشرك الصراح.
فأين نحن من:
• سفيان الثوري رحمه الله الذي كان إذا رأى منكراً ولم يستطع إنكاره بال الدم.
• وأويس القرني رحمه الله القائل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدعا لي صديقاً.
اللهم اجعلنا من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر القوالين بالحق إنك ولي ذلك والقادر عليه والحمدلله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.