arrow down

الرئيس الكذاب

بقلم فضيلة د. عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسملين )

أشارت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية ، في الأوَّل من آذار/ مارس الجاري ، أنَّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أدلى منذ تسلُّمه منصبَ الرئاسة قبل (406) يومًا بـ (2436) كذِبة أو تصريحًا مضلِّلًا ..
*ونقول وبالله التوفيق:*
ستُّ كذِبات أوتصريحات مضلِّلة مكتشفة في اليوم الواحد لرئيس أقوى دولة في عصرنا هذا ، وأمَّا ما لم يُكتَشف _ أو يُكشَف عنه – فلَكَ أن تُطلِق سراح عنان فكرك في تخيُّله ؛ وقد أخبرنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلَّم- عن خطورة موقف الملك الكذَّاب بين يدِه عزَّ وجلَّ وإن كان مسلمًا - فكيف إذا جمع إلى كذبه : الكفر وسفك الدماء والإجرام العظيم - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - : « ثلاثة لا يُكلِّمهم اللهُ يوم القيامة ولا يُزكِّيهم ولا يَنظُرُ إِلَيهم وَلَهم عذابٌ أليمٌ : شَيخٌ زانٍ ، ومَلِكٌ كذَّاب ، وعائلٌ مستكبر ». [رواه مسلم (107)] .
وكذَّاب على وزن فَعَّال - وهذه صيغة مبالغة - أي : كثير الكذب ، وهو مع ذلك ملِك ، أي ليس به حاجة للكذب فهو الآمر النَّاهي في مملكته ؛ يستطيع بكلِّ يُسرٍ أن يأمر النَّاس بما يشاء فيستجيبون له لقوَّته ، فليس ثمة ما يدعوه إلى الكذب ..
والكذب من شرِّ الأخلاق ولذا فهو لا يجتمع مع الإيمان .. ؛ عن سعد بن أبي وقَّاص أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلَّم - قال : «المؤمن يُطْبَعُ على كلِّ خُلَّةٍ غير الخيانة والكذب» . [أخرجه البزار (1139) وغيره وقوَّى سنده الحافظ في الفتح (10/508)، ورواه ابن أبي شيبة (26116) بسندٍ صحيح عن عبد الله بن مسعود موقوفًا] .
والكذب من علامات المنافق ؛ عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلَّم - قال : «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» . [رواه البخاري (33) ومسلم (59)] .
ورغم القوَّة الماديَّة للولايات المتَّحدة الأمريكية - التي يحكمها ترامب – واتساع سلطتها وكثرة عملائها من الرؤساء والكبراء قبل الضعفاء نجده يستكثر من الكذب .. فلماذا يكذِب ترامب ويُضلِّل الناس ؟ ولماذا لا يكذِب على المسلمين كما يكذِب على غيرهم ؟
الحقُّ أنَّه لا عجبَ من كذب ترامب ، وجواب السؤال المذكور أوَّلاً يعرفه كلُّ مطَّلعٍ على واقع البشرية اليوم ؛ فهو رئيس دولة تمتلك القوة الماديَّة - العسكريَّة خصوصًا - ولكنَّ حقيقتها الضعف والتحلُّل ..
الأمَّة الأمريكية – والغرب بصفة عامَّة - أمَّةٌ ذاهبةُ القِيَم والمبادئ أنهكتها الشهوات والعربدة ؛ لا همَّ لهم - في معظمهم - إلَّا جمع المال وإنفاقه على ملذَّاتهم ، حتى أبناءهم فقدوا كلَّ عطفِ وحنانِ الأبوَّة والأمومة في ظلِّ تفكُّك الأسرة .. فصار عامَّةُ الشعب لا يعرف أيَّ نوعٍ من أنواع العاطفة والعطاء دون مقابل . ومكارم الأخلاق - التي تُبنَى عليها الأمم – افتُقِدَت ورُدِمَت تحت هدم ضربات معاول الماديَّة والإباحيَّة ..
في القرن الماضي وقبل عقود قليلة سافر رجلٌ مسلمٌ إلى الغرب فرجع فقال مقولةً طارت بها الركبان - نتعمَّد تجاهلَ اسمه ، ونصَّ عبارته - ومفادُها : أنَّه وَجَد في الغرب أخلاقَ وقِيم الإسلام بلا مسلمين ، بينما في بلاد الإسلام يُوجَد مسلمون بلا إسلام ..
فماذا لو أطلَّ هذا الشخص من قبره اليوم ليطَّلع على الغرب بماديَّته وإباحيَّته وعموم فساده وكذب رؤسائه وتضليلهم ؟!!
لقد سيطر اليهود على نواصي الغرب في العقود الأخيرة فربَّوهم شرَّ تربية ، وزرعوا فيهم كلَّ بلاء حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه اليوم من انحلال وتفسُّخٍ وإجرام ، وانعدام مكارم الأخلاق التي بفقدها تنتهي الأمم ؛ كما قال شوقي :
*إنَّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيَتْ*
*فإنْ همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذَهبوا* ..
وقد يقول قائل : وبلاد المسلمين أيضًا لم تسلَم مما ذكرتَ من فسادٍ وانحراف !!
*والجواب* : نعم ؛ ولكنَّ بلاد المسلمين مازالت قِيَمها محفوظة بحفظ كتاب الله - عزَّ وجلَّ - وسنَّةِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلَّم - ورجوع الناس لدينهم متوقَّع ؛ بل ويحدث كلَّ يوم بأعدادٍ لا حصرَ لها فضلًا عن دخول الكثير من الكفَّار يوميًّا في دين الله - عزَّ وجلَّ - ..
وأيضًا أخبرنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلَّم - عن استمرار طائفةٍ من المسلمين بالقيام بأمر الله عزَّ وجلَّ ؛ كما في حديث معاوية - رضي الله عنه - قال سمعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلَّم - يقول : «لا يزال من أمَّتي أمَّةٌ قائمةٌ بأمر الله لا يضرُّهم مَن خَذَلهم ولا مَن خالَفهم حتى يأتيَهم أمرُ الله وهم على ذلك » . [أخرجه البخاري (1331) ومسلم (1037)].
وهذه الطائفة ظاهرة في الكثير من المجاهدين والعلماء وطلبة العلم والدُّعاة وعموم أهل الصلاح ، وهم ولله الحمد كثير - نسبيًّا - يقارعون الشرَّ ليلَ نهار ..
وواقع ترامب الكذَّاب أنَّه يكذب على كلِّ طوائف البشر ولا يكذِب على المس
لمين ؛ بل يواجههم بما يسوؤهم - مِن قَبل ترشُّحه وإلى يومنا هذا - وسبب هذا واضح جدًّا ؛ فهو لا يكذب إلَّا على الأقوياء الذين يخاف ضررًا ما من قبلهم ، وأما مَن يستضعفهم فلا قيمةَ لهم عنده ؛ لا سيما حكَّامهم الذين هم بمثابة مدراء شرطة أو بلديَّات ؛ فهم الذين يسارعون في تنفيذ أوامره بكلِّ تفانٍ ؛ حتى إنَّه ليعجب مما يفعلوه زائدًا عن طلباته ..
وآفةُ المسلمين في زماننا هذا ليست مقتصرة على حكَّامهم الطواغيت وحسب ؛ بل في منافقي وحمقى وسفهاء المحكومين الذين يؤيِّدون كلَّ كفرٍ وفسادٍ وإجرامٍ يقوم به حكَّامهم من غير تفكيرٍ .. {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ . مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ . لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [ الأنبياء/1-3] .
وما السيسي – حاكم مصر الطاغوت - منَّا ببعيد ؛ فرغم عمالته الظاهرة لليهود والنصارى وكلِّ معادٍ للدِّين ، ورغم انحدار مصر في هاويةٍ سحيقةٍ في كافَّة المجالات في عهده ؛ نجد مَن يدعم ترشيحَه لفترةٍ أخرى ؛ بل وبعض ذوي اللِّحى المدَّعين للالتزام بالكتاب والسنَّة - وهم أجهل الناس بهما - يفعل أولئك ما يفعلونه نابذين نصح الناصحين وشفقة المشفقين ، وليتهم إذ فعلوا ذلك عزوه للإكراه وعدم القدرة ؛ بل ذهبوا يؤصِّلون لكلِّ بلاياهم ، وكأنَّهم بنصرة الفاجر السيسي يجاهدون في سبيل الله - عزَّ وجلَّ - ..
والسيسي وترامب لا ندري أيُّهما أكذب ، كما لا ندري مَن منهما قدوةُ الآخر في ذلك وفي عداوة المسلمين ..
عن أم سلمة - رضي الله عنها - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - قال : «ستكونُ أمراءُ فتعرفون وتُنكِرون، فمَن عَرَف برئَ ومَن أنكر سَلِم؛ ولكن مَن رَضِي وتابَع» ... [رواه مسلم (1854)] .
قال النَّووي :
معناه : مَنْ كَرِهَ بِقَلْبهِ وَلَمْ يَسْتَطِعْ إنْكَارًا بِيَدٍ وَلا لِسَانٍ فقَدْ بَرِىءَ مِنَ الإِثْمِ ، وَأَدَّى وَظيفَتَهُ ، وَمَنْ أَنْكَرَ بحَسَبِ طَاقَتِهِ فَقَدْ سَلِمَ مِنْ هذِهِ المَعْصِيَةِ ، وَمَنْ رَضِيَ بِفِعْلِهِمْ وَتَابَعَهُمْ فَهُوَ العَاصِي .اهـ [رياض الصالحين (1/148)] .
فليحذر المسلمون من الرضى والمتابعة لطواغيت الزمان ..

ردَّ اللهُ - عزَّ وجلَّ - عبادَه إلى الحقِّ ردًّا جميلًا .