arrow down

رُؤْيَتِي فِي مَسِيرَةِ الْعَوْدَةِ

بقلم فضيلة أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )
بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَبَعْدُ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الْحَجُّ:40].
أَيُّهَا الْأَهْلُ الْكُرَمَاءُ فِي رُبُوعِ فِلَسْطِينَ الشَّمَّاءَ الَّتِي بَارَكَ اللهُ فِيهَا لِلْعَالَمِينَ:

إِنَّ سُنَّةَ التَّدَافُعِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ بِقَدْرِ وُسْعِ أَهْلِ الْحَقِّ وَطَاقَتِهِمْ، وَضِمْنَ الْمُتَاحِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، لَهِيَ وَسِيلَةٌ فِي حِفْظِ دُورِ الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ عُنْوَانُ حِفْظِ الدِّينِ فِي حَيَاةِ الْأُمَّةِ، وَطَرِيقَةٌ حَتْمِيَّةٌ لَا تُخْطِئُ فِي تَحْقِيقِ النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ، وَحُصُولِ مَعِيَّةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْقَوِيِّ الَّذِي لَا يَضْعُفُ، وَالْقَدِيرُ الَّذِي لَا يَعْجِزُ، وَالْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ.

وَلَقْدْ رَأَيْتُ أَنَّ مَسِيرَةَ الْعَوْدَةِ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ التَّدَافُعِ الَّتِي فِيهَا تَجْذِيرُ الْحَقِّ فِي قُلُوبِ الْجِيلِ أَنَّ فِلَسْطِينَ هِيَ أَرْضُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ سِوَاهُمْ حَقٌّ فِي شِبْرٍ مِنْ مِسَاحَتِهَا، وَلَا ذَرَّةٍ مِنْ تُرَابِهَا، وَإِبْقَاءُ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ حَاضِرَةً فِي صُدُورِ الْأَبْنَاءِ وَالْأَحْفَادِ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ وَالدُّهُورِ.

وَأَنَّهَا ذَاتُ أَثَرٍ فِي لَمِّ شَعَثِ الْأُمَّةِ، وَتَحْقِيقِ وَحْدَتِهَا، وَنَبْذِ فُرْقَتِهَا، وَتَضَافُرِ جُهُودِهَا، وَتَسْخِيرِهَا نَحْوَ نُصْرَةِ قَضِيَّتِهَا، وَتَحْقِيقِ طُمُوحِ أَجْيَالِهَا الْكُلِّيَّةِ.
وَأَنَّهَا وَسِيلَةٌ عَزِيزَةٌ عَظِيمَةُ التَّأْثِيرِ فِي ثَنْيِ الْمُتَجَبِّرِينَ مِنَ الطُّغَاةِ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي فَرْضِ صَفْقَةِ الْقَرْنِ، الَّتِي تَرْمِي إِلَى إِيْجَادِ وَطَنٍ بَدِيلٍ لِكَثِيرٍ مِنَ الْفِلَسْطِيْنِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الضِّفَةِ وَالْقِطَاعِ، إِذْ مِمَّا يُدْرَكُ بِبَدَاهَةِ الْعُقُولِ أَنَّ شَعْبَاً ثَارَ مُسْتَعِدَّاً لِتَحَمُّلِ كُلِّ التَّبِعَاتِ حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ إِزْهَاقَاً لِلرُّوحِ، وَهَلَاكَاً لِلْمَالِ، وَحَبْسَاً لِلْحُرِّيَّةِ؛ فَإِنَّهُ مُسْتَعِدٌّ بِالْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ هَذِهِ التَّضْحِيَاتِ أَمَامَ مَنْ يُحَاوِلُ خَلْعَهُ مِنْ قَلِيلِ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ عَزِيزَتِهِ وَغَالِيَتِهِ فِلَسْطِينَ.
وَأَنَّهُ مِمَّا يُدْرَكُ بَدَاهَةِ الْعُقُولِ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَقْنَعْ بِهَذَا الْقَلِيلِ مِنْ أَرْضِهِ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي مَسِيرَتِهِ يُعْلِنُ سُخْطَهُ عَلَى الْبُؤْسِ وَالْحِرْمَانِ وَتَصْمِيمَهُ عَلَى الْعَوْدَةِ إِلَى أَرْضِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ لَهُوَ أَبْلَغُ رِسَالَةٍ لِكُلِّ الطُّغَاةِ الْمُتَجَبِّرِينَ أَنَّ الْفِلَسْطِيْنِيَّ عَصِيٌّ عَلَى التَّرْوِيضِ بِقَبُولِ صَفْقَةِ الْقَرْنِ أَمَامَ كُلِّ الْمُغْرِيَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ.
وَأَنَّهَا شَدَّتْ وَلَاءَ الْفِلَسْطِيْنِيِّينَ، وَأَعَادَتْ لُحْمَتَهُمْ إِلَى الصَّدَارَةِ وَإِنْ بَاعَدَتْ بَيْنَهُمُ الْمَسَافَاتُ فِي مُخَيَّمَاتِ الْلُّجُوءِ وَالشَّتَاتِ، وَفِي كُلِّ أَسْقَاعِ الدُّنْيَا وَهَذَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعَمِّقَ الْوَلَاءَ، وَيُنْشِئَ النُّصْرَةَ بِأَبْهَى الْمَعَانِي وَالصُّوُرِ.
وَأَنَّهَا أَبْرَقَتْ بِرِسَالَةٍ بَلِيغَةٍ إِلَى شُعُوبِ الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ وَالْإِسْلَامِيِّ وَالْأَحْرَارِ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ إِنْ حِيْلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ جَيْئَتِكُمْ لِتَحْرِيرِ فِلَسْطِينَ، وَالْكَيْنُونَةِ فِي رُبُوعِهَا وَالتَّعْبِيرِ عَنْ رَفْضِكُمْ، وَسُخْطِكُمْ لِلْمُمَارَسَاتِ الظَّالِمَةِ مِنَ الْعَدُوِّ الْغَاصِبِ لِأَرْضِنَا، فَإِنَّنَا نَنُوبُ عَنْكُمْ وعَنِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا فِي التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ بِكُلِّ سَبَبٍ مُتَاحٍ.
وَأَنَّهَا أَعَادَتِ الْقَضِيَّةَ الْفِلَسْطِينِيَّةَ، وَحُقُوقَهَا الْعَادِلَةَ وَمِنْ بَيْنِهَا حَقُّ الْعَوْدَةِ إِلَى صَدَارَةِ الْقَضَايَا فِي الْمُؤَسَّسَاتِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ وَالْحُقُوقِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ.

وَإِنِّي إِذْ أُعِربُ عَنْ هَذَا؛ لَأَتَمَنَّى عَلَى إِخْوَتِي وَأَبْنَائِي الْمُشَارِكِينَ فِي مَسِيرَةِ الْعَوْدَةِ أَنْ يُرَاعُوا الْأُمُورَ التَّالِيَةَ:
1. التَّأْكِيدُ عَلَى سِلْمِيَّتِهَا الْمَحْضَةِ؛ لِئَلَّا تُذَرِّعُوا لِعَدُوِّكُمْ أَنْ يَبْطِشَ بِبَارُودِهِ فِي جُسُومِكُمُ الطَّاهِرَةِ الْمُبَارَكَةِ.

2. أَنْ تُوَحِّدُوا الْخِطَابَ، وَتَتَّفِقُوا عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَتَصْبِرُوا عَلَى تَبَايُنَاتِ الاجْتِهَادَاتِ وَالْأَفْكَارِ وَالرُّؤَى، وَلَا تُذَرِّعُوا مِنْهَا أَسْبَابَاً لِلْخِلَافِ وَالْفُرْقَةِ؛ لِئَلَّا تُقَوَّضَ جُهُودُكُمْ، وَتُحْرَمُوا مَعِيَّةَ رَبِّكُمْ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] [الْأَنْفَالُ:46].

3. أَنْ تَكُونُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَالْأَبْنَاءُ فِي الْمَسِيرَةِ أَكْثَرَ حِرْصَاً عَلَى سَلَامَةِ أَنْفُسِكُمْ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ تَوَاجُدِ عَدُوِّكُمْ مَسَافَةً بَعِيدَةً حَتَّى لَا تَجْعَلُوا لَهُ ذَرِيعَةً لِلنَّيْلِ مِنْكُمْ، فَإِنَّكُمْ إِنْ رَاعَيْتُمْ ذَلِكَ – وَأَرَاهُ مُتَعَيِّنَاً عَلَيْكُمْ شَرْعَاً-، وَطَالَكُمْ بِبَارُودِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا سَيَكُونُ أَشَدَّ فَضْحَاً لِجَرَائِمِهِ، وَأَسْرَعَ فِي انْتِفَاضَةِ الشُّعُوبِ، وَإِثَارَةِ الْحُكُومَاتِ ضِدَّهُ.

4. أَنْ تَبْعَثُوا بِرِسَالَةٍ رَفِيقَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ أَدَبَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ إِلَى رَئِيسِ السُّلْطَةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ السَّيِّدِ/ مَحْمُودُ عَبَّاس بِأَنْ يَكُونَ دَاعِمَاً رَئِيسَاً لِمَسِيرَتِكُمْ، وَأَنْ يَرْجِعَ عَنْ قَرَارَاتِهِ الْعِقَابِيَّةِ بِحَقِّ أَبْنَائِهِ وَأَهْلِهِ فِي الْقِطَاعِ.
وَأَنْ تَبْعَثُوا بِرِسَالَةٍ رَفِيقَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ أَدَبَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لِرَئِيسِ جُمْهُورِيَّةِ مِصْرَ الْعَرَبِيَّةِ الْعَزِيزَةِ السَّيِدِ/ عَبْدُ الْفَتَّاحِ السِّيسِيّ فِي أَخْذِ بَعْضِ الْقَرَارَاتِ الَّتِي تُخَفِّفُ الْمُعَانَاةِ عَنْ أَهْلِنَا فِي الْقِطَاعِ، وَمِنْ أَهَمِّهَا: كَسْرُ الْحِصَارِ بِفَتْحِ الْمَوَانِئِ الْبَرِّيَّةِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مِصْرَ الشَّقِيقَةِ عَلَى الدَّوَامِ.

وَخِتَامَاً: أَنْصَحُ أَعِزَّتِي الْفُضَلَاءَ فِي مَسِيرَةِ الْعَوْدَةِ أَنْ يُكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يُؤَخِّرُوا إِقَامَةَ الصَّلَوَاتِ، وَالْقُنُوتَ فِيهَا بِأَدْعِيَةِ تَفْرِيج الْكَرْبِ، وَدَفْعِ الْغَمِّ وَالْهَمِّ؛ لِتَحْيَا أُمَّتُنَا فِي الْقِطَاعِ كَسَائِرِ شُعُوبِ الْعَالَمِ بِأَمْنٍ وَأَمَانٍ وَطُمَأْنِينَةٍ وَسَلَامٍ.