arrow down

سوريا بين استراتيجيات الثوار، وتحركات الأحرار

مع شروق شمس كل جمعة تتوجه أنظار العالم إلى أرض المحشر والمنشر بلاد الشام، فالجمعة في سوريا صارت شاهدًا ومشهودًا، حيث تنطلق من المساجد الجموع الغفيرة التي أعلنت الثورة على الظلم والاستبداد بعد أن تمردت على الخوف في أعماقها، وكسرت حاجز الصوت عن أفواهها.

المنتظرون لليوم الموعود في سوريا ثلاثة:

الأول: الشعب المظلوم الذي سئم حياة العبودية لغير الله، وملَّ من المنزلة بين المنزلتين، فلا هو من الأموات فيستريح، ولا من الأحياء الذين يعيشون أحرارا، حالة من اليأس كتلك التي وصفت الخنساء لما قالت: لا حي فيرجى ولا ميت فينسى.. فحين تذكر الحياة يذكر السوريون على هامشها!

الثاني: النظام المستبد الذي أعد لكل جمعة مبرر القتل فيها، وحجة القمع والتنكيل، والأبواق التي تنافح عنه، وتسبح بقدسيته ومقاومته، ومع ذلك فلا تأتيه جمعة إلا والتي بعدها أشد منها وأنكى، حتى ود النظام أن لو أسقط الجمع من حساب السنين والأيام.

الثالث: العالم الذي ينظر وينتظر كي يحصي شهداء الثورة، ثم يهذر بكلام لا يحيي القتلى ولا يلجم القاتلين، أو كما قالت العرب في أمثالها: لا يصمي ولا ينمي.

لا يتطرق الشك في أن الثورة ستنتصر بإذن الله - تعالى -، وإن كنت قبل اندلاعها مترددا حائرا أُمَنِّي النفس بانتفاض بني أمتي، وأخاف من الواقع المرعب، ثم أذن الله فهاهي الثورة (كجلمود صخر حطه السيل من علِ)، فبدايتها كانت محرقة، ولكن نهايتها بإذن الله مشرقة.

خرج الثوار باستراتيجية واحدة، هي التظاهر السلمي دون كلل أو ملل حتى يأخذوا حقوقهم غلابا.. فالمستبد لا يعطي ما عليه عن طيب نفس أبدا.. واستعد الثوار في سبيل ذلك للتضحية بالنفس والنفيس والصغير والكبير فقائمة شهداء الثورة السورية تضم رضيعا صغيرا وشيخا طعن في الثمانين، وأما قائمة المعتقلين فقد بدأت بصبية صغار يعبثون، وها هي الآن تضم طاعنين في السن كبارا.

ذاك شيء لا يمكن تفسيره إلا أنه إصرار على الثورة حتى النصر، وقد علم الثوار أن فَرَج الله أقرب إلى أحدهم من شراك نعله.

وأما النظام المستبد فلديه استراتيجيات كثيرة كلها تدور حول القتل والأسر والتجويع والحصار والإرهاب بكل أنواعه.. مستفيدا من الخبرات الإيرانية في قمع الحريات، ومن تاريخ حافل بالجرائم، ﴿ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ﴾ [المجادلة: 6]، والعالم لديه استراتيجياته المملة اجتماع اثر اجتماع وقرارات لا تلبي الحد الأدنى من مطالب الثوار..

أيها الثوار الأحرار في درعا وحمص واللاذقية ودمشق وريفها وبانياس والقامشلي ومسقط رأسي المعرة وغيرها وغيرها:

قد صغرنا أمامكم ألف قرن

وكبرتم خلال شهر قرونا

كي لا يطول انتظارنا ولا يكثر قتلانا يجب على الثوار البحث عن استراتيجيات جديدة، لا تخرج عن إطار التظاهر السلمي في هذه المرحلة على الأقل.

استراتيجيات لا يستطيع أحد أن يمليها عليهم، فالثورة هي التي تفرض طرق التعامل معها على الثوار، والثوار هم الذين يعرفون ما يصلح مما لا يصلح، فغاية ما يمكن للمفكرين والمنظرين أن ينصحوا ويقيموا.

ما زالت الثورة في سوريا لم تكتمل بعد، فبعض المدن الكبيرة وعلى رأسها حلب لم تحسم خيارها، لم نشاهد الاعتصامات التي تشل الحياة المدنية، ولم نشاهد المسيرات الحاشدة، التي تجتاج المدن من أقصاها إلى أقصاها، ولم نشاهد خطب الجمعة المدوية في الميادين العامة، كما حصل في مصر واليمن وغيرها، ليس ذلك عن عجز أو ضعف أو نقص في الشعب السوري، حاشا وكلا، فهو شعب شجاع، سجلت الدوواين بطولاته على وجه الدهر، وشهد له القاصي والداني بذلك، ولكن عذاب النظام السوري شديد، والقمع لديه رهيب، قمع وقتل لا يساويه كل القمع الذي حصل في مصر وتونس واليمن مجتمعة، فالظروف التي تحيط بالثورة السورية يجعل مخاضها عسيرا، ولكن نتائجها على العالم العربي والمسلم سيكون عظيما، وعوائدها جليلة، لذلك كان لا بد للثوار من التحرك في استراتيجيات كثيرة..

وعلى المفكرين في الداخل والخارج الإدلاء بدلوهم في هذا الميدان.. لكن، إن كان القمع في سوريا أشد وأنكى فثم شيء لا يختلف في سوريا عما سواها من الدول التي ثارت على مستبديها.

فأين أحرار سوريا في الداخل والخارج.

لماذا لم يسجلوا مواقفهم؟

ولماذا لم نشهد لهم استقالات جماعية، إن كان بطش النظام سينالهم في الداخل - وهو عنهم الآن في شغل - فأين السفراء والمسؤولون في الخارج؟

هل الحرص على المناصب أهم عند هؤلاء من بلدهم ومن دماء الشهداء التي سفكت عليه، أم أن سوريا أقفرت من الأحرار؟!

لا هذا ولا ذاك يمنع من شهود مثل هذه الاستقالات، التي إن حصلت ستسقط النظام في الخارج وتجعله في عزلة سياسية تامة، وتخفف غلواءه على المحاصرين في الداخل.

المطلوب من هؤلاء التنسيق فيما بينهم ليكون لتحركاتهم أكبر الوقع والتأثير.. والتسامي على مصالحهم الضيقة، وحاجاتهم الآنية.. ثم المبادرة بمثل هذه التحركات فالوقت قد أزف، ولم نعد نستحمل التأخير فتيلا..

أيها الأحرار ينتظر منكم الثوار تسجيل مواقفكم الآن، فبعد النصر لن نقبل منكم ترقيع الأعذار.    

بقلم

د. أحمد بن فارس السلوم

عضو رابطة علماء المسلمين

الأحد 1 / شعبان / 1437هـ

للاشتراك في قناة رابطة علماء المسلمين على التليجرام :

https://telegram.me/rabetaa