arrow down

نكتة لطيفة في مذاهب أهل الكلام

بقلم فضيلة د. محمد رجب محمد ( عضو رابطة علماء المسلمين )

إن الإنسان لا يمكنه إصابة حقيقة نفسه وإدراك كنهها، وهو من إصابة حقيقة العلاقة بينه وبين ما حوله أبعد، فلا يمكنه الوثوق في تصوراته لطبيعة تلك العلاقات ولا الاطمئنان لمقاربتها واقع الأمر فضلا عن مطابقته، لتظل تلك المسافات التي بينه وبين ما حوله موقوفة في حسابها وتقديرها على الوحي المعصوم؛ لأنه الحساب المطابق لواقع الأمر وما ينبغي أن يكون عليه؛ إذ اتفق فيه الخلق والأمر جميعا، فتتزن بذلك كل علاقة. وكل ما سواه يعني الخلل والنفرة؛ إذ انفك فيه الخلق عن الأمر.
وليكن مثال ذلك العقل نفسه: فإن أهم افتراق في الأمة وأبقاه ما يتعلق بعلم الكلام في قضية صفات الله تعالى، وخلاصة الأمر فيه بغي نشأ عن عدم إدراك المتكلمين العلاقة الصحيحة بين طرفين: بين العقل البشري والنقل السماوي.
فإذا بهم يقدمون العقول بين يدي النقول، لتختل العلاقة مفضية إلى انحراف وفساد عظيم.
ذلك أن أصحاب الكلام استغنوا بالعقل عن النقل في إثبات الصانع، وجعلوه الدليل إلى الرب، ومقتضاه تجريد التنزيه في محاور ثلاثة: الأول: أحدية مطلقة. الثاني: قِدم مطلق. الثالث: وجود مطلق. وهذه المحاور في أسمائها وحقيقتها صحيحة، لكن لما تورم عندهم قدْر العقول طغت على مقادير النقول، وانحرفت مقصودات هذه المحاور: فصارت الأحدية المطلقة مانعة من الاتصاف بما أوهم عقولهم التبعض أو التجزء، كاليد والعين.
وصار القِدم المطلق مانعا من الاتصاف مطلقا أو مقيدا بأوصاف قديمة تستلزم في تلك العقول المتورمة تعدد القدماء، وهو عندها كتعدد الآلهة.
وصار الوجود المطلق مانعا من الاتصاف بما يوجب في سمادير رؤيتهم افتقار الذات إلى الصفات، لئلا تكون في تلك الخيالات محلا للحوادث والأعراض.
وكل ذلك الذي منعوه هو عين المنصوص المنقول. فهم بين أمرين: إما أن يثبتوا ما اقتضته النقول المعصومة بنقض نتائج العقول الموهومة، أو أن يلتزموا نتائج عقولهم ولو برد ما أثبته كتاب ربهم.
وما كان ذلك إلا لانحراف التصور عن موضع العقل وقدره في واقع الأمر، والضلال عن علاقته الصحيحة الصادقة بالنقل المنزل من صاحب الخلق والأمر، والله المستعان.