arrow down

الفوضى الفكرية

بقلم فضيلة د. عبدالوهاب بن لطف الديلمي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

أما بعد:

فإن الفوضى الفكرية التي عمت الأمة الإسلامية اليوم، والتي تتحلى في تصدي من ليس بأهل للفتوى من أهل العلم والمعرفة، الذين تتوافر فيهم شروط الأهلية للحديث باسم الشرع الإسلامي، وحل قضايا الأمة في ضوء أدلةالشرع وقواعده وأصوله، بعد أن تتسرب للناس وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة وألقي الحبل على الغارب فصار يبث من خلال كل من عرف القراءة والكتابة، وعنت له فكرة، أو أغضبه من موقف معين، أو سمع برأي أو فكر، أو فتوى مما لا يوافق هواه فيتصدى للرد والتفنيد بأسلوب لا يعرف سوى الاتهامات والشتائم والتجهيل، دون مستند شرعي، ولا حجة لا برهان، دون نظر إلى كون الحق معه أو مع غيره، ولكنها الفوضى الفكرية وقد شاع اليوم ـ في ظل ما يسمى بالتعددية الحزبية ـ إطلاق كلمة الرأي والرأي الآخر، حتى صار كلام الله، وكلام رسوله، وكلام أهل العلم، والمعرفة بالشرع المستند إلى الدليل رأياً، وكلام سائر البشر أصحاب الفوضى الفكرية رأياً، وكأن الأمر لا يعدو أن يكون المكلف مخيراً بين أن يأخذ بهذا الرأي أو ذاك، فالكل حسب زعمهم، ودعاواهم الباطلة ـ آراء قابلة للأخذ والرد، بل قابلة للصواب والخطأ ، وأن عقولهم التي ضلت واختلت، هي الحكم في كل ذلك وانتهت بذلك حق الرب وواجب العبد، وغاب عن أذهان هؤلاء أنهم مخلوقون، وأن الواجب في حق الله عليهم كامل العبودية التي تعني كمال الخضوع والاستسلام له، وكمال الإتباع لشرعه، وكمال الاقتداء برسوله - صلى الله عليه وسلم- وأن العبد العاجز الفقير الجاهل ليس نداً لله تبارك وتعالى.

ولا شك أن هذه الفوضى التي تجعل الإنسان في حل من الواجبات الشرعية، وتجرؤه على انتهاك المحرمات، وتحمله على احتقار الأحكام الشرعية وعدم إعطائها القداسة الواجبة لها، واحترامها وتعظيمها، والوقوف عند حدودها بل تسوي بين الحق والباطل، والحلال والحرام لهذا كله كان لابد من توضيح الحقيقة في بيان من يحق له أن يتصدى للفتيا، ويوقع عن الله تعالى مخافة أن ينفرط العقد، ولا يجد العامة مستند يثقوا بفتواه ، براءة للذمة، وإظهاراً للحق، وإعادة للأمور إلى مجراها الصحيح، ودفعاً للفوضى القائمة، وتبصيراً لكل من يقحم نفسه فيما ليس له بأهل، حتى لا تختلط الأمور، ولا يفتن الناس في دينهم.