arrow down

صلاة التوبة

بقلم فضيلة أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )

من أذنب وعصى وجبت عليه التوبة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التحريم: 8]، ومن أسباب قبول التوبة أن يصلي التائب ركعتين من دون الفريضة، ودليلها ما يأتي:
1. عن أبي بكر الصديق tقال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِر اللَّهَ، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 135] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ([1]).

في الحديث فوائد:

الأولى: قوله: (مَا مِنْ عَبْدٍ) رجلاً أو امرأة.

الثانية: قوله: (يُذْنِبُ ذَنْبًا) أَيْ: أَيُّ ذَنْبٍ كَانَ صغيراً أو كبيراً ([2]).

الثالثة: قوله: (فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ) أَيْ: فَيَتَوَضَّأُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ. وَالْغَسْلُ أَفْضَلُ، وَبِالْمَاءِ الْبَارِدِ أَكْمَلُ، كَذَا قِيلَ، وَلَعَلَّ مَأْخَذَهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى تَبْرِيدِ الْقَلْبِ عَنْ حَرَارَةِ هَوَى النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ([3]).

الرابعة: قوله: (ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) أَيْ: بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] وَالْإِخْلَاصِ، أَوْ بِالْآيَةِ الْآتِيَةِ، وَبِآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110]، قاله القاري([4]).

وَالصَّحِيح أَنه لَا يشرع تَخْصِيص هَذِه الصَّلَاة بسور أَو آيَات بِعَينهَا، لِأَنَّهُ لم يرد فِي ذَلِك شَيْء عَن النَّبِي r([5]).

الخامسة: قوله: (ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أَيْ: لِذَلِكَ الذَّنْبِ، وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّوْبَةُ بِالْمُدَاوَمَةِ وَالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهِ أَبَدًا، وَأَنْ يَتَدَارَكَ الْحُقُوقَ إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ([6])

السادسة: قوله: (إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ) أَيْ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا، بَلْ وَبُدِّلَتْ سَيِّئَاتُهُ حَسَنَاتٌ عَلَى مَا يَشْهَدُ لَهُ آيَةُ الْفُرْقَانِ وَنِهَايَةِ الْغُفْرَانِ([7]).

السابعة: قوله: (ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ) أَيْ: النَّبِيُّ r اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا([8]).

الثامنة: قوله: (﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾)

(وَالَّذِينَ): عَطْفٌ عَلَى الْمُتَّقِينَ لِبَيَانِ أَنَّ الْجَنَّةَ كَمَا أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ أُعِدْتَ لِلتَّائِبِينَ، أَوْ هُوَ مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ سَيَأْتِي وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنْ لَا يُفْصَلَ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ تَفْسِيرِيًّا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وَهُمُ الَّذِينَ ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: 135] ، أَيْ: فَعِلَةٌ مُتَزَايِدَةٌ فِي الْقُبْحِ ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135] : بِالصَّغَائِرِ كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالنَّظَرِ الْحَرَامِ وَالْكَذِبِ، وَالْغَيْبَةِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: أَيُّ ذَنْبٍ كَانَ مِمَّا يُؤَاخَذُونَ بِهِ اهـ. فَيَكُونُ تَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ. ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 135] ، أَيْ: ذَكَرُوا عِقَابَهُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ وَعِيدَهُ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنَاهُ: صَلُّوا، لَكِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَالْمَعْنَى ذَكَرُوا اللَّهَ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ مِنْ ذِكْرِ الْعِقَابِ، أَوْ تَذَكُّرِ الْحِجَابِ، أَوْ تَعْظِيمِ رَبِّ الْأَرْبَابِ، أَوْ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ بِالصَّلَاةِ الَّتِي تَجْمَعُهَا (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) ، أَيْ: طَلَبُوا الْمَغْفِرَةَ مَعَ وُجُودِ التَّوْبَةِ وَالنَّدَامَةِ، فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الِاسْتِقَامَةِ. الْآيَةَ اهـ.

وَتَمَامُهَا: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ [آل عمران: 135] أَيْ: لَا يَغْفِرُهَا (إِلَّا اللَّهَ) ، أَيِ: الْمَوْصُوفَ بِصِفَةِ الْغَفُورِ وَالْغَفَّارِ، فَالْأُولَى مُبَالَغَةٌ لِكَثْرَةِ الذُّنُوبِ، وَالثَّانِيَةُ لِكَثْرَةِ الْمُذْنِبِينَ، فَالِاسْتِفْهَامُ بِمَعْنَى النَّفْيِ اعْتِرَاضٌ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ، (وَلَمْ يُصِرُّوا) ، أَيْ: لَمْ يَدِيمُوا وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغَائِرِ يُعَدُّ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَمَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ زَلَّةٌ صَدَرَ عَنْهُمْ تَوْبَةٌ؛ لِقَوْلِهِ r: «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ حَالَ مَنْ يُصِرُّوا﴾ أَيْ: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى قَبِيحِ فِعْلِهِمْ عَالِمَيْنِ بِهِ.

قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَوْ يَعْلَمُونَ جَزَاءَ الْإِصْرَارِ أَوْ ثَوَابَ الِاسْتِغْفَارِ، أَوْ صِفَةَ رَبِّهِمُ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ عَبْدًا أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، غَفَرْتُ لِعَبْدِي " ثَلَاثًا. " فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» ".

قِيلَ: فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ قَدْ يُطْلِقُ الْأَمْرَ لِلتَّلَطُّفِ ; وَإِظْهَارِ الْعِنَايَةِ وَالرَّحْمَةِ، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ تُرَاقِبُهُ وَتَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ وَهُوَ يُبَاعِدُ وَيُقَصِّرُ فِي حَقِّكَ: افْعَلْ مَا شِئْتَ فَلَسْتُ أُعْرِضُ عَنْكَ، وَلَا أَتْرُكُ وِدَادَكَ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ بِهَذَا الْمَعْنَى، أَيْ: إِنْ فَعَلَتْ أَضْعَافَ مَا كُنْتَ تَفْعَلُ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَ عَنْهُ غَفَرْتُ لَكَ، فَإِنِّي أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا مَا دُمْتَ عَنْهَا مُسْتَغْفِرًا إِيَّاهَا، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ إِذَا كَانَ بِالْوَصْفِ السَّابِقِ، كَمَا يَتَبَادَرُ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْأَمْرَ بِالْمَعْصِيَةِ وَالتَّوْبَةِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ فَتَأَمَّلْ، وَخَبَرُ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ هُوَ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 136] ([9]) .

التاسعة: قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ ؒ عِنْد كَلَامه على حَدِيث أبي بكر فِي صَلَاة التَّوْبَة، قَالَ: "وَفِيه اسْتِيفَاء وُجُوه الطَّاعَة فِي التَّوْبَة، لِأَنَّهُ نَدم فطهر بَاطِنه، ثمَّ تَوَضَّأ، ثمَّ صلى، ثمَّ اسْتغْفر"([10]).

وَقَالَ الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن قَاسم رَحمَه الله عِنْد شَرحه لحَدِيث أبي بكر أَيْضا، قَالَ: "وَفِيه اسْتِيفَاء، وُجُوه الطَّاعَة فِي التَّوْبَة، لِأَنَّهُ نَدم، فَتطهر، ثمَّ صلى، ثمَّ اسْتغْفر، وَإِذا أَتَى بذلك على أكمل الْوُجُوه غفر الله لَهُ بوعده الصَّادِق"([11]).

2. وعن أَبي الدَّرْدَاءِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، أَوْ أَرْبَعًا - شَكَّ الراوي - يُحْسِنُ فِيهِمَا الذِّكْرَ، وَالْخُشُوعَ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ U غَفَرَ لَهُ»([12]).

3. وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: «يَا بِلَالُ بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ، إِنِّي دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي» ، فَقَالَ بِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَذْنَبْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: «بِهَذَا»([13]).

فقد دلت الأحاديث السابقة على استحباب الصلاة عند التوبة من الذنب، وتسمى صلاة الاستغفار وصلاة التوبة ([14]).

وَالْأَصْل فِيهَا أن تُؤدَّى عقيب الذَّنب قبل أَن يرتسخ فِي قلبه رين الذَّنب([15]).

سَبَب صَلَاة التَّوْبَة: هُوَ وُقُوع المسلمِ فِي مَعْصِيّة سَوَاء كَانَت كَبِيرَة أَو صَغِيرَة، فَيجب عَلَيْهِ أَن يَتُوب مِنْهَا فَوْرًا، وَينْدب لَهُ أَن يُصَلِّي هَاتين الرَّكْعَتَيْنِ، فَيعْمل عِنْد تَوْبَته عملاً صَالحًا، ولا شك أن الصلاة من أَجَلِّ الْقُرُبَاتِ وَأَفْضَلِهَا، فيتوضأ ويصلي ركعتين، يتوسل بهَا إِلَى الله تَعَالَى رَجَاء أَن تقبل تَوْبَته، وَيغْفر ذَنبه ([16]).

وقت صلاة التوبة:
يسْتَحبّ أَدَاء هَذِه الصَّلَاة عِنْد عزم الْمُسلم على التَّوْبَة من الذَّنب الَّذِي اقترفه، سَوَاء كَانَت هَذِه التَّوْبَة بعد فعله للمعصية مُبَاشرَة، أَو مُتَأَخِّرَة عَنهُ، فَالْوَاجِب على المذنب الْمُبَادرَة إِلَى التَّوْبَة لَكِن إِن سوّف وأخّرها قبلت، لِأَن التَّوْبَة تقبل مَا لم يحدث أَحَدُ الْمَوَانِع الْآتِيَة:
1- إِذا وَقع الإِياس من الْحَيَاة، وَحضر الْمَوْت، وَبَلغت الرّوح الْحُلْقُوم. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18].
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ»([17]).
2- إِذا نزل الْعَذَاب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ 1.
3- إِذا طلعت الشَّمْس من مغْرِبهَا، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: 85].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ»([18])([19]).
وصلاة التوبة تشرع فِي جَمِيع الْأَوْقَات بِمَا فِي ذَلِك أَوْقَات النَّهْي، لِأَنَّهَا من ذَوَات الْأَسْبَاب الَّتِي تشرع عِنْد وجود سَببهَا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَ " ذَوَاتُ الْأَسْبَابِ " كُلِّهَا تَفُوتُ إذَا أُخِّرَتْ عَنْ وَقْتِ النَّهْيِ: مِثْلَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَمِثْلَ الصَّلَاةِ عَقِبَ الطَّهَارَةِ كَمَا فِي حَدِيثِ بِلَالٍ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ: إذَا كَانَ الَّذِي يَسْتَخِيرُ لَهُ يَفُوتُ إذَا أُخِّرَتْ الصَّلَاةُ. وَكَذَلِكَ صَلَاةُ التَّوْبَةِ فَإِذَا أَذْنَبَ فَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَتُوبَ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ"([20]).

فائدة: يستحب للتائب مع هذه الصلاة أن يجتهد في عمل الصالحات، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: 82]
ومن أفضل الأعمال الصالحة التي يفعلها التائب: الصدقة، فإن الصدقة من أعظم الأسباب التي تكفر الذنب، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: 271].
وثبت عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه قال لما تاب الله عليه: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ ([21]) ([22]).
----------------------------------------------------------
([1]) صحيح، أخرجه: أبو داود/ سننه (1521) (2/ 86).
([2]) القاري/ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 988)؛ المباركفوري/ مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 366).
([3]) القاري/ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 988).
([4]) القاري/ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 988).
([5]) عبدالله الجبرين/ صلاة التوبة والأحكام المتعلقة بها في الفقه الإسلامي (ص: 178).
([6]) القاري/ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 988).
([7]) القاري/ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 988).
([8]) القاري/ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 988).
([9]) القاري/ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/ 988).
([10]) ابن العربي/ عارضة الأحوذي (2/197).
([11]) عبد الرحمن بن قاسم/ الإحكام شرح أصُول الْأَحْكَام (1/221).
([12]) إسناده حسن، أخرجه: أحمد/ مسنده (7546 ) (45/ 530).
([13]) صحيح، أخرجه: ابن خزيمة/ صحيحه (1209) (2/ 213).
([14]) المباركفوري/ مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 366).
([15]) الدهلوي/ حجة الله البالغة (2/ 31).
([16]) عبدالله الجبرين/ صلاة التوبة والأحكام المتعلقة بها في الفقه الإسلامي (ص: 164).
([17]) حسن، أخرجه: الترمذي/ سننه (3537) (5/ 547).
([18]) أخرجه: مسلم/ صحيحه (2703) (4/ 2076).
([19]) عبدالله الجبرين/ صلاة التوبة والأحكام المتعلقة بها في الفقه الإسلامي (ص: 165).
([20]) ابن تيمية/ مجموع الفتاوى (23/ 215).
([21]) أخرجه: البخاري/ صحيحه (2/112).
([22]) موقع الإسلام سؤال وجواب (5/ 3280، بترقيم الشاملة آليا).