arrow down

يا من بلغه الله رمضان، وأعانه على الصيام والقيام، أجزِلْ الشكر لربك الرحمن

بقلم البروفيسور/ الأمين الحاج محمد ( رئيس رابطة علماء المسلمين )

ربنا الرحمن هو المشكور المحمود في السرَّاء والضَّراء، وهو الذي لا يُحمد على مكروه سواه، والشكر نصف الإيمان؛ فالإيمان كما قال الإمام ابن القيم نصفان: نصف الشكر، ونصف الصبر.
فالله عز وجل يحب الشكر ويحب الشاكرين، لقد مدح الله عبده نوح عليه السلام بأنه كان عبداً شكوراً.
فالشكر على نعم الله العظيمة، وآلائه العديدة حتم واجب على العباد، قال تعالى: “وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ”، (سورة النحل: 114).، وهو أصل العبادة وأسها، وهو سبب لزيادة النعم ودوامها: “لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ”، (سورة إبراهيم: 7).
فربنا جلَّ في علاه يُشكر، ولا يُكفر ويُجحد.
من النعم التي تستوجب الشكر على العبد إذا بلغه الله رمضان، واعانه على الصيام والقيام، فرمضان موسم من مواسم الخير، وسوق من أسواق الآخرة، وفرصة قد لا تتكرر، وهدية تستحق الشكر.
فهاتان نعمتان:
1. نعمة بلوغ رمضان.
2. وأن يُعان على الصيام والقيام.
فقد يبلغ المرء رمضان، ولكن لا يُعان على الصيام والقيام لمرض أو كبر، ولربما صام عن الطعام والشراب ولم تصم جوارحه الأخرى عن اقتراف الآثام.
فالصيام والقيام المطلوبان، المحبوبان، المتقبلان أن يكونا إيماناً وتصديقاً بوعد الله، وأن يحتسب المرء ثواب ذلك عند الله: “كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلاَّ الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به”، الحديث.
فكم من مؤمل بلوغ رمضان لم يبلغه، فقد تخترمه منيَّته في آخرشعبان.
فتذكر أخي الكريم كم شخصاً صام معك العام الماضي، وقام، وركع، وسجد، أين هم الآن؟، افضوا إلى ما قدموا، فليكن لك في ذلك عبرة وموعظة، فالكيِّس العاقل من اتعظ بغيره، والجاهل الغافل من اتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.
وتفكر كم صحيح قوي صام وقام معك رمضان الماضي، قد حيل بينه وبين ذلك هذا العام؟!.
من شكر الله على نعمه إنما يشكر لنفسه، فالله غني عن شكرنا وعن عبادتنا، ونحن الفقراء المحتاجون إليه في كل وقت وحين: “وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ”، (سورة النمل: 40)، ومن كفر وجحد، فعليها.
قال الإمام ابن القيِّم رحمه الله: (فشكر العبد إحسان منه إلى نفسه دنيا وأخرى، فإنه إنما هو محسن إلى نفسه بالشكر. لا إنه مكافئ به لنعم الرب، فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه أبداً، ولا أقلها، ولا أدنى نعمة من نعمه، فإنه تعالى هو المنعم المتفضل، الخالق للشكر، والشاكر، وما يُشكر عليه.
فلا يستطيع أحد أن يُحصي ثناء عليه، كما أثنى هو على نفسه، فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه، وأحسَنَ إليه بأن أوزعه أن يشكر، فشكره نعمة من الله أنعم بها عليه، تحتاج إلى شكر آخر، وهلمَّ جرا)، (تهذيب مدارج السالكين، الأصل لابن القيم، والتهذيب لعبد المنعم العلي صـ387.).
الشكر من سمات رسل الله الأكرمين، وعباده المتقين، فعلى المرء أن يقتدي بهم، وأن يتشبه بهم، فالتشبه بالرجال فلاح.
صح أن رسولنا صلى الله عليه وسلم: “قام حتى تورَّمت قدماه، فقيل له: تفعل هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: أفلا أكون عبداً شكوراً”، (متفق عليه).
وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: “والله يا معاذ إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”.
لقد أوجب الشارع علينا الشكر لمن أسدى لنا معروفاً، فكيف نغفل عن شكره سبحانه، وحمده على آلائه العديدة، ونعمه التي لا تُحصى؟، فقد قال: “من صُنِع إليه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء”، (الترمذي رقم [2036]، وسنده: جيد).
رويَ عنه أنه قال: “من لم يشكر الناس لم يشكر الله”، (الترمذي رقم [1955]).
وقال ابن عباس رضي الله عنه: ثلاثة لا تقبل إلاَّ بثلاثة، وذكر منها: “من شكر لله ولم يشكر لوالديه لا يقبل الله شكره”، أو كما قال.
الكافرون الجاحدون كثير، والحامدون الشاكرون قليل: “وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ”، (سورة سبأ: 13)، فاجتهد أن تكون من هذا القليل، واحذر أن تكون جاحداً كفوراً.
اللهم بلغنا رمضان، واعنا على الصيام والقيام، وعلى ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ما شاء الله، ولا تجعلنا من الغافلين، ونسألك سؤال عبدك الصالح: “رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ”، (سورة النمل: 19).
رب اجعلنا لك شاكرين، لك حامدين، لك قانتين، لك مخبتين، والحمد لله رب العالمين، والشكر له على نعمه وآلائه.
وصلى الله وسلم على نبينا وعلى عباده الشاكرين، الصابرين، وعنَّا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين.