arrow down

✍ اتحاف الأنام بفوائد أحاديث الصيام ( الحديث الثالث)

بقلم فضيلة أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ»[1].

في الحديث فوائد:

الأولى: الجود: مصدر الفعل جاد، الذي يدل على التّسمّح بالشّيء وكثرة العطاء، يقال: جاد الرّجل بماله يجود جودًا إذا كان بين البذل والعطاء، وجاد عليه بماله: تكرَّم، به[2].

قال الزّبيديّ: الجواد، هو الّذي يعطي بلا مسألة صيانة للآخذ من ذلّ السّؤال[3].

وقال الكفويّ: الجود هو صفة ذاتيّة للجواد ولا يستحقّ بالاستحقاق ولا بالسّؤال[4].

الثانية: قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ) أي: أكثرهم جُودًا وسَخاوة[5]؛ وذلك أنه مطبوع على الجود, مجبول على الإعراض عن متاع الدنيا, مستغنٍ بالباقيات الصالحات عن الزخارف الفانيات[6]، فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة أبدًا، يحثو المال بكلتا يديه هكذا وهكذا وهكذا، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا»[7].

وَعَنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّهُ وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ النَّاسُ، مُقْبِلًا مِنْ حُنَيْنٍ، عَلِقَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَعْطُونِي رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ العِضَاهِ نَعَمًا، لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لاَ تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلاَ كَذُوبًا، وَلاَ جَبَانًا»[8].

قال الكرماني: لما كانت نفسه أشرف النفوس ومزاجه أعدل الأمزجة لا بد أن يكون فعله أحسن الأفعال وشكله أملح الأشكال وخلقه أحسن الأخلاق فلا شك يكون أجود[9].

وقال القرطبي: هذا هو المعلوم من خُلُقِه، فإنَّه ما سئل شيئًا فمنعه إذا كان مما يصح بذله وإعطاؤه[10].

قلت: هذا الذي لم يكن يسبق في الجود، ويعطي الندى وربما بات طاويًا، كان يزيد جوده في رمضان.

الثالثة: قوله: (وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) دليل على أنَّ أجود أحوال النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان؛ لأنَّ (ما) هي وما بعدها مصدر مؤول تقديره: كان أجود، كون النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان حين يلقاه جبريل يعارضه القرآن؛ لأنَّ رمضان موسم تضاعف فيه الأجور، فكان من نور البصيرة والعلم أن تضم فيه الأعمال: الصيام والقيام والقرآن والصدقة؛ اغتنامًا للتضعيف؛ ولأنَّ الجود فيه يعين المحاويج على العبادة والصيام.

الرابعة: وَإِنَّمَا كَثُرَ جُودُهُ صلى الله عليه وسلم فِي رَمَضَانَ لِوُجُوهٍ:

أَحدهَا: أَنه شهر مبارك، ونفحة من نفحات رحمة الله، تضاعف فيه الأجور، وتفتح فيه أبواب الجنان، وتغلَّق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين، ولله في كل ليلة منه عتقاء من النار، وفيه ليلة خير من ألف شهر.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ شَهْرُ الصَّوْمِ، فَإِعْطَاءُ النَّاسِ فِيهِ إِعَانَة لَهُم على الْفطر والسحور[11]؛ ليقدروا بهما على الصيام والقيام.

وَالْثالث: أنه كان يلقى فيه جبريل لمُدَارسة القرآن، فكان يتجدد إيمانه، ويقينه، وتعلو مقاماته، وتظهر عليه بركاته، فيا له من لقاء ما أكرمه، ومن مشهد ما أعظمه[12].

قال القاضي عياض: قوله: (فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة) هذا بحكم تجديد الإيمان واليقين في قلبه، يملأ فاه الملك، وزيادة ترقيه في المقامات، وعلو الدرجات، بمناقشته ومدارسته للقرآن معه[13].

والرابع: أن الله يتفضّل على عباده في ذلك الشهر ما لا يتفضل عليهم في غيره، وكان صلى الله عليه وسلم يؤثر متابعة سنة الله تعالى في عباده.

والخامس: أنه كان يصادف البشرى من الله بملاقاة أمين الوحي وتتابع أمداد الكرامة عليه في سواد الليل وبياض النهار، فيجد في مقام البسط حلاوة الوجد وبشاشة الوجدان، فينعم على أمته بما يمكنه مما أنعم الله عليه، ويحسن إليهم كما أحسن الله إليه؛ شكرًا لله على ما آتاه[14].

الخامسة: وفيهِ اسْتِحْبَابُ إِكْثَارِ الْجُودِ فِي رَمَضَانَ[15].

قال الشافعي: فأحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم[16].

السادسة: قوله: (وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ) يعني: ينزل جبريلُ عليه السلام في رمضان كلَّ ليلة يقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، وهذا تشريفٌ من الله الكريم إليه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى يكثرُ تشريفَ عباده المقربين في الأوقات الشريفة، ونزول جبريل صلى الله عليه وسلم كل ليلة من رمضان لا شكَّ أنَّه مزيدُ تشريفٍ له[17].

السابعة: قوله: (فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ) قِيلَ: كَانَ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ عَلَى جِبْرِيلَ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، بِتَجْوِيدِ اللَّفْظِ وَتَصْحِيحِ إِخْرَاجِ الْحُرُوفِ مِنْ مَخَارِجِهَا، لِيَكُونَ سُنَّةً فِي الْأُمَّةِ، فَيَعْرِضُ التَّلَامِذَةُ قِرَاءَتَهُمْ عَلَى الشُّيُوخِ، وَهُوَ أَحَدُ طَرِيقَيِ الْأَخْذِ، وَالْآخَرُ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ الشَّيْخِ.

وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ عَلَى جِهَةِ الْمُدَارَسَةِ، وَهِيَ أَنْ تَقْرَأَ عَلَى غَيْرِكَ مِقْدَارًا مَعْلُومًا، ثُمَّ يَقْرَؤُهُ عَلَيْكَ، أَوْ يَقْرَأُ قَدْرَهُ مِمَّا بَعْدَهُ، وَهَكَذَا اهـ فَيَتَحَصَّلُ الطَّرِيقَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ[18].

الثامنة: وفيهِ استحباب تلاوة القرآن ومدارسته في رمضان؛ تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولأنَّ رمضان شهر الوحي المنزل على الأنبياء والرسل؛ فإنَّ الله تعالى أنزل القرآن في ليلة القدر التي لم تغادر العشر الأواخر من شهر رمضان، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: 3].

وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ u فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ»[19].

التاسعة: وفيه بركة مجالسة الصالحين، وأن فيها تَذَكُّرًا لِفِعْلِ الْخَيْرِ، وَتَنْبِيهًا عَلَى الازْدِيَادِ مِنَ الْعَمَلِ الْصَالِحِ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ صلى الله عليه وسلم بِمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ، وَلُزُومِ حِلَقِ الذِّكْرِ، وَشَبَّهَ الْجَلِيسَ الصَّالِحَ بِالْعَطَّارِ إِنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْ مَتَاعِهِ لَمْ تَعْدَمَ طِيبَ رِيحِهِ. ألا ترى قول لقمان لابنه: يا بنى جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيى القلوب بنور الحكمة، كما يحيى الأرض الميتة بوابل السماء، وقال مرة أخرى: فلعل أن تصيبهم رحمة فتنالك معهم، فهذه ثمرة مجالسة أهل الفضل ولقائهم[20].

العاشرة: وَفِيهِ زِيَارَةُ الصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الْفَضْلِ وَمُجَالَسَتِهِمْ وَتَكْرِيرِ زِيَارَتِهِمْ وَتَوَاصُلِهَا إِذَا كَانَ الْمَزُورُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَتَعَطَّلُ بِهِ عَنْ مُهِمٍّ هُوَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ مُجَالَسَةِ زَائِرِهِ، فَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ اسْتُحِبَّ تَقْلِيلهَا[21].

الحادية عشرة: قوله: (أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ)، قال النووي: الْمُرَادُ كَالرِّيحِ فِي إِسْرَاعِهَا وَعُمُومِهَا[22].

وقال التوربشتي: ويحتمل أنه أراد بها التي أرسلت بالبشرى بين يدي نعمة الله وذلك لشمول روحها وعموم نفعها. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: 1] أحد الوجوه في الآية أنه أراد بها الرياح المرسلات للإحسان والمعروف. ويكون انتصاب عرفًا بالمفعول له، فلهذه المعاني المذكورة في المرسلة شبَّه نشر جوده بالخير في العباد بنشر الريح القطر في البلاد وشتان ما بين الأمرين فإن أحدهما يُحي القلب بعد موته، والآخر يحيي الأرض بعد موتها، وإنما لم يقتصر في تأويل الخير على ما يبذله من مال ويوصله من جناح لما عرفنا من تنوّع أغراض المعْتَرَين به، واختلاف حاجات السائلين عنه. وكان صلى الله عليه وسلم يجود على كل واحد منهم بما يسد خلته، وينقع غلته، ويشفي علّته، وذلك المراد من قوله: أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ[23].

وقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ التَّشْبِيهِ بَيْنَ أَجْوَدِيَّتِهِ صلى الله عليه وسلم بِالْخَيْرِ وَبَيْنَ أَجْوَدِيَّةِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّيحِ رِيحُ الرَّحْمَةِ الَّتِي يُرْسِلُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِإِنْزَالِ الْغَيْثِ الْعَامِّ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِإِصَابَةِ الْأَرْضِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِ الْمَيْتَةِ، أَيْ: فَيَعُمُّ خَيْرُهُ وَبِرُّهُ مَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، وَمَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْغِنَى وَالْكِفَايَةِ، أَكْثَرَ مِمَّا يَعُمُّ الْغَيْثُ النَّاشِئَةُ عَنِ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ[24].

وقال الدماميني: والذي يظهر لي: أن المراد بالريح المرسَلَة: هي اللينةُ السهلةُ الهبوب، ضدّ العاصفة، وكأنه من قولهم: ناقةٌ مِرْسال؛ أي: سهلة السير[25].

الثانية عشرة: قوله: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ .....) إلى آخره استئناف وتخصيص بعد تخصيص على سبيل الترقي. فُضِّلَ أولاً جُودُهُ مطلقًا على جود الناس كلهم، ثم فُضِّلَ ثانيًا جُودُ كَوْنِهِ في رمضان على جوده في سائر أوقاته، ثم فُضِّلَ ثالثًا جُودُهُ في ليالي رمضان عند لقاء جبريل على جوده في رمضان مطلقًا، ثم شبهه بالريح، ووصفها بالمرسلة، ولا ارتياب أن مرسلها هو الله تعالى، وهو من صفات جوده على الخلق طرًا ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] وأكرم بجود مشبه بجود الله تعالى[26].

الثالثة عشرة: وفيه: بركة أعمال الخير، وأن بعضها يفتح بعضًا، ويعين على بعض، ألا ترى أن بركة الصيام، ولقاء جبريل وعرضه القرآن عليه زاد في جود النبي صلى الله عليه وسلم وصدقته حتى كان أجود من الريح المرسلة[27].

الرابعة عشرة: وفيه: أن المؤمن كلما ازداد عملاً صالحًا وفتح له باب من الخير فإنه ينبغي له أن يطلب بابا آخر، وتكون عينه ممتدة في الخير إلى فوق عمله، ويكون خائفا وجلاً، غير معجب بعمله، طالبًا للارتقاء في درجات الزيادة[28].

الخامسة عشرة: وفيهِ الْحَث على الْجُود والأفضال فِي كل الْأَوْقَات وَالزِّيَادَة وَأَهَمُّهَا: فِي رَمَضَان، وَعند الِاجْتِمَاع بالصالحين[29]. وذلك أنَّ رمضان شهر الإمساك فناسب أن يزيد جود المحسنين، ويسارعوا في بذله؛ ليعم المحاويج فلا يبقى فيهم من أحد إلا ويجد ما يفطر عليه ويتسحر، وصدق الرسول الهادي صلى الله عليه وسلم حين قال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[30].

السادسة عشرة: وفيهِ بَيَانُ عِظَمِ جُودِهِ صلى الله عليه وسلم [31].

قال ابن القيم: كَانَ صلى الله عليه وسلم أَعْظَمَ النَّاسِ صَدَقَةً بِمَا مَلَكَتْ يَدُهُ، وَكَانَ لَا يَسْتَكْثِرُ شَيْئًا أَعْطَاهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَسْتَقِلُّهُ، وَكَانَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ شَيْئًا عِنْدَهُ إِلَّا أَعْطَاهُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَكَانَ عَطَاؤُهُ عَطَاءَ مَنْ لَا يَخَافُ الْفَقْرَ، وَكَانَ الْعَطَاءُ وَالصَّدَقَةُ أَحَبَّ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وَكَانَ سُرُورُهُ وَفَرَحُهُ بِمَا يُعْطِيهِ أَعْظَمَ مِنْ سُرُورِ الْآخِذِ بِمَا يَأْخُذُهُ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، يَمِينُهُ كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.

وَكَانَ إِذَا عَرَضَ لَهُ مُحْتَاجٌ آثَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، تَارَةً بِطَعَامِهِ، وَتَارَةً بِلِبَاسِهِ. وَكَانَ يُنَوِّعُ فِي أَصْنَافِ عَطَائِهِ وَصَدَقَتِهِ، فَتَارَةً بِالْهِبَةِ، وَتَارَةً بِالصَّدَقَةِ، وَتَارَةً بِالْهَدِيَّةِ، وَتَارَةً بِشِرَاءِ الشَّيْءِ ثُمَّ يُعْطِي الْبَائِعَ الثَّمَنَ وَالسِّلْعَةَ جَمِيعًا، وَتَارَةً كَانَ يَقْتَرِضُ الشَّيْءَ فَيَرُدُّ أَكْثَرَ مِنْهُ وَأَفْضَلَ وَأَكْبَرَ، وَيَشْتَرِي الشَّيْءَ فَيُعْطِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، وَيَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُكَافِئُ عَلَيْهَا بِأَكْثَرَ مِنْهَا أَوْ بِأَضْعَافِهَا، تَلَطُّفًا وَتَنَوُّعًا فِي ضُرُوبِ الصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَكَانَتْ صَدَقَتُهُ وَإِحْسَانُهُ بِمَا يَمْلِكُهُ وَبِحَالِهِ وَبِقَوْلِهِ، فَيُخْرِجُ مَا عِنْدَهُ، وَيَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ، وَيَحُضُّ عَلَيْهَا، وَيَدْعُو إِلَيْهَا بِحَالِهِ وَقَوْلِهِ، فَإِذَا رَآهُ الْبَخِيلُ الشَّحِيحُ دَعَاهُ حَالُهُ إِلَى الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ، وَكَانَ مَنْ خَالَطَهُ وَصَحِبَهُ وَرَأَى هَدْيَهُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ مِنَ السَّمَاحَةِ وَالنَّدَى.

وَكَانَ هَدْيُهُ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو إِلَى الْإِحْسَانِ وَالصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ، وَلِذَلِكَ كَانَ صلى الله عليه وسلم أَشْرَحَ الْخَلْقِ صَدْرًا، وَأَطْيَبَهُمْ نَفْسًا، وَأَنْعَمَهُمْ قَلْبًا، فَإِنَّ لِلصَّدَقَةِ وَفِعْلِ الْمَعْرُوفِ تَأْثِيرًا عَجِيبًا فِي شَرْحِ الصَّدْرِ، وَانْضَافَ ذَلِكَ إِلَى مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ شَرْحِ صَدْرِهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَخَصَائِصِهَا وَتَوَابِعِهَا، وَشَرْحِ صَدْرِهِ حِسًّا وَإِخْرَاجِ حَظِّ الشَّيْطَانِ مِنْهُ[32].

السابعة عشرة: وفيهِ أن القراءة أفضل من التسبيح وسائر الأذكار إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويًا لها لفعلاه دائماً أو في أوقات مع تكرار اجتماعهما، فإن قيل المقصود تجويد الحفظ؟ والجواب: أن الحفظ كان حاصلاً، والزيادة فيه تحصل ببعض هذه المجالس[33].

---------------------------------------------------------------
[1] أخرجه: البخاري/صحيحه (6) (1/8)، مسلم/صحيحه (2308) (4/1803).

[2] ابن فارس/ مقاييس اللغة (1/ 493) ، الراغب/ مفرداته (ص 102، 103) ، الجوهري/ الصحاح (2/ 460).

[3] الزبيدي/ تاج العروس (4/ 403).

[4] الكفوي/ الكليات (ص 352).

[5] المظهري/ المفاتيح في شرح المصابيح (3/ 56).

[6] البيضاوي/ تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 513).

[7] أخرجه: البخاري/ صحيحه (2297) (3/ 96).

[8] أخرجه: البخاري/ صحيحه (3148) (4/ 94).

[9] الكرماني/ الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (1/ 50).

[10] القرطبي/ المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (19/ 35).

[11] ابن الجوزي/ كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 312).

[12] القرطبي/ المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (19/ 36).

[13] القاضي عياض/ إكمال المعلم بفوائد مسلم (7/ 273).

[14] التوربشتي/ الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 484).

[15] النووي/ شرحه على مسلم (15/ 69).

[16] ابن الأثير/ الشافي في شرح مسند الشافعي (3/ 251).

[17] المظهري/ المفاتيح في شرح المصابيح (3/57).

[18] القاري/ مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1446).

[19] أخرجه: أحمد/ مسنده (16984) (28/ 191).

[20] ابن بطال/ شرح صحيح البخاري (4/ 22).

[21] ابن الملقن/ التوضيح لشرح الجامع الصحيح (2/ 362).

[22] النووي/ شرحه على مسلم (15/ 69).

[23] التوربشتي/ الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 484).

[24] ابن حجر/ فتح الباري (4/ 116).

[25] الدماميني/ مصابيح الجامع (1/ 53).

[26] الطيبي/ شرح المشكاة (5/ 1629).

[27] ابن بطال/ شرح صحيح البخاري (4/ 22).

[28] ابن بطال/ شرح صحيح البخاري (4/ 23).

[29] العيني/ عمدة القاري شرح صحيح البخاري (1/ 76).

[30] صحيح، أخرجه: أبو داود/ سننه (4941) (4/ 285).

[31] النووي/ شرحه على مسلم (15/ 69).

[32] ابن القيم/ زاد المعاد في هدي خير العباد (2/ 21).

[33] الكرماني/ الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (1/ 52).