arrow down

✍ اتحاف الأنام بفوائد أحاديث الصيام ( الحديث الرابع)

بقلم فضيلة أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ, إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا, فَلْيَصُمْهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

في الحديث فوائد:

أولاً: في اللغة:

قوله: (رمضان): رَمَضَ: الرَّاءُ وَالْمِيمُ وَالضَّادُ أَصْلٌ مُطَّرِدٌ، يَدُلُّ عَلَى حِدَّةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ حَرٍّ وَغَيْرِهِ. فَالرَّمَضُ: حَرُّ الْحِجَارَةِ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الشَّمْسِ. وَأَرْضٌ رَمِضَةٌ: حَارَّةُ الْحِجَارَةِ. وَذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّ رَمَضَانَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ; لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَقَلُوا اسْمَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ سَمَّوْهَا بِالْأَزْمِنَةِ، فَوَافَقَ رَمَضَانُ أَيَّامَ رَمَضِ الْحَرِّ. وَيُجْمَعُ عَلَى رَمَضَانَاتٍ وَأَرْمِضَاءُ[1].

وقيل: سمي برمضان؛ لأنه يحرق الذنوب.

قوله: (كَانَ يَصُومُ صَوْمًا): الصوم مصدر صام، وهو الإِمْسَاكُ، ومِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾[2].

وتَقُولُ العَرَبُ: فَرَسٌ صَائِمٌ: أَيْ مُمْسِكٌ عَنِ الحَرَكَةِ، وصَامَتِ الشَّمْسُ: إِذَا سَكَنَتْ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ[3].

الصَّومُ فِي الشَّرْعِ: إِمْسَاكٌ عَنِ المُفْطِرَاتِ مِنْ شَخْصٍ مخَصُوصٍ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ بِقَصْدِ القُرْبَى .

ثانياًً: في الأصول:

الأولى: قوله: (لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ) نهيٌ، قُصد منه التحريم، بدليل ورود استثناء العادة الثابتة عليه بقوله: (إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا, فَلْيَصُمْهُ)؛ لأن النهي لو كان للكراهة –وهي من أفراد الجائز، الذي يمدح تاركه- لقلت فائدة الاستثناء؛ لأن الأصل فيه أن المستثنى على خلاف المستثنى منه في الحكم.

الثانية: أن حكم النهي عام في كل صوم يوم أو يومين سواء كان صوم فريضة أو نافلة، وخُصِّصَ بصوم العادة، ويُلحقُ به صوم القضاء، والنذر، والكفارة بالأَولى.

الثالثة: قوله: (بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ) دلَّ بالمفهوم على جواز تقديم رمضان بثلاثة أيام فما يزيد، وهذا الحكم معارض بحكم ثابت بالمنطوق وهو قوله: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) وفي مثل هذا ينظر، فإن أمكن الجمع تعين، وإلا قدم المنطوق.

والجمع –هنا- ممكن وهو أن النهي عن الصوم بعد النصف من شعبان مصروف إلى النفل المطلق إذا بدأه الشخص بعد النصف من شعبان، بخلاف من يصومه من أوله، أو كانت له عادة كصيام الاثنين والخميس، أو يوم بعد يوم، ونحوها.

ثالثاً: في الفقه:

الأولى: قوله: (لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ) أي: لا تتقدموا، حذفت إحدى التاءين تخفيفاً، والمعنى: لا تتقدوا شهر رمضان بصوم على جهة الاحتياط؛ لئلا يفوتكم من أيامه شيء.

ولنهي التقدم ثلاثة معانٍ:

أحدها: خوفاً من أن يزاد في رمضان ما ليس منه؛ واستدلوا له بحديث عائشة رَضي الله عنها أنَّ نَاسًا كَانُوا يَتَقَدَّمُونَ الشَّهْرَ، فَيَصُومُونَ قَبْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1].

الثاني: قصداً إلى الفصل بين صيام الفرض والنفل؛ والفصل بين الفرض والنفل أصلٌ له نظائر، منها: النهي عن وصل النافلة بالفريضة والعكس.

الثالث: قصداً إلى التقوي على صيام رمضان؛ فإن مواصلة الصوم قد تضعف عن صوم الفريضة.

الثانية: قوله: (بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ) قال الحافظ ابن رجب رَحمه الله: صيام آخر شعبان له ثلاثة أحوال:

أحدها: أن يصوم بنية الرمضانية احتياطا لرمضان فهذا منهي عنه وقد فعله بعض الصحابة وكأنهم لم يبلغهم النهي عنه، وفرق ابن عمر بين يوم الغيم والصحو في يوم الثلاثين من شعبان وتبعه الإمام أحمد.

والثاني: أن يصام بنية الندب أو قضاء عن رمضان أو عن كفارة ونحو ذلك فجوزه الجمهور ونهى عنه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم مطلقًا وهم طائفة من السلف وحكي كراهته أيضا عن أبي حنيفة والشافعي وفيه نظر.

والثالث: أن يصام بنية التطوع المطلق فكرهه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بالفطر منهم الحسن وإن وافق صومًا كان يصومه، ورخص فيه مالك ومن وافقه وفرق الشافعي والأوزاعي وأحمد وغيرهم بين أن يوافق عادة أو لا، وكذلك يُفرَّق بين صيامه بأكثر من يومين ووصله برمضان فلا يكره أيضاً إلا عند من كره الابتداء بالتطوع بالصيام بعد نصف شعبان فإنه ينهى عنه إلا أن يبتدئ الصيام قبل النصف ثم يصله برمضان[4].

الثالثة: قوله: (إلا رجلٌ) على جهة التغليب؛ لشرف الذكورية، وإلا فالحكم على التساوي بين الرجل والمرأة.

الرابعة: قوله: (كان يصوم صوماً فليصمه) دليل على استثناء العادة من عموم النهي المتقدم، فيتقرر بها أن من كان معتاداً على سرد الصوم، أو على صوم داوود صلى الله عليه وسلم فوافق يوم صومه آخر يومٍ فليصمه، ويقاس عليه صوم النذر والكفارة.
--------------------------------------------------
[1] ابن فارس/ مقاييس اللغة (2/ 440).

[2] سورة مريم، (آية: 26).

[3] ابن فارس/معجم مقاييس اللغة(3/323).

[4] ابن رجب/لطائف المعارف (ص: 143).