arrow down

✍ اتحاف الأنام بفوائد أحاديث الصيام ( الحديث السابع )

بقلم أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ, فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي رَأَيْتُهُ, فَصَامَ, وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ, وَالْحَاكِمُ].

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ, فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ?» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ?» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلَالُ أَنْ يَصُومُوا غَدًا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ, وَابْنُ حِبَّانَ وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ.

في الحديث فوائد:

أولاًً: في اللغة:

قوله: (تراءى) (رَأَى) الرَّاءُ وَالْهَمْزَةُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى نَظَرٍ وَإِبْصَارٍ بِعَيْنٍ أَوْ بَصِيرَةٍ. وَتَرَاءَى الْقَوْمُ، إِذَا رَأَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا[1].

قَالَ شَمِر: تراءينا الْهلَال، أَي تكلَّفنا النَّظر إِلَيْهِ، هَل نَراه أم لَا؟، وَقَالَ ابْن شُميل: تراءينا الهِلال: أَي قمنا نتحرى رؤيته[2].

قوله: (الهلال) (هَلَّ) الْهَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ صَوْتٍ، ثُمَّ يُتَوَسَّعُ فِيهِ فَيُسَمَّى الشَّيْءُ الَّذِي يُصَوَّتُ عِنْدَهُ بِبَعْضِ أَلْفَاظِ الْهَاءِ وَاللَّامِ. ثُمَّ يُشَبَّهُ بِهَذَا الْمُسَمَّى غَيْرُهُ فَيُسَمَّى بِهِ، وَالْأَصْلُ قَوْلُهُمْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ: رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، وَاسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ صَارِخًا: صَوَّتَ عِنْدَ وِلَادِهِ.

وَأَمَّا الَّذِي يُحْمَلُ عَلَى هَذَا لِلْقُرْبِ وَالْجِوَارِ فَالْهِلَالُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، سُمِّيَ بِهِ لِإِهْلَالِ النَّاسِ عِنْدَ نَظَرِهِمْ إِلَيْهِ مُكَبِّرِينَ وَدَاعِينَ. وَيُسَمَّى هِلَالًا أَوَّلَ لَيْلَةٍ وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ، ثُمَّ هُوَ قَمَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ. يُقَالُ: أَهَلَّ الْهِلَالُ وَاسْتُهِلَّ. ثُمَّ قِيلَ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ تَهَلَّلَ السَّحَابُ بِبَرَقِهِ: تَلَأْلَأَ، كَأَنَّ الْبَرْقَ شُبِّهَ بِالْهِلَالِ [3].

ثانيًا: في الأصول:

في الحديث دليل على حجيّة شهادة الواحد في العبادة.

ثالثاً: في الفقه:

الأولى: قوله: (تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ) يظهر حرص الصحابة على العبادة، وتعلق قلوبهم بها.

الثانية: أنّ من السنّة أن يتحرى النّاس رؤية الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، يؤيده حَدِيْث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ زَيْدِ بنِ الخَطَّابِ، أَنَّهُ خَطَبَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَالَ: أَلَا إِنِّي قَدْ جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَسَأَلْتُهُمْ، أَلَا وَإِنَّهُمْ حَدَّثُونِي، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَنْسِكُوا لَهَا...)[4].

قَولُهُ صلى الله عليه وسلم : (وَأَنْسِكُوا لَهَا) أَيْ: تَحَرَّوا العِبَادَةَ، واحْرِصُوا عَلَى مَعْرِفَةِ مَبْدَئِهَا ومُنْتَهَاهَا.

الثالثة: قوله: (فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي رَأَيْتُهُ)، وقوله: (أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ) يُظْهِر وفاءَ الصحابةِ وحرصهم على تنبيه الناس بدخول الفريضة؛ لئلا يفوتهم شيء منها.

الرابعة: في الحديث دليل على إجزاء رؤية الرجل الواحد في ثبوت شهر رمضان، ووجوب العمل بما رأى، وقد اختلف العلماء في الرؤية هل تثبت بالشهادة أم تثبت بالرواية على مذهبين:

أصحهما: من قال تثبت بالشهادة، للتصريح بذكرها في بعض الأحاديث ، وهاك بعض ألفاظها:

عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ مَرَّةً، فَأَرَادُوا أَنْ لَا يَقُومُوا وَلَا يَصُومُوا، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ مِنَ الْحَرَّةِ فَشَهِدَ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ " قَالَ: نَعَمْ، وَشَهِدَ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ أَنْ يَقُومُوا وَأَنْ يَصُومُوا [5].

وعَنْ طَاوُسٍ قَالَ: شَهِدْتُ الْمَدِينَةَ، وَبِهَا ابْنُ عُمَرَ , وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى وَالِيهَا فَشَهِدَ عِنْدَهُ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ هِلَالِ رَمَضَانَ , فَسَأَلَ ابْنَ عُمَرَ , وَابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ شَهَادَتِهِ فَأَمَرَاهُ أَنْ يُجِيزَهُ وَقَالَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ، قَالَا: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَا يُجِيزُ عَلَى شَهَادَةِ الْإِفْطَارِ إِلَّا شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ" [6].

وعَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ حُسَيْنٍ: "أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْدَ عَلِيٍّ رضي الله عَنه عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ، فَصَامَ، وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَصُومُوا"[7] .

فإن قيل: قد ورد في لفظ (أني رأيته)، الجواب: أنّ الخبر والحالة هذه من قبيل الشهادة، قال الشيخ العثيمين: وقد مرّ علينا الإمام أحمد لما قيل له إن علي ابن المديني يقول: "العشرة في الجنة، ولكن لا أشهد". قال أحمد: إذا قال فقد شهد.

الخامسة: قوله (فَصَامَ, وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ) دليل على أنّ أمر العبادة وإعلان ثبوتها يُرجَعُ فيه إلى الإمام أو من ينوب عنه، ولا يُترك للدهماء والعامة، فإنهم مظنة التشاكس والاختلاف.

السادسة: يستفاد من الحديثين أنّ من كان ظاهر الصلاح يقبل خبره وشهادته دون التثبت منه؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قَبِل خبر ابن عمر لعلمه بصلاحه وعدالته، بخلاف الأعرابيّ، لمّا كان مجهول الظاهر (العدالة) لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبره حتى تثبت من صلاح ظاهر (العدالة).

السابعة: وفيه الاكتفاء بصلاح الظاهر في قبول الشهادة، ولا يلزم التثبت من صلاح الباطن، احتياطاً للعبادة أن لا يفوت المؤمنين منها شيء.

الثامنة: إذا كان الشاهد غير معلوم الصلاح، فيُكتفى بسؤاله عن الإسلام، فإن أقرَّ به قبلنا شهادته.

التاسعة: قوله (فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غداً) فيه دليل على اختيار رفيع الصوت، لينادي في الناس بدخول القياس، ويقاس عليه وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة.

ويستفاد منه أيضا اختيار الوسيلة الأبلغ في إيصال المراد.

---------------------------------------------------------
[1] ابن فارس/ مقاييس اللغة (2/ 472).

[2] الأزهري/ تهذيب اللغة (15/ 231).

[3] ابن فارس/ مقاييس اللغة (6/ 11).

[4] صحيح، أخرجه: أحمد/مسنده (18895) (31/190).

[5] أخرجه: البيهقي/ السنن الكبرى (7976 ) (4/ 357).

[6] صحيح، أخرجه: البيهقي/ السنن الكبرى (7979) (4/ 358).

[7] صحيح، أخرجه: البيهقي/ السنن الكبرى (7981) (4/ 358).