arrow down

✍ اتحاف الأنام بفوائد أحاديث الصيام ( الحديث الثامن )

بقلم فضيلة أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )

وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها , عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ, وَمَالَ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ, وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.

وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ».

في الحديث فوائد:

أولاًً: في اللغة:

قوله: (يُبَيِّتِ): مِنْ التَّبْيِيتِ يُقَالُ بَيَّتَ هَذَا الْأَمْرَ بِاللَّيْلِ تَبْيِيتًا أَيْ فَكَّرَ فِيهِ لَيْلًا وَدَبَّرَ فِيهِ قَالَ تَعَالَى ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾[1][2]، والمراد: ينويه من الليل[3].

قوله (يَفْرِضْهُ): فرض مِنْ فَرَضَهُ إِذَا قَدَّرَهُ وَجَزَمَهُ ، وقوله: (لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ) أَيْ لَمْ يَنْوِهِ ويقطع به بِاللَّيْلِ، والفرض القطع[4].

ثانيا: في الأصول:

الأولى: الحديث من العام المخصوص، وبيانه: أن قوله (فلا صيام له) نكرة في سياق النفي، أفادت عموم فساد الصوم إذا لم يُنْوَ من الليل فريضة كان أو نافلة، ثم خُصَّ بحديث عائشة رضي الله عنها ، قالت: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ»[5]، وذلك في صيام النافلة اتفاقاً.

الثانية: إن النفي في قوله: (فلا صيام له) مصروف إلى نفي الصحة لا إلى نفي الكمال؛ لأن نفي الصحة أقرب إلى نفي الذات فكان حمل اللفظ عليه أولى.

ثالثاً: في الفقه:

الأولى: أفاد الحديث وجوب تبييت النية لصوم الفريضة.

الثانية: أنّ نفي الصوم في الحديث مؤذن بفساده، ودلت السنّة من غيره وجوب الإمساك–والحالة هذه- بقية اليوم ولزوم القضاء؛ لِحَدِيْثِ الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: (مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَليَصُمْ)، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ[6].

الثالثة: قوله (من الليل) دليل على جواز النية في أي جزء من أجزائه ولا يضرّ الأكل والنوم بعدها.

الرابعة: وجوب تبييت النية في كل ليلة؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة عن اليوم الآخر، فلا يجزئ نية واحدة عن الشهر كله.

----------------------------------------------------------

[1] سورة النساء، الآية (81).

[2] النسفي/ طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية (ص: 24).

[3] ابن الأثير/ النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 170).

[4] المناوي/ فيض القدير (6/ 222)، السندي/ حاشيته على سنن ابن ماجه (1/ 520).

[5] أخرجه: مسلم/صحيحه (1154) (2/809).

[6] أخرجه: البخاري/ صحيحه (1960)(3/ 37)، مسلم/ صحيحه (1136)(2/798).