arrow down

✍ اتحاف الأنام بفوائد أحاديث الصيام ( الحديث التاسع )

بقلم فضيلة أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ?» قُلْنَا: لَا. قَالَ: «فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ»، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ, فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ, فَقَالَ: «أَرِينِيهِ, فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا»، فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

في الحديث فوائد:

أولاًً: في اللغة:

الحيس: (حَيَسَ) الْحَاءُ وَالْيَاءُ وَالسِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْخَلِيطُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حِسْتُ الْحَبْلَ إِذَا فَتَلْتَهُ، أَحِيسُهُ حَيْسًا. وَهَذَا أَصْلٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، لِأَنَّهُ إِذَا فَتَلَهُ تَدَاخَلَتْ قُوَاهُ وَتَخَالَطَتْ. وَالْحَيْسُ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ مِنَ الْبَابِ، لِأَنَّهُ أَشْيَاءُ تُخْلَطُ [1].

قال النووي: هُوَ التَّمْرُ مَعَ السَّمْنِ وَالْأَقِطِ وَقَالَ الْهَرَوِيُّ ثَرِيدَةٌ مِنْ أَخْلَاطٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ [2].

ثانياً: في الفقه:

الأولى: يدل الحديث بالإشارة (اللازم العقلي) على زهد النبي صلى الله عليه وسلم وشدة فاقته.

الثانية: دلّ الحديث على جواز إضمار نية صوم النافلة في النّهار، واتفق العلماء على جاوز إضمار النيّة في أول النّهار؛ واستدلوا له بحَدِيْث عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ طَعَامًا، فَجَاءَ يَوْمًا، فَقَالَ: (هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ؟) فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: (إِنِّي صَائِمٌ)[3].

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأْتِينَا، فَيَقُولُ: (هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ)، فَأَقُولُ: لَا، قَالَ: (إِنِّي صَائِمٌ )[4].

والغَدَاءُ: اسْمٌ لِمَا يُؤْكَلُ قَبْلَ الزَّوالِ، والَّذِي يُؤْكَلُ بَعْدَهُ عَشَاءٌ.

ويؤكده فعل أصحابه رضي اللهُ عنهم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضي الله عنه أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ رَضي الله عنه كَانَ يَأْتِي أَهْلَهُ مِنَ الضُّحَى فَيَقُولُ: (هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ؟) فَإِنْ قَالُوا: لَا، صَامَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَقَالَ: (إِنِّي صَائِمٌ)[5].

وعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ رضي الله عنها أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَجِيءُ بَعْدَمَا يُصْبِحُ، فَيَقُولُ: (أَعِنْدَكُمْ غَدَاءٌ؟) فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، قَالَ: (فَأَنَا إِذًا صَائِمٌ)[6].

وفي رواية أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي أَهْلَهُ حِينَ يَنْتَصِفُ النَّهَارُ أَوْ قَبْلَهُ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ فَيَجِدُهُ أَوْ لَا يَجِدُهُ، فَيَقُولُ: «لَأَصُومَنَّ هَذَا الْيَوْمَ، فَيَصُومُهُ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا وَبَلَغَ ذَلِكَ الْحِينَ وَهُوَ مُفْطِرٌ»[7].

واختلف العلماء فيمن ينوي صيام النافلة بعد الزوال على فريقين:

أحدهما: قال بالمنع، واستدل بحديث عائشة رضي الله عنها ، وآثار الصحابة آنفة الذكر.

والثاني: قال بالجواز، واستدل بفعل الصحابة رَضي الله عنهم، فعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ, أَنَّ حُذَيْفَةَ «بَدَا لَهُ الصَّوْمُ بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَامَ»[8].

وعَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " أَحَدُكُمْ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَأْكُلْ أَوْ يَشْرَبْ "[9].

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَأَمَّا نَحْنُ فَنَقُولُ: الْمُتَطَوِّعُ بِالصَّوْمِ مَتَى شَاءَ نَوَى الصِّيَامَ"[10].

ويشترط لمن ينوي أثناء النهار أن لا يكون طَعِمَ أو شَرِبَ أو تَبَعَّلَ من طلوع الفجر الصادق إلى حين شروعه بالصوم.

ويشترط –أيضًا- أن يبقى بعد النية جزء من النهار وإن قل.

الثالثة: قوله: (فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ ) دليل على استحباب نية الصوم لمن لم يجد في بيته طعاماً، ويؤيد ذلك فعل الصحابة رَضي الله عنهم .

الرابعة: قوله (فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ) فيه دليل على مشروعية التلفظ بالنيّة.

الخامسة: قولها (أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ) دليل على استحباب الهدية ولو من الطعام سيما إلى الكبراء والوجهاء والعلماء، فإنها من أسباب تحقيق المحبة والوداد، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (تَهادُوا تَحابُوا)[11].

السادسة: قوله (فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا) دليل على جواز إخبار المؤمن عن عمله الصالح، وإن كان يمكنه أن يخفيه، ويعضده قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 271].

السابعة: قوله (أَرِينِيهِ, فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فَأَكَلَ) دليل على جواز قطع صيام النافلة، ويعضده حديث أُمّ هَانِئٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «الصَّائِمُ المُتَطَوِّعُ أَمِينُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ»[12].

-----------------------------------------
[1] ابن فارس/ مقاييس اللغة (2/ 124).

[2] النووي/ شرحه على مسلم (8/ 34).

[3] أخرجه: ابن خزيمة/ صحيحه (2141)(3/308).

[4] صحيح، أخرجه: الدارقطني/ سننه (2236) (3/138).

[5] أخرجه: ابن أبي شيبة/ مصنفه (9107)(2/291).

[6] أخرجه: البيهقي/ السنن الكبرى (7919) (4/ 342).

[7] أخرجه: الشافعي/ مسنده (1/86).

[8] أخرجه: الدارقطني/ سننه (4272) (5/252).

[9] أخرجه: البيهقي/ السنن الكبرى (7921) (4/343).

[10] أخرجه: البيهقي/ السنن الكبرى (4/ 343).

[11] أخرجه: البخاري/ صحيحه (594) (1/306).

[12] صحيح، أخرجه: الترمذي/ سننه (732) (3/100).