arrow down

✍ اتحاف الأنام بفوائد أحاديث الصيام ( الحديث الحادي عشر )

بقلم فضيلة أ.د. سلمان بن نصر الداية ( عضو رابطة علماء المسلمين )

عن عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»[1].

في الحديث فوائد:

الأولى: قوله: (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا) الإشارةُ في الأول إلى جهة المشرق، وفي الثاني إلى جهة المغرب[2].

وإقبال الليل وإدبار النهار، متلازمان في الوجود، إذ لا يُقبل الليلُ إلا إذا أدبر النهارُ، وقد ينفكان في الحس في بعض المواضع؛ بأن يكون في جهة المغرب ما يستر البصر عن الغروب، ويكون بالمشرق ظاهرًا بارزًا؛ بأن يكون في واد؛ بحيث لا يشاهد غروب الشمس، فيعتبر إقبال الظلام، وإدبار الضياء.

وقوله: "وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ" هي ملازمة للإقبال والإدبار، لكنَّها مخرجة على ما ذكرنا فيهما[3].

قال ابن حجر: والمراد به وجود الظّلمة حسّاً، وذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور، لأنّها وإن كانت متلازمةً في الأصل لكنّها قد تكون في الظّاهر غير متلازمة، فقد يظنّ إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقةً , بل لوجود أمرٍ يغطّي ضوء الشّمس , وكذلك إدبار النّهار. فمن ثَمّ قيّد بقوله "وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ" إشارةً إلى اشتراط تحقّق الإقبال والإدبار، وأنّهما بواسطة غروب الشّمس لا بسببٍ آخر[4].

الثانية: قوله: (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) الألف واللام في (الصائم) للجنس قطعًا، وهذا يردُّ قولَ من يقول: إن الاسم المشتق لا يكون جنسًا عامًا.

والإفطار هنا يحتمل وجهين:

أحدهما: فقد انقضى صومه وتمَّ، وصار في حكم المفطر، وإن لم يأكل، ويكون المعنى: فقد حل له الفطر بعد أن كان حرامًا.

والثاني: فقد دخل في الفطر، وإن لم يأكل، كما يقال: أصبح، إذا دخل في وقت الصُّبح، وأمسى، وأظهر كذلك، ويكون مفطرًا شرعًا، لا حسًّا؛ كالعيدين والتشريق، وتكون الفائدة فيه: أنَّ اللَّيل غير قابل للصوم، وأنَّه بنفس دخوله خرج الصائم من الصَّوم.

وعلى المعنى الأول: يكون دخول اللَّيل علامةً لجواز الفطر، وعلى الثاني: يكون فيه بيان امتناع الوصال، بمعنى الصَّوم الشرعي.

فلا يكون من أمسك حسًّا صائمًا شرعًا، بل هو مفطر شرعًا، وفي ضمن ذلك إبطال فائدة الوصال شرعًا؛ إذ لا يحصل به ثواب الصَّوم.

وقال بعضهم: لا يجوز الإمساك بعد الغروب، وهو كإمساك يوم الفطر، ويوم النَّحر، وقال بعضهم: هو جائز، وله أجر الصائم.

واحتج هؤلاء بوصاله صلى الله عليه وسلم وتقريره ذلك لغيره، وإن الأحاديث الواردة بالنهي عن الوصال التي ذكرها مسلم في ألفاظها ما يدلُّ على أن النهيَ عن ذلك تخفيفٌ ورِفْق، وفي بعض طرق مسلم: نهاهُمْ عَنِ الوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ، وفي بعض طرقه: لَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنتهُوا عَنِ الوِصَالِ، وَاصَل بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الهِلَالَ، فقالَ صلى الله عليه وسلم : "لَوْ تَأَخَّرَ الهِلَالُ، لَزِدْتُكُمْ"؛ كَالمنكل لهم، وفي بعض طرقه: "لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ، لَوَاصَلْنَا وِصَالًا يَدَعُ المُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ"، وهذا كله دليل على عدم استحالةِ إمساكِ الليل شرعًا، ولو كان مستحيلًا، لما واصل صلى الله عليه وسلم بهم، ولا حملَهم على ما لا يحلُّ، ولعاقبَ مَنْ خالفَ نهيَه[5].

وفي رواية شعبة: "فَقَدْ حَلَّ الْإِفْطَارُ"[6]، وهي تؤيد كونَ المراد: أنه دخل وقتُ فطره، ورجَّحه ابن خزيمة، وقال: قوله: "فقد أفطر الصائم" خبر، ومعناه الإنشاء؛ أي: فليفطرِ الصائمُ، قال: ولو كان المراد: فقد صار مفطرًا، كان فطر جميع الصوام واحدًا، ولم يكن للترغيب في تعجيل الإفطار معنى[7].

قال ابن حجر: وقد يجاب: بأنّ المراد فعل الإفطار حسّاً ليوافق الأمر الشّرعيّ، ولا شكّ أنّ الأوّل أرجح، ولو كان الثّاني معتمداً لكان من حلف أن لا يفطر فصام فدخل الليل حنث بمجرّد دخوله. ولو لَم يتناول شيئاً.

ويمكن الانفصال عن ذلك: بأنّ الأيمان مبنيّةٌ على العرف، وبذلك أفتى الشّيخ أبو إسحاق الشّيرازيّ في مثل هذه الواقعة بعينها، ومثل هذا لو قال: إن أفطرتِ فأنتِ طالقٌ. فصادف يوم العيد. لَم تطلق حتّى يتناول ما يفطر به، وقد ارتكب بعضهم الشّطط فقال: يحنث[8].

الثالثة: وفي الحديث من الفوائد: بيان وقت الصَّوم وتحديده[9].

الرابعة: الرَّد على أهل الكتاب وغيرهم من المتشيعة الذين قالوا: لا يفطر حتَّى تظهر النجوم[10].

الخامسة: أنَّ الأمر الشرعي أبلغ من الحسِّي، وأنَّ العقل لا يقضي على الشَّرع، بل الشَّرع قاض عليه؛ حيث جعل دخول اللَّيل فطرًا شرعًا[11].

السادسة: البيان بذكر اللَّازم والملزوم جميعًا؛ فإن اللَّازم يلزم منه وجود اللزوم، ولا ينعكس؛ فإنَّه صلى الله عليه وسلم ذكر إقبال اللَّيل، وهو لازم، وإدبار النهار، وهو ملزوم الفطر، للإيضاح والبيان، والله أعلم[12].

السابعة: في الحديث أيضاً استحباب تعجيل الفطر، وأنّه لا يجب إمساك جزء من الليل مطلقاً، بل متى تحقّق غروب الشّمس حل الفطر.

وأخرج ابن أبي شيبة عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَفْطَرَ عَلَى عِرْقٍ، وَإِنِّي أَرَى الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ»[13].

ووجه الدّلالة منه: أنّ أبا سعيد لَمّا تحقّق غروب الشّمس لَم يطلب مزيداً على ذلك , ولا التفت إلى موافقة من عنده على ذلك، فلو كان يجب عنده إمساك جزءٍ من الليل لاشتراك الجميع في معرفة ذلك[14].

الثامنة: وفيه إيماء إلى الزّجر عن متابعة أهل الكتاب فإنّهم يؤخّرون الفطر عن الغروب[15].
-------------------------------------------------
[1] أخرجه: البخاري/ صحيحه (1954) (3/ 36).

[2] الفاكهاني/ رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (3/ 452).

[3] ابن دقيق العيد/ إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 27)، ابن العطار/ العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام (2/ 883).

[4] ابن حجر/ فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري (4/ 217).

[5] ابن دقيق العيد/ إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 27)؛ ابن العطار/ العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام (2/ 884)؛ الفاكهاني/ رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام (3/ 452).

[6] إسناده صحيح، أخرجه: أحمد/ مسنده (19414) (32/156).

[7] السفاريني/ كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (3/ 578).

[8] ابن حجر/ فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري (4/ 218).

[9] ابن العطار/ العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام (2/ 884).

[10] ابن العطار/ العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام (2/ 884).

[11] ابن العطار/ العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام (2/ 885).

[12] ابن العطار/ العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام (2/ 885).

[13] أخرجه: ابن أبي شيبة/ مصنفه (8949) (2/ 278).

[14] ابن حجر/ فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري (4/ 219).

[15] ابن حجر/ فتح السلام شرح عمدة الأحكام من فتح الباري (4/ 219).