arrow down

قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (16)

بقلم فضيلة د. مهران ماهر عثمان (عضو رابطة علماء المسلمين)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
المستمعون الأكارم .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
في اللقاء السادس عشر نقف مع أحداث قصة ستحدث في المستقبل ، حدث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورواها عنه ابنُ عباس رضي الله عنهما ، وأخرجها الترمذي في جامعه ، والنسائي وابن ماجة في السنن ، والطبراني في معجمه الكبير ، قال صلى الله عليه وسلم :« يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، نَاصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا ، يَقُولُ : يَا رَبِّ ، هَذَا قَتَلَنِي ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْقَاتِلِ: تَعِسْتَ، وُيَذْهَبُ بِهِ إِلَى النَّارِ » .
تشخب : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِفَتْحِهَا ، أَيْ تَسِيلُ .
والْأَوْدَاجُ : مَا أَحَاطَ بِالْعُنُقِ مِنْ الْعُرُوقِ .
نستفيد من القصة ما في جريمة القتل من إثم كبير ووزر عظيم ، ومن قتل نفساً بغير حق فقد سَاء لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا.. واعلم أيها المستمع الكريم أنّ أول جريمة قتل في تاريخ البشرية ما حكاه الله تعالى بقوله :} وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ{ [المائدة: 27-30]. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» [البخاري ومسلم] .
والنصوص في تحريم هذه الكبيرة كثيرة جداً .. وهذا سرد لبعضها ..
قال تعالى : } وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{ [الأنعام:151] . وقال : } وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا{ [الإسراء :33] .
قال أبو بَكْرَةَ رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ . قَالَ :«أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ»؟ قُلْنَا : بَلَى . قَالَ :«فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا»؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ . فَقَالَ :«أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ »؟قُلْنَا : بَلَى . قَالَ :«فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ ، وَأَمْوَالَكُمْ ، وَأَعْرَاضَكُمْ ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا » [البخاري ومسلم] . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : النَّفْسُ بِالنَّفْسِ ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي ، وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ» [البخاري ومسلم] . وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول :«ما أطيبك ! وما أطيب ريحك !! ما أعظمك ! وما أعظم حرمتك !! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك» .
ولقد جاء الترهيب فمن هذه الجريمة في كثير من النصوص الشرعية أجتزئ منها ما يلي :
قال ربنا تعالى :} وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا{ [النساء :93] . وقال تعالى : }وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا 68 يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا{ [الفرقان : 68-69] .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :« كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا ، أَوْ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا» [أخرجه أبو داود وابن حبان] .
ولقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأنّ أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء كما في الصحيحين .
وفي صحيح البخاري يقول نبينا صلى الله عليه وسلم :«لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» قال ابن عمر : إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ .

وقبل أن أنتقل بكم أخي الكريم ائْذَنْ لي بأن أسمعك هاتين القصتين :
الأولى :
خرجها الشيخان في صحيحهما ، عن أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْحُرَقَةِ –والحرقة : بَطْنٌ مِنْ جُهَيْنَة- قال : فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَكَفَّ الْأَنْصَارِيُّ ، وطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ . فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ :«يَا أُسَامَةُ ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»؟ قُلْتُ : كَانَ مُتَعَوِّذًا . قال :« كيف تصنع بلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ؟ قال : قالها مُتَعَوِّذًا مِنْ الْقَتْلِ. قال :« كيف تصنع بلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ؟ قال : يا رسول الله استغفر لي . فلم يزد على قوله : :« كيف تصنع بلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ؟ حتى قال أسامة : حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ .
الثانية :
أخرجها ابن ماجة ، وهي –كما روى عِمران بن الحُصَين- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعَثَ جَيْشًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ ، فَلَمَّا لَقُوهُمْ قَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا فَمَنَحُوهُمْ أَكْتَافَهُمْ ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ لُحْمَتِي –أي من قرابتي ، هكذا يقول عمران - عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِالرُّمْحِ ، فَلَمَّا غَشِيَهُ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنِّي مُسْلِمٌ . فَطَعَنَهُ ، فَقَتَلَهُ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ ؟ قَالَ : «وَمَا الَّذِي صَنَعْتَ» ؟ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ بَطْنِهِ فَعَلِمْتَ مَا فِي قَلْبِهِ» . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ شَقَقْتُ بَطْنَهُ لَكُنْتُ أَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ. قَالَ :«فَلَا أَنْتَ قَبِلْتَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ ، وَلَا أَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ» ! قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ ، فَدَفَنَّاهُ ، فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ ، فَقَالُوا : لَعَلَّ عَدُوًّا نَبَشَهُ . فَدَفَنَّاهُ ، ثُمَّ أَمَرْنَا غِلْمَانَنَا يَحْرُسُونَهُ ، فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ ، فَقُلْنَا : لَعَلَّ الْغِلْمَانَ نَعَسُوا . قال : فَدَفَنَّاهُ ، ثُمَّ حَرَسْنَاهُ بِأَنْفُسِنَا ، فَأَصْبَحَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ ، فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الشِّعَابِ . فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ :« إِنَّ الْأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَحَبَّ أَنْ يُرِيَكُمْ تَعْظِيمَ حُرْمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .
اللهم باعد بيننا وبين أعراض ودماء إخواننا المسلمين كما باعدت بين المشرق والمغرب
أكتفي بهذا القدر ، وأترككم في حفظ الله ورعايته ، وصلى الله وسلم وبارك وأنعم على نبينا وسيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .