arrow down

طوبى لمن شفع له الصيام، وحامى عنه القرآن والقيام

بقلم البروفيسور/ الأمين الحاج محمد ( رئيس رابطة علماء المسلمين )

من نعم الله العظيمة، وآلائه الجسيمة، التي وعد الله ورسوله بها عباد الله المتقين، وحزبه المفلحين، وجنده الطائعين، وأصفياءه الموحدين الذين سبقت لهم من الله الحسنى، كثرة الشفاعات والشفعاء يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاَّ من أتى الله بقلب سليم، فما أكثر الشفعاء لأولئك السعداء.

إذا أردت أخي الصائم أنْ يشفع لك الصيام، وأنْ تستمتع وتستفيد من محاماة شهر القرآن والغفران، فعليك بحفظ جوارحك كلها بعد امتناعك عن شهوتي البطن والفرج في نهار رمضان.

أمَّا من أمسك عن شهوتي الطعام والشراب، وامسك عن الاستمتاع بالنساء ولكنه اطلق جوارحه فيما حرم عليه في رمضان وغير رمضان، فهذا ليس له حظ في شفاعة الصيام والقيام، ولا تلاوة القرآن.

روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: “الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي ربِّ! منعته الطعام والشهوات بالنهار، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، فيشفعان”1.

قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: (واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام. فمن جمع بين هذين الجهادين، ووفى بحقوقهما، وصبر عليهما، وفي أجره بغير حساب، قال كعب: ينادي يوم القيامة منادٍ: إن كل حارث يعطى بحرثه ويزداد، غير أهل القرآن والصيام، يعطون أجورهم بغير حساب، ويشفعان له أيضاً عند الله عز وجل.

إلى أنْ قال:

فالصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها، سواء كان تحريمها يختص بالصيام كشهوة الطعام والشراب والنكاح، ومقدماتها، أو لا يختص به، كشهوة فضول الكلام المحرم، والنظر المحرم، والسماع المحرم، والكسب المحرم.

فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا رب، منعته شهواته، فشفعني فيه، فهذا لمن حفظ صيامه، ومنعه من شهواته.

فأمَّا من ضيَّع صيامه، ولم يمنعه مما حرَّمه الله عليه، فإنه جدير أنْ يضرب به وجه صاحبه، ويقول له: ضيعك الله كما ضيعتني، كما ورد مثل ذلك في الصلاة.

قال بعض السلف: إذا احتضر المؤمن، يقال للملك: شُمَّ رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن، فيقال: شُمَّ قلبه، فيقول: أجد في قلبه الصيام، فيقال: شُمَّ قدميه، فيقول: أجد في قدميه القيام، فيقال: حفظ نفسه حفظه الله)2.

فطوبى لمن كثرت شفعاؤه، وقلت خصماؤه، وصلح له صيامه، وصلاته، وقيامه، وقبل حَجُّه، وسائر أعماله، ونودي للدخول من أبواب الجنة الثمانية.

فالسعيد من ضوعفت له الحسنات، وغفرت له الزلات والسيئات.

والشقي التعيس من غلبت آحاده عشراته، وكثر خصماؤه، ونفقت أعماله، وعدم الشفيع والحميم.

اللهم بلغنا رمضان، ووفقنا للصيام والقيام والانفاق، وحفظ الجوارح من الوقوع في الحرام، وصلى الله وسلم على خاتم الرسل العظام، مسك الختام، وعلى آله وأصحابه ما صاح قمري وغرَّد حمام.