arrow down

*فجور في الخصومة*

بقلم فضيلة د. عدنان بن محمد أمامة ( عضو رابطة علماء المسلمين )

الفجور في الخصومة من صفات المنافقين قال صلى الله عليه وسلم: آية المنافق ثلاث وعد منها: "إذا خاصم فجر".

والفجور في المخاصمة يعني: عدم الوقوف فيها عند حدود الحق، والاسترسال في العداء والافتراء، والاتهام جزافاً دون تحقق ولا تثبت.

وهذا خلق ينبغي أن يترفع عنه طلبة العلم والمتصدرون للتعليم .

إنّ ما حصل في هذه الأيام بعيْد الانتخابات في لبنان وما صدر ممن ينتسب للعلم ويتصدر المجالس لتعليم الناس التوحيد والآخلاق والآداب الاسلامية أمر مؤسف حقا يجعلنا نتشوف للإنصاف ونتطلب البعد عن الفجور الذي ينبغي أن يجتنبه كل منتسب لهذا العلم الشريف .

لقد حصل سجال - لا يخفى - بين بعض القائلين بجواز الانتخابات، وبين بعض المحرمين لها، وأدلى كل فريق بحجته، وهذه ظاهرة صحية ونافعة وسنة دأب عليها أسلافنا.

لكن الأمر لم يقف لدى البعض عند هذا الحد، بل تعداه إلى اتهام القائلين بالجواز بأنهم أشركوا بالله عز وجل! واتخذوا مع الله كفؤا يشرع للناس كتشريع الله!
ونسبوا إلى القائلين بجواز الانتخابات بشروطها أنهم يعتقدون أن النواب الذين انتخبوهم يحمونهم ويدفعون عنهم شر الأعداء!

وكأن هذا البعض يرى عدم جواز الأخذ بالأسباب، ويعدُّها من الشرك بالله، وقد فاته أن النبي صلى الله عليه وسلم معلم الدنيا التوحيد قد احتمى بعمه أبي طالب من كفار قريش، ودخل مكة المكرمة بعد عودته من الطائف تحت حماية وجوار المطعم بن عدي.

فهل غاب عن النبي صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أن الحامي والنافع والضار على الحقيقة هو الله؟!

أو أنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلمنا أن من هديه الرشيد الأخذ بالأسباب الشرعية وعدم التفريط بها بذريعة أن الأمور كلها بيد الله، وأن المطلوب بعد الأخذ بالأسباب الاعتماد على الله وتعليق القلب به وحده دون الأسباب.

واتهم هذا الفريق مخالفيهم في المسألة بأنهم من أصحاب المدرسة العقلية التي تقدم العقل على النقل ولا تسلم للشرع فيما لم يفهمه العقل، وأنهم يحتذون سنن بني إسرائيل الذين أكثروا من الاعتراض على سيدنا موسى عليه السلام، ووصف القائلين بالجواز بأنهم لا يعرفون السنن الشرعية في تسلط الكفار على المسلمين، ولا يقبلون الأخذ بالأسباب، والعلاجات الشرعية، لما حل بهم، وأنهم فقط يظنون أن النصر والفرج بيد السياسين وعبر اللعبة البرلمانية!

ولا شك أن هذا تحامل وافتراء وتجن يستحق أن نذكر مختلقه بقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال".

وربما نسي هذا الشيخ أن القول باختيار الحاكم والحكم الأقل كفرا هو قول جماهير الأمة الإسلامية قديما وحديثا، وقد صرح به العز بن عبد السلام، وابن تيمية، والشنقيطي صاحب أضواء البيان، والسعدي، وأحمد شاكر، وابن باز، وابن عثيمين، والألباني، ومجامع الفقه الإسلامي وجل علماء الشريعة في الأرض .

فهل كل هؤلاء عقلانيون لا يعرفون السنن الكونية ولا الأسباب الشرعية لدفع تلك السنن؟!
أوليس الرجوع إلى أهل العلم فيما يحل بالمسلمين من نوازل هو المنهاج الذي أرشد إليه الله سبحانه في قوله: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم وقد رددنا أمر تسلط الكفار على المسلمين وتحكمهم في بلاد المسلمين إلى أهل العلم والاستنباط فأفتوا بانتخاب أهون الشرين وسارت على فتواهم مجتمعات المسلمين في كل بلاد المسلمين فإذا كان هؤلاء العلماء يقودون الناس إلى الكفر والضلال فأين نجد الهدى يا ترى؟

إن ما وقع من هؤلاء المنتسبين للعلم من تكفير لعلماء الأمة، وتجهيل لهم، وتجنٍ عليهم، وتقويل لهم ما لم يقولوه، واتهامهم بما لا يعتقدونه هو أمر خطير كُبَّار يخالف منهج القرآن الكريم في وجوب العدل حتى مع الخصوم فضلا عمن تجمعك بهم رابطة التوحيد والإسلام،
ويشي بشر عظيم، حيث يشجع الغلاة على المضي في غلوهم، ويجرئ العامة على علمائهم، ويسقطهم من أعينهم، فيتخذ الناس رؤساء جهال يضلون ويضلونهم.

وما صدر من هذا الشيخ لا يمكن أن يوصف إلا بأنه فجور في الخصومة هدانا الله وإياه سواء السبيل.