arrow down

الجنة ونعيمها

بقلم فضيلة أ.د. علي بن محمد مقبول الأهدل (عضو رابطة علماء المسلمين)

انتهى رمضان بما فيه من أعمال صالحة من قيام وصلاة وقراءة قرآن وصدقة وتقبل الله من أناس ورد آخرين.

فمن تقبل الله منه فقد فاز فوزاً عظيماً ومن لم يتقبل منه فهناك مواسم ومحطات اللحاق بالآخرين هناك الست من شوال وهناك الحج وهناك العشر من المحرم ومواسم الخيرات كثيرة لمن وفقه الله لاستغلالها.

أيها الإخوة في الله: ترى من بذل في رمضان وتصدق وصلى وقام ما هي مكافئته؟

ما هو الشيء الذي خسره في هذه الحياة من بذل الصدقات وبذل الوقت والتعب في الصيام والقيام؟ وإذا قلنا أنه قد بذل وخسر فما هو الجزاء؟

هل تعلم ما هو الجزاء؟ إنه الجنة ونعيمها الجنة التي أخبر الله عنها في القرآن الكريم وفي السنة النبوية ولذلك سوف أحدث حديثاً مختصراً عن الجنة ونعيمها ليزداد المحسن ويُقبل ويتوب ويؤوب المسيء ويشمر.

الجنة هي: النعيم التي أعدها الله لعباده المؤمنين والمتقين والأبرار جزاءً لإيمانهم وعملهم الصالح في الدنيا وجزاء مجاهدتهم لأنفسهم في ترك المعاصي والمحرمات {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف:72].

{تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا} [مريم:63].

{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الإنفطار:13].

{وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا } [الإنسان:12].

ولقد رغب الله في الجنة وحث المؤمنين على العمل من أجلها فقال جل شأنه: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد:21].

{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:133].

{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46].

{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:40-41].

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:82].

واعلم يا أخي المسلم: أن الجنة هي فوق ما تقرأ أو تسمع وفوق ما يخطر لك ببالك وتصورنا للجنة لا يحيط بالجنة أبداً؛ أما ما جاء في القرآن والسنة من وصف بنائها وقصورها وولدانها وذهبها وأنهارها وأشجارها وثمرها لا يشبه شيئاً من جنة مثلها في الدنيا إلا الاشتراك في الاسم.

قال ابن عباس في قوله تعالى: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:25]، قال: لا يشبه شيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء، ويدل لذلك أيضاً ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرأوا إن شئتم {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة:17]».

واعلم أيها الأخ المسلم أن الجنة ليست جنة واحدة وإنما هي أربع جنان وقيل ثمان وإن ما بين الجنة والأخرى تفاضل في النعيم، قال تعالى: {وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} [الإسراء:21].

كما أن في الجنة الواحدة تفاضل في المنازل والدرجات.

وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب في السماء».

وأعلى الجنة الفردوس ثم عدن ثم الخلد ثم المأوى فهذه الجنان الأربع وقد بينها الله تعالى في سورة الرحمن وبين ما فيها وتفاضلها فقال جل وعلا: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن:46]، فوصف ما فيها من أنهار وثمار وفرش وحور ثم قال تعالى: {وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} [الرحمن:62]، فوصفهما كذلك بما فيما...

روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما...».

وللجنة ثمانية أبواب: باب خاص بأمة محمد لا يدخل معهم غيرهم ويشاركون الأمم الأخرى وباب للصلاة وباب للصوم وباب لطاعة الوالدين وباب للصائمين وباب للصدقة وباب لصلة الرحم وباب للإحسان.

أما عن صفة الجنة فإليك صفتها باختصار شديد:

أولاً أرضها وتربتها: إن أرض الجنة وتربتها ليست كأرضنا هذه ولكن ترابها الزعفران وحصباؤها اللؤلؤ وملاطها – أي طينها – المسك، فقد سئل الرسول عن الجنة فقال: «ملاطها المسك الأذفر وحصباؤها الياقوت وترابها الزعفران» [رواه الترمذي ويه مقال].

ثانياً أنهارها: إن أنهار الجنة التي تجري فيها أربعة أنهار وتنحدر من الفردوس وتمر بالجنان الأربع وهي نهر من ماء ونهر من لبن ونهر من خمر ونهر من عسل مصفى {وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ...} [البقرة:25]، وقال تعالى مبيناً تلك الأنهار {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [محمد:15].

ولتعلم يا أخي المسلم أن ماء الجنة ليس كماء الدنيا فإن ماء الدنيا إذا تأخر وركد في مكان تغير طعمه ولونه بطوال المكث لكن ماء الجنة مهما طال عليه الزمن يزداد حلاوة ولذة وإن ماءها أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل ولبنها غير لبن الدنيا فإن لبن الدنيا يخرجه الله من بين دم وفرث وإذا تأخر يحمض وينتن لكن لبن الجنة نهر جار كلما طال عليه الزمن ازداد لذة.

وخمرها ليس كخمر الدنيا إذا شرب منه الشارب ذهب عقله وتقيأ وأصيب بصداع لكن خمر الجنة نهر جار وليس هو نتيجة تخمير بعض الثمار ولا يفقد شاربه عقله.

{يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ* بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ* لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ} [الواقعة:17-19].

وعسلها كذلك ليس كعسل الدنيا الذي هو لعاب دودة النحلة لكنه نهر جار لا شمع فيها كعسل الدنيا فهذه هي أنهار الجنة ومنها يشرب المتقون.

ثالثاً قصورها ومساكنها: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} [الزمر:20].

{أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} [الفرقان:75].

فقصور الجنة وغرفها مبنية من الذهب والفضلة وليست مبنية من الطوب والحجر والأسمنت.

{تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا} [الفرقان:10].

روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن».

رابعاً الفرش والأواني: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} [الرحمن:54].

{عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ* مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} [الواقعة:15-16].

فأرض الغرف مفروشة بالسجاد وحولها النمارق مصفوفة وكلها من الحرير {فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ* وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ* وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ* وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} [الغاشية:13-16].

هذا بالنسبة للفرش وأما الأواني من صحاف وكؤوس فإنها من ذهب {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} [الزخرف:71].

{وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا* قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} [الإنسان:15-16].

خامساً نساء الجنة: إن لكل مؤمن في الجنة زوجتان من نساء الدنيا ومن الحور العين على قدر أعماله، ولعلك تقول مالنا ولنساء الدنيا فإن منهن سيئات الخَلْق والخُلُق، أو لعل عندك ضرتين تكثران عليك وتزعجانك، لا يا أخي، الجنة غير الدنيا واعلم أن نساء الدنيا المسلمات في الجنة يكن خيراً من الحور العين جمالاً وأخلاقاً، وإن الحور العين لخدم لهن، وفضلن على الحور العين – لطاعتهن لله في الدنيا – ثم لا حسد بينهن ولا بغضاء ولا عداوة بل أخوات متحابات {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [الحجر:47].

واعلم أيها المسلم أن نساء الجنة مطهرات سواء منهن المسلمات من نساء الدنيا أو نساء الحور العين فلا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس ولا ولادة بل أبكاراً كلما جاءها زوجها وجدها بكراً {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:25]، وقال تعالى: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ* كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ} [الصافات:48-49]، {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ... كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن:56-58].

وقال: {إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء* فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا* عُرُبًا أَتْرَابًا} [الواقعة:35-37]، يعني بعمر ثلاثين سنة وراغبات في الزواج.

وقال تعالى: {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} [النبأ:33]، ومعنى كواعب يعني مرتفعات النهود يا له من وصف وياله من ترغيب.

أرأيت يا أخي المسلم لو أن رجلاً أو شاباً وصفت له فتاة جميلة مهذبة وذكر له من محاسنها ألا يرغب في الزواج بها ودفع المال الطائل لخطبتها فهذا ربُّ العالمين وأصدق المخبرين يصف لنا الحور العين، والحور العين يعني الواسعات شديدات بياض العين وسوادها، والحوار شدة البياض - يحببهن إلينا لعلنا نرغب فيهن ومن لا يرغب - لأجل أن نعمل من أجل الحصول عليهن والزواج بهن.

فهل من خاطب أو خاطبة فإن كنت خاطباً فقدم المهر إنه الإيمان بالله والعمل الصالح واجتناب المحرمات.

وإليك يا أخي هذا الحديث الشريف فلعلك تبحث عن المهر وهو العمل الصالح، قال صلى الله عليه وسلم: «لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض لأضاءت الدنيا وما فيها ولملأت ما بينهما ريحاً ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا» [أخرجه الترمذي وهو حديث صحيح].

فما ظنك يا أخي المسلم بعد هذا إن كان خمارها خير من الدنيا وما فيها وريحها يعبق الدنيا كلها فيا سعادة من كُنَّ له.

أسأل الله أن يدخلنا الجنة اللهم ادخلنا الجنة وأبعدنا عن النار.

أقول ما تسمعون...

سادساً: الخدم والغلمان:

وصف الله الخدم والغلمان وهؤلاء هم خدم الجنة وصفهم كأنهم لؤلؤ مكنون {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا } [الإنسان:19].

{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} [الطور:24]، وليس لهم عمل سوى تقديم الطعام والشراب.

سابعاً طعام الجنة وشرابها:

وأما طعامهم في الجنة فقد ذكر الله تعالى أن طعامهم اللحم والفاكهة وهي ألذ المأكولات.

وذكر الله أن اللحم الذي يأكلونه هو لحم الطير وهو ألذ اللحوم.

{وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ* وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} [الواقعة:20-21]، {وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ} [الطور:22].

واعلم أن هذا الطعام غير منقطع فمتى يشتهي منه شيئاً وجده بخلاف ثمر الدنيا وفاكهتها فإن ثمر الشتاء لا يوجد بالصيف وفاكهة الصيف لا توجد في الشتاء لكن ثمر الجنة غير منقطع، قال تعالى: {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ* لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة:32-33].

ومن الذي يمنعه عنها وهي ملكُهُ، قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر:74].

والعم أن الجنة فيها من جميع الثمار والفواكه التي تعلمها والتي لا تعلمها ولا تحتاج لتحمل سلة أو كيساً لتذهب وتقطع من البستان، لا، إن ثمرها متدلٍ وأنت جالس وأنت مضطجع، فقد قال الله تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} [الرحمن:54].

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «ينال منه القائم والقاعد والمضطجع».

كما قال تعالى: {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} [الإنسان:14].

ثامناً: لباسها وزينتها: إن لباس أهل الجنة في الجنة الحرير وليس كحرير الدنيا الذي هو من دودة القز لا، إنه صُنع رب العالمين الذي أتقن كل شيء ولكل واحد سبعون حلة من حلل الجنة لا يشبه لون واحدة منها الأخرى، عليهم ثياب من سندس خضر وإستبرق وهذه الثياب لا تبلى وكلما طال عليها الزمن تزداد جودة.

وأما زينتهم من الأساور فإن أهل الفردوس وعدن زينتهم الذهب يحلون فيه، قال تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا} [فاطر:33]، وأما أهل جنة الخلد والمأوى فزينتهم الفضة، قال تعالى: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان:21].

أخي المسلم هذه هي الجنة: المقابل عمل بسيط في هذه الدنيا والبعد عن هذه المحرمات وعدم ظلم الناس وعدم أكل الحرام.

وفي الجنة أخي المسلم المقابل: روحانية وتكريم وثناء وتطمين فهم في جلسة مريحة مطمئنة، الجو حولهم رخاء ناعم فلا شمس تلهب النسائم ولا برد قارس، ولنا أن نقول إنه عالم آخر...

هناك الظلال الدانية وإذا دنت الظلال ودنت القطوف فهي الراحة والاسترواح على أمتع ما يمتد إليه الخيال {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان:24].

فهم مستقرون مستروحون ناعمون في الظلال.

إنه الجزاء الرفيع الخالص الفريد الجزاء الذي تتجلى فيه الرعاية الخاصة والإعزاز الذاتي والإكرام الإلهي والحفاوة الربانية...

أخي المسلم: إنها الجنة في نعيمها فيها السرر المرتفعة التي توحي بالنظافة كما توحي بالطهارة، والأكواب مصفوفة مهيأة للشرب لا تحتاج إلى طلب ولا إعداد، والوسائد والحشايا للاتكاء وفي ارتياح والبسط والسجاجيد مبثوثة هنا وهناك للزينة والراحة سواء.

ومع هذه المتع النفيسة الجسدية هناك متع نفسية لا فضول في الحديث ولا ضجة ولا جدل ولا خصام ولا حقد ولا حسد وإنما يُسْمع صوت واحد هو صوت السلام، قال تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا} [مريم:62]، {لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا} [النبأ:35]، فهي حياة مصونة عن الكذب وعن اللغو، إذن هي حالة من الرفعة والمتعة والخلود تليق بدار الخلود...

وأخيراً أيها المسلم:

- أهدى للنبي برده...

- «لو كانت الدنيا تساوي عند الله»...

هل تضحي بهذا النعيم من أجل نعيم مليء بالأكدار والآلام والمتاعب {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد:4].

هل تضحي بنعيم لا يدركه العقل ولا يخطر على القلب ولا تسمعه الأذن.

قال بعض السلف: لو أن الله توعدني أن يحبسني في حمام لبكيت فكيف بنار محرقة.

أخي المسلم هلَّا شمَّرت عن ساعد الجد، إن الجنة أخي المسلم مشهدها وديع أليف رضي جميل...

الجنة، تقرب من المتقين حتى تتراءى لهم من قريب مع الترحيب والتكريم {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [ق:31]، أي قربت، ومع هذا القرب التكريم في كل كلمة وفي كل حركة فالجنة تقرب وتزلف فلا يكلفون مشقة السير إليها؛ بل هي التي تجيء {غَيْرَ بَعِيدٍ} ونعيم الرض يلقاهم مع الجنة {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ } [ق:32]، ثم يؤذن لهم بالدخول بسلام لغير خروج {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} [ق:34].

ثم يؤذن في الملأ الأعلى تنويهاً بشأن القوم وإعلاناً لهم عند ربهم من نصيب غير محدود {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق:35]، فهنا اقترحوا فهم لا يبلغون ما أُعدَّ لهم فالمزيد من ربهم غير محدود.

فكن يا أخي المسلم إلى ربك مستاقاً، وإلى جنانه راغباً، واعلم أن القرآن يفتح باب التوبة من أجل الجنة {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء:110]، إنه سبحانه موجود للمغفرة والرحمة حينما قصده مستغفر منيب والذي يعمل السوء ويظلم غيره، وظلم نفسه وقد يظلم نفسه وحدها إذا عمل السيئة لا تتعدى شخصه، وعلى أية حال فالغفور الرحيم يستقبل المستغفرين ي كل حين ويغفر لهم ويرحمهم متى ما جاءوا تائبين مستغفرين وجدوا الله غفوراً رحيماً، ووجد جنة عرضها السماوات والأرض.

والله المستعان...