arrow down

الآفاقُ المرجوَّة للعلماء والدعاة

بقلم فضيلة عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

آفاقُ وتطلُّعاتُ كثيرٍ من العلماء والدُّعاة محدودةٌ للغاية؛ لا تكاد تتجاوز دروسًا وخُطَبًا ومصنَّفات وجمعيَّات خيريَّة وأعمال إغاثيَّة - ونحوها - لعدَدٍ من المستفيدين - قلَّ أو كَثُر- وكذا الجماعات التي قد تشارك في العمليَّة السياسيَّة القائمة في بلدانهم لا تعدُوا آفاقَهم المشاركة في البرلمان ونحو ذلك مما قد يجودُ به الساسةُ المحنَّكون في الطغيان والفساد.. وفي الغالب مواقع غير مؤثِّرة.

وأقربُ مثال على ذلك هو ما حدث في ثورات تونس ومصر وليبيا؛ فرغمَ المساحات الواسعة والفرَص التي أُتيحَت لكافَّة الشرائح الدعويَّة وغيرها إلا أنَّنا لم نجد من أكثرهم إلا محدوديَّةً في الانتشار والتخطيط والعمل.. وتفصيلُ ذلك مما يطول به الكلام..

وكلُّ ما ذكرنا من الأعمال العلمية والدعوية والإغاثية حسنٌ ومطلوبٌ شرعًا، وفيه خيرٌ كثير؛ إنَّما الإشكال: الظنُّ بأنَّ ما نقوم به كافٍ وهو - فقط - المطلوب..

إنَّ المهمَّة الأساسيَّة لعلماء هذه الأمَّة - باختصار ينفي الإجمال والاحتمال - هي: ميراث النبوَّة؛ ودليل ذلك في حديث أبي الدرداء مرفوعًا: «وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا؛ إنَّما ورَّثوا العلم؛ فمَن أخذه أخذ بحظٍّ وافر». [رواه أبو داود (3643) والترمذي (2682) وغيرهما، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6297)].

والأنبياء لم تكن مهمَّتهم تبليغ العلم فحسب؛ بل السَّعي في تطبيقه في واقع الحياة، ولذلك شُرِعَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "ولأنَّ الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتمُّ ذلك إلا بقوَّةٍ وإمارةٍ وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحجِّ والجُمَع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوَّة والإمارة" [انظر السياسة الشَّرعيَّة لابن تيمية].. إنَّ الأنبياء كانوا يسوسون الناس ويتولَّون أمورهم ويقومون بما يصلحهم كما تفعل الأمراء والولاة والحكَّام بالرعية؛ ففي حديث أبي هريرة - رضي اللَّه عنه- رفعه إلى النَّبِيِّ - صلى اللَّه عليه وسلم - قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ». [أخرجه البخاري (3455) ومسلم (1842)].

قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: قوله - صلى الله عليه و سلَّم -: «كانت بنو اسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ»، أي يتولَّون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعيَّة، والسياسة القيام على الشيء بما يُصلِحُـه [شرح صحيح مسلم (12/ 231)].

وقال ابن الأثير: "سوس" فيه: «كانت بنو إسرائيل تَسُوسُهم أنبياَؤُهُمْ» أي: تتولَّى أمورهم كما تفعل الأمراءُ والولاةُ بالرَّعيَّة. والسِّياسةُ: القيامُ على الشيء بما يُصْلِحُه" [النهاية (2/1031)]. ولنا في نموذج سيِّدنا يوسف- عليه السَّلام - دروس وعِبَر، بل في سيرة سيِّد المرسَلين - النموذج الكامل - عليه أفضل الصَّلاة والتسليم.

وقد فسَّر السلفُ "أولي الأمر" في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59]. بأنَّهم العلماء والأمراء؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فهؤلاء هم ولاة الأمر بعده وهم الأمراء والعلماء وبذلك فسَّرها السلف ومَن تبعهم من الأئمَّة كالإمام أحمد وغيره وهو ظاهر". [مجموع الفتاوى (19/117)].

روى ابن أبي حاتم بسندٍ حسن عن عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء:59]، يعني: أهل الفقه والدِّين، وأهل طاعة الله الذين يعلِّمون النَّاس معاني دينهم، ويأمرونهم بالمعروف وينهونَهم عن المنكَر، فأوجب الله -سبحانه- طاعتهم على العباد.

وأخرج ابن أبي حاتم بسندٍ صحيح عن أبي هريرة من قوله تعالى: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} قال: هم الأمراء.

فالعالـِم والداعية المقتدي بنبيِّنا - صلى الله عليه وسلم- يجبُ أن يوسِّعَ أُفُقه ونيِّته لبلوغ تمام ذلك الاقتداء، وإن عجز في الحال عن بلوغ ذلك أو بعضه..

لقد بلغ من ضَعف أُفُقِ بعضِنا ظنَّه أنَّ مجرَّد متابعة الأخبار كافٍ في إسقاط المهمَّة الـمَنُوطة به - أعني: سياسةَ النَّاس..

" ليست السياسة متابعة الأخبار فهذا ليس بالأمر الكبير؛ ولكنَّها: معرفة أصدقاء الأمَّة من أعدائها، ومعرفة خير الخيرَين وشرِّ الشَّرَّين، ومعرفة أيَّام الله في أوليائه، وأيام الله في أعدائه، وسنن الله في معاقبة المجرمين الظالمين، وسنن الله في أنَّ العاقبة للمتقين.." [خواطر في السياسة للعبدة]

ومن هذا الكلام الموجَز المتين ننطلق في نُصحِنا لأنفسنا ولإخواننا؛ فمن أُبعِد وأُقصِي عن مهمَّته في وراثة النُّبوَّة - رغمًا عنه - فلينشغِل - على أقلِّ تقدير - بهذه المعارف المذكورة وتنميتها حتى يأتي الله بأمره، ليقوم كلٌّ بدوره الصحيح..

ومن جهة أخرى نؤكِّد على أنَّ السياسيين والحكَّام والمسؤولين - إذا أرادوا وجهَ الله عزَّ وجلَّ والدار اآخرة ونجاةَ أنفسهم وخدمة أمَّتهم - فإنَّ عليهم أن يطلبوا الهداية من القرآن قال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123-124]، وأن يقرِّبوا الأتقياء الأنقياء ، وأن يُشرِكوا هؤلاء العلماء في عموم ممارساتهم في حكمِ الشعوب، وأن يُقرِّبوا منهم الصَّالحين الذين يدلُّونهم على الخير؛ فالسعيد من رُزِقَ البطانة الصالحة التي تذكره إذا نسِيَ، وتُعينه على الخير وتنهاه عن الشَّرِّ؛ عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أراد اللهُ بالأميرِ خيرًا جعل له وزيرَ صدقٍ إن نسيَ ذكَّره و إن ذَكَر أعانه، وإذا أراد به غيرَ ذلك جعل له وزيرَ سوءٍ إن نسيَ لم يذكِّره و إن ذكَرَ لم يُعِنْه»، [أخرجه أبو داود (2934) وغيره، وصححه الألباني في صحيح الجامع (302)].

ومن أعرض عن هدي النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- ولم يستنَّ بسنَّته فقد سفِهَ نفسَه كما قال الله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].

وقد أخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الصنف من الأمراء؛ فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن عُجْرة: «أعاذك الله من إمارة السفهاء»، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: «أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنُّون بسُنَّتي فمن صدَّقهم بكذبهم وأعانهـم على ظلمهم، فأولئك ليسوا منِّي ولستُ منهم ولا يرِدُون عليَّ حوضي، ومن لم يصدِّقهم بكذبهم ولم يُعِنْهم على ظلمهم فأولئك منِّي وأنا منهم وسَيَردُون عليَّ حوضي» [رواه أحمد (3/321) وغيره، وصحَّحه الألباني في الترغيب والترهيب (2242)، وبنفس المعنى جملة أحاديث مرفوعة من حديث عابس الغفاري وعوف بن مالك والنعمان بن بشير وحذيفة وخباب وأبي سعيد الخدري - رضي الله عنهم جميعًا-].

فهل يجتمع العلماء والمفكِّرون لوضع خطَّةٍ جديدةٍ للتغيير والإصلاح تواكبُ تحدِّيات اليوم؟

سدَّدنا اللهُ - عزَّ وجلَّ- وإخوانَنا للمنهج الحقِّ..