arrow down

كيف مرَّ العيد على السوريين

بقلم فضيلة د. عبدالله بن فيصل الأهدل ( عضو رابطة علماء المسلمين )

بينما فرِح عموم المسلمين بعيد فطرهم ؛ كانت منظمة الأمم المتحدة تعلن عن مأساة ليست بخافية - ولكن الأرقام المعلنة هذه المرة كانت شديدة القسوة - ؛ فقد قال المدعو بانوس مومتزيس والذي يشغل منصب : منسِّق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية في سوريا في مؤتمر صحفي ما يلي :
1. عدد النازحين السوريين خلال الربع الأول من العام الجاري ، بلغ نحو 920 ألف نازح سوري .
2. هذا الرقم يعتبر رقمًا قياسيًّا منذ بدء الحرب في سورية عام 2011.
3. أعداد النازحين شهد ارتفاعًا كبيرًا في الأشهر الأخيرة .
4. وأعرب عن قلقه من أن يؤدِّي استمرار الوضع الحالي في سوريا إلى نزوح نحو 2.5 مليون شخص إضافي ، وتكدسهم على الحدود التركيَّة .
5. وأشار إلى أنَّ المدنيين ليس لديهم مكان آخر داخل سوريا لينزحوا إليه .
6. عدد النازحين السوريين داخل البلاد ، بلغ 6.2 مليون نازح .
7. فيما اضطرَّ نحو 5.6 مليون سوري للهجرة إلى خارج بلادهم .
8. حذر من تكرار سيناريو الغوطة الشرقية في محافظة إدلب ، التي تضمُّ مئات الآلاف من النازحين بشمال غربي سوريا .
9. وأوضح أنَّ (13.1) مليون سوري بحاجة إلى مساعدات إنسانية بينهم (5.6) مليون بحاجة غلى مساعدات عاجلة .
10. كلُّ (4) سوريين من أصل ( 5 ) يعيشون في فقر .
هذا ملخَّص ما جاء في كلامه ..
*ونقول وبالله التوفيق:*
ما زالت أرض الشام تئنُّ تحت وطأة الطواغيت والمؤامرات الدوليَّة ، وما زال المسلمون هناك تُزهَق أرواحهم بلا رحمة ولا هوادة ، وما زال الطرد والتشريد مفروضًا على الملايين ممن نجا من القتل ، وما زال الخوف والحصار مضروبًا من اليهود والنصارى وكلابهم على عامَّة مَن بقيَ بالشَّام ..
وفي المقابل ما زال - ولله الحمد - الكثير ممن يقبل إخوانه ضيوفًا أعزَّاء على أرضه – وخاصَّة تركيا أردوغان – مما يذكِّرنا بقوله تعالى :﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [سورة الحشر/9] .
ويُذكرنا بشيءٍ من تلك المقامات الرفيعة التي بلغها أصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - ومن تشبَّه بهم من الصالحين .كما جاء في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ : مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «مَنْ يَضُمُّ - أَوْ يُضِيفُ – هَذَا ؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : أَنَا . فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ ؛ فَقَالَ : أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَتْ : مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي. فَقَالَ : هَيِّئِي طَعَامَكِ وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً . فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَاكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ . فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَقَالَ : ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ - أَوْ عَجِبَ - مِنْ فَعَالِكُمَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ :﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾. [رواه البخاري (3798) ومسلم (2054)] .
وأين مَن ليس عندهم إلَّا قوت صبيانهم ممن عنده الفوائض الماليَّة الضخمة من الدول التي لا تبالي بالنفقات على شتى أنواع الترف والفجور والفسوق العلني - فضلًا عن السرِّي - ثمَّ يخرجون متبجِّحين مجاهرين : مواردنا تضيق عن استضافة لاجئين ..
فبينما استحقَّ الأولون ضحك الله - عزَّ وجلَّ - من فعالهم ، ونالوا فرحَ المؤمنين وغبطتهم ؛ استحقَّ الآخرون غضبَه - عزَّ وجلَّ - ولعنته , وغضبَ ولعنةَ أمَّة الإسلام قاطبة ..
ولو عقل أولئك الفجَّار لعلموا أنَّ الأيَّام دُوَل , وتتقلَّب ، وأنَّ فقير اليوم هو غنيُّ الغد , وغنيَّ اليوم هو فقير الغد ، وأنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يبتلي عباده ليرى من هو أحسن عملًا .. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [ الكهف /7] .
وإذا رأى هؤلاء الفجَّار أنَّ مواردهم لا تسع اللاجئين - كما يزعمون - ؛ فليتركوا عباد الله -عزَّ وجلَّ- تسيح في أرض الله , وسيقوم المؤمنون – قطعًا - بواجبهم تجاه إخوانهم ، وقد حدث موقفٌ مشابهٌ في عهد النبي - صلى الله عليه وسلَّم - فقد نزل بالمدينة أقوامٌ من فقراء المهاجرين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم - ؛ فعن جرير - رضي الله عنه - قال : قَالَ كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى صَدْرِ النَّهَارِ قَالَ فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ العَبَاء مُتَقَلِّدِى السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلاَلًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: « ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ وَالآيَةَ الَّتِى فِى الْحَشْرِ : ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ مِنْ دِرهَمِهِ مِنْ ثَوْبِهِ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ - حَتَّى قَالَ - وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ». قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجَزَتْ - قَالَ - ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : « مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَىْءٌ » [رواه مسلم (1017)] .
قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - :
وأما سبب سروره - صلى الله عليه وسلَّم - ففرحًا بمبادرة المسلمين إلى طاعة الله تعالى وبذل أموالهم لله وامتثال أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولدفع حاجة هؤلاء المحتاجين وشفقة المسلمين بعضهم على بعض وتعاونهم على البرِّ والتقوى وينبغي للإنسان إذا رأى شيئًا من هذا القبيل أن يفرح ويُظهر سروره ويكون فرحه لما ذكرناه .اهـ [شرح مسلم (7/103)] .
وفي المسلمين خيرٌ كثير لإخوانهم لا ينقطع إلى قيام الساعة - ولله الحمد والمنة - .. وإنَّ تكافل المسلمين - في الصدر الأول - مع بعضهم بعضًا لهو أرقى ما وصلت إليه البشرية في تاريخها ؛ فعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : بينما نحن في سفر مع النبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إذ جاء رجلٌ على راحلة له ، قال : فجعل يصرف بصرَه يمينًا وشمالًا. فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - : « مَن كان معهُ فضلُ ظهرٍ فليَعُد به على مَن لا ظهرَ له ، ومَن كان له فضلٌ من زادٍ فليَعُد به على مَن لا زاد له» . قال : فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنَّه لا حقَّ لأحدٍ منَّا في فضل . [رواه مسلم (1728)] .
ومن أراد الرزقَ حقًّا فليَقُم بإكرام أمثال هؤلاء بنيَّة خالصةٍ لله - عزَّ وجلَّ - ، ولا يدعهم لكفَّار الأرض يتلاعبون بهم ويصرفونهم عن دينهم كما يحدث الآن في عموم أوروبا .. وليسمعوا قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ» . [رواه البخاري (2896) من حديث سعد - رضي الله عنه - ] .

نسأل الله - عزَّ وجلَّ - أن يجبر كسر عباده المؤمنين في الشام وعموم بلاد الإسلام .