arrow down

الإخلاص والرياء

بقلم فضيلة د. مراد بن أحمد القدسي ( عضو رابطة علماء المسلمين )

بسم الله الرحمن الرحيم

ضرورة الإخلاص:

(( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ))، (( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين ألا لله الدين الخالص ))، (( قل الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه ))، (( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له )).

في حديث مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).

في حديث النسائي عن أبي أمامة - رضي الله عنه -: (أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أرأيت رجلاً غزى يلتمس الأجر والذكر فقال: لا شيء له فأعادها عليه ثلاث مرات، قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه).

من عبارات السلف:

قول الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.

وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله (الإمام أحمد) عن النية في العمل قلت: كيف النية؟ فقال: إذا أراد عملاً لا يريد به الناس.

وقال أحمد بن داود الحربي حدث يزيد بن هارون بحديث عمر، وأحمد جالس، فقال أحمد ليزيد: يا أبا خالد هذا الخناق.

ويقول سفيان الثوري: ما عالجت شيئاً أشد على نيتي، لأنها تتقلب علي.

ويقول يوسف بن أسباط: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد.

وقيل لنافع بن جبير: ألا تشهد جنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي!! قال: ففكر هنيهة ثم قال: امضِ.

مطرف بن عبد الله قال: صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية.

ويقول ابن المبارك: رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية.

معنى الإخلاص:

لغة من الخلوص وهو التصفية من كل شائبة قال - تعالى-: ((من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين)).

قال سهل: (أن تكون حركات العبد وسكونه في سره وعلانيته لله - تعالى - وحده، لا يمازجه شيء لا نفس، ولا هوى، ولا دنيا).

حقيقة العمل الإخلاص:

قال الفضيل: (( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً )) قال: هو أخلصه وأصوبه، ثم قرأ: ((فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً )).

خطر الرياء:

((يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس))، ((يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً)).

روى مسلم في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: (قال - عز وجل -: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه).

في الحديث المتفق عليه من حديث جندب - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: (من سمّع سمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به).

في حديث أبي داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله - عز وجل - لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة).

في حديث مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: (إن أول الناس يقضي فيه يوم القيامة ثلاثة... ) ثم ذكر القارئ والمنفق والمجاهد لغير الله.

أثر الإخلاص لله:

أ- النجاة: ((وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ))، (( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية )).

في الحديث المتفق عليه عن عمر - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: (انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه... ).

ب- الخير للمسلمين: خبر صاحب النقب الذي غامر بنفسه ودخل في نقب فتحه المسلمون في حصن للروم، وفتح الباب للمسلمين من غير أن يعرف أحد من يكون، فنادى منادي مسلمة: عزمت على صاحب النقب أن يأتيني، فجاءه رجل متنقب، وقال أنا رسول صاحب النقب، إنه يأتيكم وله شروط ثلاثة:

لا تسودوا اسمه في صحيفة إلى الخليفة.

ولا تأمروا له بشيء.

ولا تسألوه ممن هو.

فرضي مسلمة فقال: أنا هو.

فكان مسلمة بن عبد الملك يقول في صلاته: اللهم اجعلني مع صاحب النقب.

ج- قبول العمل وتعظيمه: قال ابن المبارك: \"رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية\".

د- مضاعفة الأجر.

هـ- تصحيح العمل.

و- الأجر مع ترك العمل.

ز- النصر والتمكين روى النسائي مرفوعاً: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفيها، بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم).

حـ- سبب زيادة الهدى (( إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى))، ((والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم)).

ط- الإنقاذ من الضلال في الدنيا: جاء في قصة يوسف (( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلَصين))، قرأ بالكسر ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو أي المخلِصين، وقال الآخرون بالفتح أي المخلَصين.

لقد كان من دواعي الوقوع في المعصية في قصة يوسف:

- ما ركبه الله - سبحانه - في طبع الرجل من ميله إلى المرأة.

- هو شاب وشهوته أقوى.

- أنه كان عزباً.

- أنه كان في بلاد غربة، ويتأتى له ما لا يتأتى لصاحب وطنه.

- أن المرأة كانت ذات منصب وجمال.

- أنها غير آيبة ولا متمنعة، وهذا يبعد الرجل، والبعض يزيديهم الإباء كلفاً بالمرأة.

وزادني كلفاً في الحب أن مُنعت أحب شيء إلى الإنسان ما منعا

- هي التي طلبت وأرادت وراودت وبذلت الجهد.

- أنه في دارها تحت سلطانها، ويخشى من قهرها.

- أنه لا يخشى أن تنم عليه هي، ولا أحد من جهتها، فقد غيبت الرقباء، وغلقت الأبواب.

- أنه مملوك لها في الدار، فلا ينكر دخوله وخروجه، وقد قيل لامرأة من أشراف العرب: ما حملك على الزنا؟ قالت: قرب الوساد، وطول السواد.

- أنها استعانت عليه بالمكر والاحتيال، فاستعان هو بالله (( وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين )).

- أنها توعدته بالسجن والصغار، وهو نوع إكراه تهديد.

- أن الزوج لم يظهر من الغيرة والنخوة ما يفرق به بينهما، فقد قال ليوسف: (( أعرض عن هذا )) وقال لها: (( استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين )).

واختار يوسف السجن (( قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه)).

ي - النجاة من عذاب الآخرة، ورفع المنزلة (( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً... الآيات)) إلى قوله: وحريراً.

ك- حب أهل السماء له، والقبول له في الأرض: ففي الحديث المتفق عليه في رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض).

ل- تزيين الإيمان، وكره الكفر والفسوق ((واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان)).

م- التوفيق لمصاحبه أهل الإخلاص.

ن- تحمل الصعاب في الدنيا والثبات.

س- حسن الخاتمة كما في حديث قاتل المائة.

ع- استجابة الدعاء كما في قصة الغلام المؤمن.

ف- قبول العمل رغم الخطأ فيه ففي حديث أبي هريرة: (قال رجلٌ: لأتصدقن الليلة بصدقةً، فخرج بصدقته فوضعها في يد زاينة، فأصبحوا يتحدثون: تصدّق الليل على زانية، قال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، قال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن بصدقةٍ,، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارقٍ,، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأتى فقيل له: أما صدقتُك فقد قبلت، أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق يستعف بها عن سرقته).

الرياء لغة:

مصدر قولهم: راءاه يرائيه رياء ومراءاة، وهو مأخوذ من مادة (رأى) التي تدل كما يقول ابن فارس: على نظر وإبصار بعين أو بصيرة، يقال: \"رأى الناس\" وهو أن يفعل شيئاً ليراه الناس.

الرياء اصطلاحاً:

قال الجرجاني: ترك الإخلاص في العمل بمراعاة غير الله فيه.

وقال التهانوي: حد الرياء فعل الخير لإرادة الغير.

وقيل: هو فعل لا تدخل فيه النية الخالصة، ولا يحيط به الإخلاص.

قال ابن حجر: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها، فيحمدوا صاحبها.

أصل الرياء كما قال الغزالي: طلب المنزلة في قلوب الناس بايرائهم خصال الخير.

واسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادة وإظهارها، ومن ثم يكون الرياء المذموم شرعاً إرادة العباد بطاعة الله.

الفرق بين الرياء والسمعة:

التهانوي: الفرق بين الرياء والسمعة أن الرياء يكون بالفعل، والسمعة تكون في القول.

قال العز بن عبد السلام: الرياء أن يعمل لغير الله، والسمعة أن يخفى عمله ثم يحدث به الناس.

الفرق بين الرياء والنفاق:

1- المرائي يظهر النشاط أمام الناس.

2- المنافق لا يظهر النشاط أمام الناس (( يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً)).

3- الرياء قد يكون في غير العبادات، وليس بحرام إلا إذا دعا إلى ما لا يجوز.

4- النفاق: أصله إبطان شيء وإظهار شيء آخر.

أقسام الرياء:

1- الرياء البدني: ويكون بإظهار النحول والصغار ليري العباد بذلك شدة الاجتهاد، وغلبة خوف الآخرة.

ويقرب من هذا خفض الصوت، وإغارة العينين، وإظهار ذبول الجسم ليدل بذلك على أنه مواظب على الصوم.

2- الرياء من جهة الزي: كإبقاء أثر السجود على الوجه، وارتداء ثوب معين كلبس العلماء.

3- الرياء بالقول: رياء أهل الدين بالوعظ والتذكير، وحفظ الأخبار والآثار لأجل المحاورة، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس، وخفض الصوت وترقيقه بالقرآن ليدل على الخشوع.

4- الرياء بالعمل: كمراءات المصلي بطول القيام، وتطويل الركوع والسجود، وإظهار الخشوع.

5- المراءاة بالأصحاب والزائرين: كالذي يتكلف أن يستزير عالماً أو عابداً أو دعوتهم لزيارته.

درجات الرياء:

للرياء بحسب قصد الرائي أربع درجات:

1- أغلظها: ألا يكون مراده الثواب أصلاً كالذي يصلي أمام الناس ولو انفرد لا يصلي، وربما يصلي رياءً من غير طهر.

2- أن قصده للثواب أقل من قصده لإظهار عمله، وهذا النوع قريب من الذي قبله في الإثم.

3- أن يتساوى قصد الثواب والرياء، بحيث أن أحدهما لا يبعثه على العمل، فلا يسلم من عقاب.

4- أن يكون اطلاع الناس منشطاً للعبادة، ولو انفرد ما ترك العبادة، فهذا لا يحبط أصل الثواب ولكنه ينقص منه أو يعاقب بقدر قصد الرياء، ويثاب بقدر قصد الثواب.

حكم الرياء:

ذكره الذهبي من الكبائر، وعده ابن حجر الهيثمي الكبيرة الثانية بعد الشرك.

وسبب عده من الكبائر:

فيه استهزاء بالحق - تعالى- ولهذا جعل من الشرك الأصغر، وفيه تلبيس على الخلق لإيهام المرائي لهم أنه مخلص مطيع لله - تعالى- وهو بخلاف ذلك.

أدلة تحريم الرياء:

1- (( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رثاء الناس ))

2- (( والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر )).

3- (( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس )).

4- (( ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس)).

5- (( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون )).

6- (( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً )).

7- (( لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله )).

8- في الحديث المتفق عليه من حديث ابن عباس قال: قال (من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به).

9- في الحديث المتفق عليه من حديث أبي موسى: (أن رجلاً أعرابياً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).

10- في الحديث المتفق عليه من حديث أنس: (كنا نحامل قال فتصدق أبو عقيل بنصف صاع قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقه هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياءً) فنزلت الآية: (( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم )).

11- وفي حديث مسلم والترمذي في حديث أبي هريرة: (الإيمان يمان، والكفر قبل المشرق، والسكينة في أهل الغنم، والفخر والرياء في الفدادين أهل الخيل والوبر).