arrow down

نذير من الأحداث

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ومن والاه، وبعد:

فـإن الله تعالى جعل أهل العلم ورثة النبي عليه الصلاة والسلام، يبلغون عنه الدين والإيمان، ويبينون ما فيه من العلم والرشاد، ويدفعون عنه سهام الكفر والإلحاد، وينقونه من آفات البدع والجهل. وإن أعظم إرثهم عقائد الدين وثوابته، فهي عمد البناء، ومنارات السنة، ورايات السلف.

وإن أخطر ما في الفتن أنها تجعل الواقع أرضا عمهة، لا ترى فيها منارة، أو ربما تلوح تارة لتختفي تارات، وإذا لاحت فهي سمادير لا تتبين تفاصيلها.

فتن لا تكتفي بالعامة، بل تطلب بعض الخاصة وأهل العلم، لتضيع من طريقهم استقامته. فنعوذ بالله تعالى كما استعاذ به عمار حين أخبره النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقوم بالحق وتقتله الفئة الباغية، فقال: «أعوذ بالله من الفتن».

وإذا كانت الدماء بيئة الجراثيم جميعا، ومحضن نمائها وانتعاشها، إلا إن دماء الفتنة أثرى وأجذب لجراثيم أخرى، هي أشد فتكا وأسرع انتشارا، إنها جرثومات البدع والانحراف عن منهج السنة، عقيدة أو مسلكا. وكلما اشتدت الفتنة عمت وطالت، وصارت البدع فيها كالوباء العام الذي يستوجب خطة علاج ووقاية ذات أوصاف ثلاثة: عميقة الجذْر، سريعة الأثر، واسعة الرقعة.

وخطة كهذه لا يكتب لها نجاح على مذهب الانفرادية أو الحزبية التي يعاني منها أكثر العاملين في الدعوة الآن، بل شرط تحقيقها وإدراك نجاحها التحام أهل العلم والدعوة:

التحام أخلاقهم وطباعهم ليكونوا ساحة واحدة لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، تسع وقوف الناس جميعا.

ثم التحام ألسنتهم وأقلامهم لسانا واحدا يبين للناس عقائدهم ويصف لهم طريقهم ويدفع الشبهات عنهم.

ثمت التحام سعيهم وحركتهم يدا واحدة ترفع أعلام السنة ورايات السلف، وتحركها طويلا شديدا، تدعو إليها البعيد، وتنبه بها الغافل، وتجمع حولها الناس.

فيا أهل العلم وحرس الدين: إن بنايات البدع لا يمكن أن تشيَّد إلا ببعض بنايتكم، فإذا رأيتم أبنيتهم من حولكم تقام فاعلموا أنها حجارتكم وعمُد بنائكم. فهلموا إلى ما أناط الله تعالى بكم من حراسة العقيدة وبيان السنة وإبلاغ الدين، وافترصوا ما وسع به الله عليكم الآن، قبل فوات الأوان، قوموا إلى ثغوركم، جميعا سريعا، طويلا طويلا، (تنفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين).

وهذا نداء آخر بل صرخة نذير، ينادي على شباب الدين وناصري الشريعة: كيف تسوون صفا تلصقون فيه مناكبكم باشتراكي وعلماني ونصراني، ثم إذا أقيمت الصلاة تركوكم، ولعلهم اتخذوها هزوا ولعبا، أو لربما صلى بعضهم معكم، مؤمنين ببعض الكتاب كافرين ببعض؟!! كيف تتوافقون مع من كفر بدينكم أو أبى حكم شرعتكم، ثم تعيبون بعد ذلك التوافق؟!! كيف اجتهدتم فأُجهِدتم حتى وجدتم لكم موطئا على كلمة سواء بينكم وبين شيوعي ونصراني وعلماني، ثم ما أمكنكم الاجتماع على كلمة أهل العلم وأصحاب السبق وطريق السنة؟!!

فاللهم احفظنا بالإسلام قائمين وراقدين، ومسِّكنا بسنة النبي الأمين، واجعلنا هداة مهتدين، وأعذنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

بقلم

د. محمد رجب محمد

عضو رابطة علماء المسلمين

الاثنين 9 / شعبان / 1437هـ

16 / مايو / 2016م